"آجوران عين أفريقيا"، حكاية إمبراطورية عظيمة من القرن الخامس عشر

"آجوران عين أفريقيا"، حكاية إمبراطورية عظيمة من القرن الخامس عشر

"يُحكى أنه في زمن من الأزمان كان هناك بلد يفوح العطر من نواحيه، ويملأ الحب قلوب ساكنيه، مبانيه بيضاء كثلوج كانون، ورماله ذهبية تخطف الأنفاس، تماماً كذاك النهر الذي يقسمه نصفين: نصف شرقي ونصف غربي". إلى هناك تأخذنا الكاتبة زهرة مرسل، في روايتها الجديدة، لتعرّفنا إلى "آجوران"، الإمبراطورية التي حكمت جزءاً من أرض الصومال في القرن الخامس عشر الميلادي، من خلال حكاية فتاة، هي ابنة أحد كبار تجار الإمبراطورية، والوحيدة التي سمّيت على اسمها آجوران.

تحكي الرواية بشكل أساسي عن علاقة هذه الفتاة بمحيطها، وكيف تفاعلت مع القيود التي تكبّلها لأنها أنثى، واستطاعت بذكائها أن تتغلب على كل الأشياء المفروضة عليها، في مجتمع قبليّ صارم، وقاسٍ في تعامله مع النساء. فتحكي عن طفولتها واكتشافها للحب في فترة المراهقة، وتعلقها بقريبها "ليبان"، الذي يطلب يدها ويوافق الجميع عليه، لكن بعد فترة تكتشف خيانته لها فتصرّ على الطلاق، وتقف في وجه أبيها الذي يعارض ذلك.

اعلان


أقوال جاهزة

شارك غردواحدة من الروايات النادرة المكتوبة باللغة العربية في الصومال

ورغم أن الفترة التي تتناولها الرواية هي فترة قديمة نسبياً، لكن يبدو أن الكاتبة أرادت أن تقول إن مشكلات النساء هي نفسها في كل الأزمنة والأمكنة. فتذكر كيف أن النساء "يهدرن نصف يومهن في المطبخ ونصفه الآخر في الزينة. بالنسبة إليهن جمال المرأة في ملامحها وقدراتها في المطبخ فقط ولكني لم أوافقهن في الرأي، فقد أحببت مبدأ جدتي أكثر، كانت دوماً تخبرني بأن العقل زينة الإنسان وأن العلم هو مفتاح النجاح".

تتصاعد أحداث الرواية بعد تحقيق آجوران لرغبتها وطلاقها من ليبان، بمساعدة عمها الذي تشرح له القصة فيقف إلى جانبها. وبعد أن ترافق والدها في إحدى رحلاته وتتعرف إلى "الأوجاس سليمان"، ستجد فيه رجل أحلامها بحنانه وعطفه عليها، وثقافته الواسعة، وتفهّمه لطموحها، وهو سيجد فيها الفتاة الجميلة التي تسعى كي تخرج من النمط السائد للنساء، وتتوق للتعرّف إلى العالم وثقافاته المتعددة، فيميلان إلى بعضهما وتتطور علاقتهما.

تضيء الرواية على علاقة منطقة إفريقيا بالبرتغاليين في تلك الفترة، إذ نشأت بينهم عداوات كان سببها حادث تسبب به أحد بحارة البرتغال، وأساء إلى العلاقات بين القبائل الأفريقية والبرتغال، قبل أن تتطور الأمور إلى مجازر راح ضحيتها الكثير من المسلمين الأبرياء الذين قتلوا بوحشية، ما جعل علاقة صديقة أجوران مع حبيبها البرتغالي علاقة محرّمة. "كنت أشفق عليها فحبها لفيليب في عيون كل الأفارقة لا يعني إلا حباً للعدو، كل مسلمي المنطقة كانوا يتحسسون من الأمر حتى أن مجرد كلمة برتغالي كانت كفيلة ببدء المشاكل".

تصوّر الكاتبة طبيعة الحياة في ذلك العصر البعيد، فتنقل تفاصيل العيش، وترسم طرق الرحلات البرية والبحرية التي كان يذهب إليها والد آجوران في تجارته، وتصف بعض الأماكن التي كانت موجودة في تلك الفترة التاريخية، اعتماداً على قراءاتها لبعض كتب التاريخ، فتحكي عن مدينة "هوبيو"، التي كانت المركز التجاري للإمبراطورية، والتي تتناثر حولها آبار المياه العذبة بشكل عشوائي أنيق، لذلك كانت مقصد التجار والحجاج والغرباء.

كما تضمّن الرواية الكثير عن عادات هذه الإمبراطورية وتقاليدها، ومعتقداتها، كالفصل الذي تكتب فيه عن اعتقاد النساء بأن الشخص الذي يطعمنه من بين أيديهن سيحمل لهن المحبة والولاء، لذلك كنّ يخبزن الخبز ويعددن الفطور كل صباح بكامل السعادة. والفصل الذي تكتب فيه عن موسم "غو" ربيع الإمبراطورية، الذي يبدأ مع شهر أبريل، عندما تخضرّ الأرض وتمطر السماء، فيحتفلون بالعزف والغناء.

ولطقوس الأعراس وتحضيراتها نصيبٌ في السرد أيضاً، "العروس في إمبراطوريتنا تزف سبعة أيام قبل زواجها، ومرة بعده، تزف أول مرة مع أهلها، ثم مع أهل العريس، ومرة في يوم تقديم الهدايا، ومرة في يوم الحناء، وأخرى يوم عقد القران، وأخيراً تزف لزوجها بعد أن تستنفد كل طاقاتها في المجاملة، وبعد سبعة أيام من زواجها تزف زفة أخيرة احتفاءً بدخولها القفص الذهبي وتسمّرها فيه".

في الرواية بعض المشاكل التي تجاوزناها ولم نتطرق إلى ذكرها، فالمهم هو الاطلاع على هذه الرواية، لأنها من الروايات النادرة المكتوبة باللغة العربية في الصومال، وهذا في حد ذاته يستوجب اهتمامنا لأنه يفتح لنا نافذة نطل من خلالها على أدب تلك البلاد.

زهرة مرسل عمر، كاتبة صومالية، مقيمة في القاهرة. خريجة جامعة القاهرة - كلية الآداب 2009. ترجمت عدداً من الروايات، وصدر لها روايتين: "أميرة مع وقف التنفيذ"، و"آجوران - عين أفريقيا".

الناشر: دار الفارابي/ بيروت

عدد الصفحات: 165

الطبعة الأولى: 2015

يمكن شراء الرواية من موقع نيل وفرات أو موقع آرابيك بوك شوب.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي