"تحية لمن سألوا عني": رسائل السجناء المهربة في معرض فني

"تحية لمن سألوا عني": رسائل السجناء المهربة في معرض فني

حينما دهم رجال الشرطة مركز الصورة المعاصرة بوسط القاهرة، وقفوا داخل معرض “تحية لمن سألوا عني” وسألوا المنظمين: أين هو المعرض؟ كانت معلومات قد وردت للشرطة عن معرض ينطمه المركز يحتوي على مخالفات لضوابط الرقابة على المصنفات الفنية، وهكذا، وقف رجال الشرطة وسط الأعمال الفنية دون أن يفهموها.

كانت هناك صور ملصقة على الجدران، لأغلفة كتب قديمة، وصفحات كتبت على هوامشها البيضاء جمل بخط اليد، وأسطر قد خُطت بأقلام أسفل كلمات محددة. الصور تجسد صفحات مهملة مكتوبة بخط اليد، أو كتاباً نزعت أوراقه ليكون مخبأً للرسائل. لقطات على شاشات تصوّر عملية تجليد الكتب.

اعلان


معرض تحية لمن سألوا عني

قبل سنوات، لم يكشف سجانو هؤلاء السجناء ما كانوا يضعونه من شيفرات في كتبهم خلال اعتقالهم في السجون الإسرائيلية في نابلس وجنين. تعتمد الصور الملصقة على جدران مركز الصورة المعاصرة بالقاهرة، والتي التقطتها بياتريشيه كاتانزارو Beatrice Catanzaro، مؤسسة “مبادرة بيت الكرامة” بنابلس، على كتب كان يقرأها السجناء من 1972 حتى 1995، بالضفة الغربية. وقد كان غموض الرسالة الوسيلة الوحيدة لنفاذها، كإبرة عبر ثنية، ليطمئن كل من سأل عن السجين بالخارج عنه.

أقوال جاهزة

شارك غرد“تحية لمن سألوا عني” معرض لأرشيف السجناء في محاولاتهم السرية للتواصل مع الخارج

شارك غردقوات الشرطة دهمت معرض “تحية لمن سألوا عني” ثم سألت المنظمين "أين هو المعرض؟"

داخل المعرض، الذي يستمر حتى 3 ديسمبر المقبل، تتجاور أعمال فنية أخرى لتشكل فكرة جديدة عن السجن، وطرق قراءة الفن لرسائل من هم داخله، وذلك عبر أكثر من مستوى، بداية من فوتوغرافيا جورج عودة "خطوات متخيلة"، مروراً بفيلم "وحيد قرن دورر" لخافيير تيليز Javier Téllez، المعد داخل عيادة لمرضى نفسيين بلشبونة، حيث شارك ممثلون بتمثيل مشاهد تحاكي حياة المرضى داخل عيادة أقرب لبضع زنزانات يراقبها مراقب واحد، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية للمصري رفيق عبد الرحمن، سردها سجناء سابقون.

توثيق لما سيختفي

يضم فيلم "ثلاثية رفح" للمخرج المصري حسام علي ثلاثة فصول، أولها "أبو شنار (ياميت)"، يليه "أوراق فلسطينة"، وآخرها "أسلاك شائكة"، وقد تمت معالجته ليقدم في صيغة رقمية. الفيلم من إنتاج المجلس الأعلى للثقافة، والمجلس القومي للسينما، وبدأ علي العمل عليه منذ العام 1974 حتى 1982.

يحكي الفيلم ومدته 13 دقيقة حال مدينة قسمت إلى اثنين، قبل أكثر من أربعين عاماً، واحد مصري وآخر فلسطيني. يسجل علي (1945- 1999) حياة الناس بين وطنين، حيث يروي أحد السكان له وقائع الحياة تحت سيطرة سلطة احتلال، ولحظات التحرير أيضاً.

يحكي "سالم" عن لحظة هدم المستعمرة، التي أسست على حطام مدينة "أبو شنار". مشاهد هدم البلدوزر لمباني ياميت، في 23 أبريل 1982، وقد كانت أسعد المشاهد التي رآها سالم في حياته. لأن لا أحد سيذكر الاسم العبري بعدما عادت "أبو شنار".  المفارقة أن رواية سالم، والفيلم، يتخذان ثقلاً أكبر الآن بعدما صارت رفح غير موجودة، إذ هدمت المدينة الواقعة على حدود مصر الشرقية على يد قوات الجيش المصري بعد تهجير سكانها بشكل قسري، لتصبح منطقة حدودية، أملاً في السيطرة على الإرهاب في شبه جزيرة سيناء.

يختتم علي فيلمه بمشهد لسكان المدينتين يتبادلون الأخبار. يصرخون لأقاربهم الذين فرقهم عنهم سلك شائك. ينعكس ثِقل العلاقة بين سلطتين تنتقلان من حالة حرب إلى حالة سلام، وتصرخ سيدة لتخبر أخرى في البلد الآخر أن فلاناً صار أباً، بعدما جاءه ولد سمّاه رامي.

محو تاريخ

تقدم الفنانة الأوغندية إيما فولوكاو فانمبافا Emma Wolukau-Wanambwa ثلاثة ملفات من الأرشيف الوطني البريطاني، ليتابع زائر المعرض رحلة حذف الوثائق. تكشف المراسلات السرية عن عمليات محو لوثائق بشأن معاملات بين بريطانيا وعدد من ساسة أوغندا. تكتب إيما :"اختفاء هذه السجلات نظمته الحكومة البريطانية للتأكد أن المستعمرات  السابقة لن تصل بعد الاستقلال لمعلومات تحرج الحكومة البريطانية". تتزايد وتيرة الحذف مع قرب إعلان استقلال البلاد عن الحماية البريطانية في 9 أكتوبر 1962، من أجل حماية المتعاونين وليكون لهم مستقبل في البلد الجديد. حملت هذه العملية اسماً معبراً هو "العملية إرث".

معرض تحية لمن سألوا عني - محو تاريخ

في الصالة طاولة للجلوس وقراءة هذه الملفات. مع هذه الوجبة الدسمة داخل الأرشيف تعرض إيما في معرضها "وقت جيد" معرضاً آخر. تسجل صورٌ بتقنية الأبيض والأسود وقائع معرض كان المكتب الكولينالي البريطاني قد أعده بمناسبة استقلال أوغندا. ضم المعرض خيمة مخصصة لنظام السجون الكولينالية في المحمية البريطانية، آنذاك، أوغندا.

مقالات أخرى

الشرطة المصرية تخترع أساليب خاصة لسحب السلاح من أبناء الصعيد

كيف يقضي سجناء الرأي أوقاتهم في السجون؟

يحتفي المعرض بمئوية اكتشاف المصدر الرئيسي لنهر النيل في 28 يوليو 1862 من جانب الرحالة البريطاني جون سيبك. تبدو الصور والأوصاف المصاحبة لهذا الحدث الكولونيالي حكاية سحرية، وبحسب المقتطفات التي عرضت على جدران مركز الصورة المعاصرة، قابل سيبك الملك القوي موتيسا الأول حاكم أوجاندا، وكان "شاباً وسيماً، بنيته جيدة وطويل". حدث اللقاء في عاصمة أوغندا كمبالا، وهكذا وصل المستكشف إلى نقطة مغادرة النهر لبحيرة فكتوريا يوم 28 يوليو 1862، وتوصل لحل "معضلة جميع الأجيال"، حسب الوثائق، أي معرفة منبع النيل.

برغم أهمية هذه الرحلة القديمة فقد جاءت كغطاء للعملية "إرث"، كأن تاريخ أوغندا في "وقت جيد" سجين سياسي. لم يكتب أحد هذه الرسالة، وإنما تمّ محوها بعناية، وايما تحاول- الآن- تخيلها عن طريق الفن.

جمهور محدود

يصور فيديو آخر الممثل المسرحي الفلسطيني حسام أبو عيشة وهو يقرأ خطبة سياسية. يهتف، يصرخ، ويأخذه الحماس. يبدو الرجل العجوز كزعيم سياسي. لكن الخطبة، برغم الحماس، ليست إلا يوميات هذا الرجل في أحد السجون، أو للدقة، خطاب لزوجته، كان قد كتبه حينما كان سجيناً، وهو يقرأه الآن على شاشة أمام زائر المعرض. سر هذا العرض المسمى "خطاب حب"، يكشفه الفنان “بيسان أبو عيشة” عبر شاشتين تعرض كل واحدة في جهة تخالف الأخرى، وتلتقيان عند خلفية كل منهما.

على الشاشة الأخرى تظهر مقاعد القاعة خاوية، ليصبح "خطاب حب" بلا جمهور، كأن تجربة السجن خبرة فردية قد لا تجذب إلا كاتب الرسالة وزوجته، والفنان الذي يتضح أنه ابنهما!

تقام خلال فترة المعرض أيضاً بضع جلسات نقاش منها محاضرة "مهام صعبة: تقديم للسجن الاستعماري"، مع صاحبة عرض "وقت جيد". كما تعرض أفلام "يوميات شهرزاد" لزينة دكاش (2014)، "كل شيء على ما يرام، سيدي الضابط" لمحمد ملص (1974)، وتنظم مجموعة لقراءة كتابات ضد منظومة السجن.

مرّ هذا المعرض بظروف مشابهة لموضوعه، إذ تمّ إغلاقه سبعة أيام نتيجة مضايقات أمنية للجهة المنظمة له، بعد أن تحفظت الشرطة الأمن عن بعض أجهزة الكمبيوتر المشاركة فيه، لأنها تحوي نسخاً غير مرخصة من نظام تشغيل Windows. بشكل أو بآخر، عبرت الأعمال الفنية بتجربة حبس، وكان الإغلاق المؤقت فرصة ليسأل الجمهور عن المعرض!

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
ثقافة فن مصر

التعليقات

المقال التالي