الزنق، موسيقى خدشت "المجتمع المحافظ"

الزنق، موسيقى خدشت "المجتمع المحافظ"

منذ أن سيطر الإخوان المسلمون على السلطة في السودان عام 1989، أصبحت الذائقة الجماعية للسودانيين أسيرة نمط محدد من الموسيقى، تفرضه الآلة الإعلامية الرسمية، التي يديرها إسلاميون أحرقوا المكتبة الموسيقية للإذاعة والتلفزيون، بحجة وجود موسيقى وألحان تتنافى مع ما سمّوه "الذوق العام".

في ظل هذه الوصاية، برزت ظواهر موسيقية متعددة تعتبر عنواناً للرفض ومحاولة لاستعادة التنوع الثقافي الكبير، وأبرزها هو ما بات يعرف محلياً بموسيقى "الزنق"، القائمة على أنماط غنائية جديدة تعتمد على الأنغام السريعة، التي تحمل كلمات مرتجلة تصنع موسيقاها وشعريتها الخاصة بوصفها منتجاً شعبياً انتشر في مناسبات السودانيين.

وتتباين المواقف تجاه هذا النوع من الموسيقى، فهنالك من يرى فيه هبوطاً فنياً، بينما يتفاعل معه الغالبية من الفئات الشبابية، باعتبار أنه يعبر عنهم ويتماشى وروح العصر، الأمر الذي دفع الكثير من الباحثين لدراسته بوصفه انعطافة مهمة في تاريخ الموسيقى السودانية.

يقول الناقد والصحافي محمد فرح وهبي لرصيف22: "أعتقد أنها موسيقى إفريقية، ومارشات عسكرية، تمت إعادة إنتاجها مجدداً". ويضيف: "مجتمع الزنق صنع تعبيره الروحي موسيقياً، وخلق عالمه الخاص. إنها ثقافة موسيقية حياتية تمضي قدماً، منسجمة مع نفسها وتطلق أصداءً لدى كل المجتمع، تأسر الشباب الآن بحمولة تعبيرية كبيرة عن ثقافة موسيقية تبحث عن مكانها الخاص داخل الموسيقى السودانية التقليدية".  

أقوال جاهزة

شارك غردالزنق، أحدث أنماط الموسيقى السودانية

شارك غرديجد المنتمون للقوات النظامية في عالم الزنق الوجه الآخر للحرية

ويرى أستاذ الموسيقى الدكتور صلاح يوسف، أن "موسيقى الزنق لها جانبها الإبداعي وحضورها الجماهيري، وتتميز بالشكل الإيقاعي الراقص، وموسيقيوها بارعون في استخدام آلة الأورغ بشكل مبدع ومختلف". وأوضح أنها "نمط موسيقى شعبية، ومنتج فئة عمرية تعبر عن أشيائها وفقاً لاعتقادات هؤلاء الشباب وقناعاتهم. الأمر الذي يخلق معاييرهم الخاصة التي ينبغي أن لا يحاكموا خارجها، مثل المحاكمات الأخلاقية التي تنصب لهم، لأن الناقد ليس من مهماته فعل ذلك ما دام هنالك جمهور واسع ينجذب إلى هذا اللون الموسيقي والغنائي، علينا أن ننتظر إذا كانت ستثبت وجودها أم لا".

موسيقى تنتج مجتمعها الخاص

 تنحصر موسيقى الزنق في عالمها الخاص، ولا تخرج إلى الفضاء العمومي إلا بالقدر اليسير، وبات الناس الآن يعرفون بعضاً من تشكيلات هذه الثقافة ذات الخصوصية، بعد أن أصبحت ملاذاً لكثير من الشباب السودانيين كونها تتعلق بالعصر الحالي وتعبيراته، كما يقول الدكتور كمال يوسف، أستاذ الموسيقى في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.

للزنق أسئلة كثيرة وأهواء مختلفة، ومصدرون للتقليعات والموضة، وأحد أشهر وأبرز عازفي موسيقى الزنق، هو أيمن الربع، الذي يعده وهبي مؤلفاً موسيقياً، ويقول عنه: "يبتدع أصواتاً موسيقية في كل مرة. أحدث تأثيراً كبيراً، ويتبع طريقه عازفون كثر، فقد صار أيقونتهم". ويضيف: "التقى موسيقيون غربيون الربع، وكانوا يعتقدون أنه درس الموسيقى".

ينحدر أيمن الربع ، 35 سنة، من مدينة أم درمان غربي العاصمة الخرطوم، ووالده موسيقي جاز معروف في السودان يُدعى صلاح براون، وهو يترأس اتحاد موسيق الجاز. وقد عرف عنه الانسجام التام مع الموسيقى، فلا يعود يشعر بنفسه، خصوصاً حين يؤدي عزفاً منفرداً على الغيتار. لا يخلع نظارته الشمسية السوداء إلا نادراً، ويرتدي أزياءً شبابية غير تقليدية تتماشى مع الجو العام لموسيقاه وجمهوره. ويقول كمال يوسف عنه: "هو نجم جماهيري، رغم أنه لم يدرس الموسيقى، إلا أنه استطاع أن يقدم أداءً جميلاً ومبدعاً. استمعت إليه في حفلات خاصة، وهو نجم كبير يحظى باحترام معجبيه".

أما أبرز مغنيات الزنق المعاصرات في الخرطوم فهما: ننوسة، 34 عاماً، ونجاة غرزة، 33 عاماً، وقد عرفتا بإجادتهما أغنيات صاخبة وراقصة، مثل أغاني "الزار" التراثية، بعد إدخال بعض الإضافات إليها، وهما تنالان أجراً مرتفعاً لإحياء حفلات الزنق الراقصة.  

يضم مجتمع الزنق تشكيلات مهنية متنوعة، لكن المغنين عماده، بالإضافة إلى فنيي الـSound System، وعازفي الأورغ والآلات الموسيقية المختلفة. فضلاً عن بعض المنخرطين فيه من القوات الأمنية، و"الحلوات" وهو تعبير سوداني عن الذكور مثليي الجنس، وبعض النساء اللواتي يبعن الشاي في أسواق الحواري.  

يبدو هذا المجتمع من أكثر المجتمعات تحرراً، وسلوكه فطري علماني، ويظهر الدين في حياة أفراده كقيمة عليا ومقدسة لا كممارسة. ويرفض قطاع من محافظي المجتمع والموسيقى هذا اللون المتحرر من الموسيقى التقليدية ونمط الحياة العام. وتهاجمه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

مقالات أخرى

بائعات الخمور في الخرطوم: بين سوق منتعش وشرطة طامعة

من الأدوات المنزلية إلى "الأوركسترا": أبرز التجارب الموسيقية في السودان (الجزء الثاني)

مجتمعهم ليلي في الغالب، لارتباطه بإحياء الحفلات حتى ساعات الصباح الأولى. وتُستمد القيمة الفردية فيه، من درجة التفاعل معه،  فيستمد الجنود النظاميون المنخرطون فيه نفوذهم، من امتلاكهم للسلطة، بفعل قدرتهم على ضغط مجتمع الزنق بأكمله عبر التهديد والوعيد، وتخويلهم القانوني الذي يمنحهم حق استخراج أو منع تصديق الحفلات. ومنذ نحو 22 سنة، لا تقام الحفلات العامة والخاصة، إلا بتصديق خاص من الشرطة، يدفع مقابله رسوم وصلت إلى نحو 500 جنيه سوداني (نحو 82 دولاراً أميركياً).  

يحتاج المنتمون للقوات النظامية، الذين ينشطون في عالم الزنق وثقافته، إلى التنفيس عن حياتهم المهنية، التي لا تحقق شروطاً جيدة للحياة، لذلك فهم يجدون في هذا العالم الوجه الآخر للحرية. ففيه تشيع العلاقات الغرامية، وتتوافر الملذات النفسية. والجمال بالنسبة إلى نساء ورجال الزنق يشكل سلطة تقيميية عالية، كذلك درجة الشهرة. فهي ثقافة تشدد على المكان، أي المدينة والحي. بينما هو في حقيقته مجتمع عاصمي بامتياز، وقلما يتم اختراقه من خارج المكان، لكن ثقافة أفراده انتقلت إلى المدن الرئيسية في السودان. 

ثقافة الزنق لا تحفل بمن يسمونهم "الفارات"، أي كل من لا يرى الدنيا حلوة، ولا يمتلىء قلبه بحب الحياة. هذه أهم الأهداف التي تسعى إليها هذه الثقافة المستقلة نفسياً وفكرياً وثقافياً لتحقيقها بين أفرادها. وهم يكرهون ويذمّون الخيانة، باعتبارها أكثر ما يُعكّر صفو البهجة المنشودة. فترصد في موسيقاهم بوضوح ذمهم الدائم لتبدل "رابطة الأخوة" كخيانة غير مغتفرة، أي أعلى درجات الخيانة، إذ يسعى هذا المجتمع للوصول بالصداقة، التي تُسمى "الخوة"، إلى لحمة أبدية.

للغزل أيضاً مكان بارز في كلمات أغنياتهم، وهو على عكس معظم الغناء السوداني، الذي يعكس عواطف الرجل نحو المرأة، يعبّر عن مشاعر المرأة تجاه الرجل بشكل واضح، وهنا يتم الحديث عن طول الرجل ووسامته وعينيه وكل ما يتعلق به.

قاص وروائي سوداني. حائز على جائزة الطيب صالح التقديرية للرواية في عام 2013 . عمل سابقا محررا بعدد من الصحف، ويعمل حاليا في الصحافة الإلكترونية.

كلمات مفتاحية
السودان فن موسيقى

التعليقات

المقال التالي