رواية "هاتف عمومي": حياة على هامش الحياة

رواية "هاتف عمومي": حياة على هامش الحياة

"كبسة زر، مجرد تحريكه لمسافة لا تتجاوز ربع سنتيمتر، هذه بلغة المسافة. أما بلغة الزمن فكانت تسع عشرة ثانية فقط. هذان الرقمان كانا كفيلين بتحويل حياة عباس إلى حياة أخرى. (...) وحدها هيفاء كانت الرابحة في تلك الليلة العجيبة، ووحدها كانت تملك حبل نجاة يمكن أن ترمي به لعباس ليلتقطه فينقذ حياته في خريفها المبكّر". بهذه العبارات تبدأ رواية "هاتف عمومي" فصلها الأول، وتمضي في فصول قصيرة متلاحقة، لتوضّح المشكلة التي وقع فيها عباس، وكيف أنقذته هيفاء منها. 

شخصيتان هامشيّتان في الحياة، مركزيّتان في الرواية، يعيشان في رام الله، ويجمع بينهما عملهما في المصرف نفسه.

هيفاء فتاة ليس لها من اسمها أي نصيب، فهي قبيحة الشكل، مكتنزة الجسم، خفيفة الشعر، عاشت حياةً مؤلمة من دون والديها، عملت في دار للمسنّين، وبفضل طموحها استطاعت الحصول على وظيفة في مصرف. كانت مهمتها فيه الرد على اتصالات العملاء والإجابة عن أسئلتهم. لكن الحياة التي حرمتها كل شيء أعطتها في المقابل صوتاً مميزاً، يأسر لبّ كل من يسمعه، وبفضله صارت مذيعة على أشهر إذاعات رام الله، وصار لها برنامج ينتظره الناس بشغف من دون أن يفكر أحدهم في أن وراء ذلك الصوت الملائكي امرأة مسحوقة من قسوة الحياة. "يمكن التأريخ للتغيّر الفارق في مسار هيفاء باللحظة التي أدرك فيها مدير إذاعة محلية كان يتصل بالمصرف مستفسراً عن تأخر حوالة يترقبها، أن هيفاء موهوبة. بل أن هيفاء تملك صوتاً نادراً لم يلج أذنيه شبيه له من قبل، وأنه سيفعل أي شيء للتعاقد معها للعمل في إذاعته المسموعة جيداً في محافظة رام الله والبيرة، وما حولهما من بلدات ومدن".

أقوال جاهزة

شارك غرد"هاتف عمومي" لعباد يحيى: قضايا صغيرة تشكل أهم ما في حياة شخصيتين هشتين، تسحقهما الحياة من دون أن يلتفت أحد إلى ذلك

البرنامج الذي تدور حوله الكثير من صفحات الرواية، لما له من أهمية في الكشف عن شخصية هيفاء وتعقيداتها، أطلقت عليه اسم "هاتف عمومي". وقد حقق البرنامج صدىً كبيراً في أوساط العامة والنخبة على حدٍ سواء.

يكتب عباد يحيى روايته باستخدام صوت راوٍ يظهر بتعليقاته في صفحات الرواية، ويتدخل في مسارها من  دون أن ندري هويته حتى الفصل الأخير. مستخدماً طريقة "السارد المحقق"، الذي لا يعلم من الحكاية إلا ما كان شاهداً عليه، أو ما رواه له آخرون، محاولاً ملء فراغات النص أو الحكاية عن طريق الاستنتاج، أو عن طريق التكهن بالأسباب وتفسير الدوافع، حسب معرفته بالشخصيتين اللتين يروي عنهما. واستخدام هذا الأسلوب في السرد أضاف للرواية متعة إضافية، ومنحها طرافة تتمتع بها شخصية الراوي، الذي يحاول فكفكة التباسات المشهد الذي تقوم عليه حبكة الرواية وتفسير الظروف والأسباب التي قادت الشخصيتين إلى فعل ما فعلتاه بهذه الطريقة.

وإن كان الراوي قد منح هيفاء مساحةً أكبر في العمل، فذلك بسبب معرفته العميقة بها، أكثر من معرفته بالشخصية الثانية عباس الذي يصفه على الشكل التالي: "ورث عباس عن والده كل شيء، وكل شيء لا تعني إلا الحظ الناقص، وعيش الكفاف، وبيتاً صغيراً قديماً، وأماً مريضة، وأختين تزوجتا في قرى بعيدة، وحاجة ملحّة إلى الوظيفة، وشعوراً حاداً بالنقص تجاه كل من يجلس خلف مكتب".

هذه الأسباب مجتمعة قادته إلى القبول بوظيفة تنظيم دور المراجعين والمراجعات في المصرف، بل والتمسّك بها بشدة. تسير أيام حياته بشكل عادي جداً، لا جديد فيها ولا مثير، إلى أن يسمع بعض الهمسات عن اقتراب وصول آلة جديدة سيستخدمها المصرف لتنظيم طوابير المراجعين. فتبدأ الهواجس والأفكار بتعكير صفو حياته، فهو قد يخسر وظيفته بعد أن انتفت الحاجة إليه بمجيء هذه الآلة.

يلعب الكاتب لعبة المرايا في روايته، فالحالة التي يعيشها عباس من خوف على وظيفته، تبدو كامتداد لأفكار هيفاء التي بدأت بالتفكير في مستقبلها البعيد، وكيف أنها ستصل إلى يوم تفقد فيه عملها بعد أن يخبو بريق صوتها، خصوصاً بعد أن رأت تصرفات مذيعة البرنامج الصباحي التي تحاول جاهدة إعادة أمجادها القديمة.

وكانت سلسلة الأفكار هذه قادتها إلى نتيجةٍ مفادها: "إنها بحاجة لشيءٍ آخر غير صوتها تطمئن إليه، شيء آخر يخفف من شعورها بأن حياتها معلقة بشيء واحد، بصوتها". هذه النتيجة سيكون لها تأثير كبير في سير الحدث.

يقطّر يحيى حبكة روايته على امتداد الفصول، يرمي جملةً هنا، وعبارةً هناك، يحكي حكاية أو موقف ليصل في النهاية إلى نقطة محددة تبدو زائدة، أو هامشية، لكنها تكون النقطة التي تشكّل واحدة من النقاط التي تربط كل شيء ببعضه. يلهيك عن الحكاية وهو يُخضع شخصياته للتحليل النفسي، لتكتشف فجأة أنها مرت وصارت مكتملة، لكن الرواية لا تريد تقديم هذه الحكاية، أو على الأقل ليست هذه غايتها الأولى، بل تريد أن تسلّط ضوءاً كشافاً على قضايا صغيرة تشكّل أهم ما في حياة شخصيتين هشّتين، تسحقهما الحياة من دون أن يلتفت أحد إلى ذلك.

عبّاد يحيى كاتب وروائي وصحافي من فلسطين. حاصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة بيرزيت. يعمل صحافياً في بضع وسائل إعلامية. له ثلاث روايات: "رام الله الشقراء"، "القسم 14"، "هاتف عمومي".

الناشر: دار الأهلية/ عمّان

عدد الصفحات: 212  

الطبعة الأولى: 201

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي