هل الرقص الشرقي يمكن أن يزاوله الرجال أيضاً؟

هل الرقص الشرقي يمكن أن يزاوله الرجال أيضاً؟

ما إن نسمع عبارة "الرقص الشرقي" حتى تتبادر إلى الأذهان صورة امرأة بثديين كبيرين ومؤخرة مغرية وهي ترقص في إحدى الكباريهات برفقة طبالها. ولكن نظرتنا ستتغير في اللحظة التي سنشاهد فيها راقصاً شرقياً برفقة طبالة.

رجل ببدلة رقص شرقية

"يجب أن لا يكون الإغراء هدفاً أساسياً في الرقص الشرقي"، قال لرصيف22 الراقص مهدي الملقب بـ"شاشو". برأيه، شُوّه الرقص "عبر ربط أفكار لاأخلاقية بالمرأة الراقصة وعبر اتهام الرجل الراقص بالمثلية، وذلك لأن المجتمع قاصر عن إدراك جمالية هذا النوع من الفن".

اعلان


أقوال جاهزة

شارك غردألكسندر بوليكيفيتش وشاشو راقصان يحترفان الرقص الشرقي ويرفضان اعتبار هذا الفن للنساء فقط

شارك غردأجساد الرجال تشكل تهديداً خطيراً للمجتمع التقليدي... ولهذا يرفض المجتمع الراقص الشرقي

وأشار إلى أن "كل راقص يختار نوعاً من الموسيقى والحركات، لأن الرقص الشرقي يضم العديد من الأساليب والأنماط. وتُعتبر هزة الخصر والصدر أساسية والرجل قادر على هز صدره وخصره. يجب التفريق بين هز الصدر وهز الثدي، فالأساس هو الصدر والكتفان، والرجل والمرأة بإمكانهما تأدية هذه الحركات".

يعرّف شاشو عن نفسه بأنه رجل راقص، ولا يحبذ تقليد النساء في الرقص كي لا يقع الراقص في الابتذال، فيصبح عرضه نمطياً خالياً من الإحساس. وقال: "لا أضع ماكياجاً أو باروكة أثناء تأديتي الوصلة الراقصة ولا أقوم بحلاقة ذقني، لكن يجب أن أعترف بأهمية الشعر الطويل لما يضفيه من جمالية على الرقصة، مع أنّ عدم وجوده يجب أن لا يكون عائقاً". وتابع: "أرتدي بذلة رقص كلاسيكية مع جيليه. وأنا متصالح مع نفسي لأنني أرى أن الأساس هو الموهبة والشغف والتمرين".

من جانب آخر، اعتبر الراقص ومصمم الرقص البلدي ألكسندر بوليكيفيتش، 33 سنة، أن "الإغراء معيار أساسي في الرقص البلدي لأن الجسد بحد ذاته مغرٍ، علماً أنني أنطلق من مقاربة معاصرة لا تتضمن الإغراء كهدف، وإنما أهتم بإظهار أن الرقص البلدي قادر على حمل مضامين إجتماعية وسياسية".

رجال الرقص الشرقي

وأضاف لرصيف22 "أن فكرة الإغراء موجودة في صلب العقلية الاجتماعية ويجب محوها قبل الحديث عن جسد الراقص وحركاته سواء أكان هدفها الإغراء أم لا". وشبّه الرقص البلدي بـ"صدفة رائعة ولكنها فارغة من الداخل ومهمتي كراقص ملء هذه الصدفة وإعطاؤها مضموناً جميلاً".

تتجه المجتمعات العربية أكثر نحو التدين مع ما يرافق ذلك من ارتفاع نسبة النساء المحجبات. من هنا، يأتي جسد الراقصين ليمثل النقيض للحالة السائدة ويتحوّل إلى "جسد سياسي"، بحسب ألكسندر، ما يهدد تركيبة المجتمعات الأبوية لأن "العري يجسد حالة تحررية".

فبوليكيفيتش يرى أن الحرية تبدأ من الجسد ثم تتبعها حرية فكرية، فتصبح المرأة خارجة عن عصمة الرجل. أما أجساد الرجال فتشكل تهديداً أخطر للمجتمع التقليدي، ولهذا السبب "يصدم الجسد الراقص المجتمع العربي بينما لا نراه يستنفر قواه لمواجهة العنف والقتل والحروب وإهانة الكرامة الإنسانية".

في المقلب الآخر، اعتبرت الراقصة رندة مخول، في حديث لرصيف22، "أن الإغراء والإيحاءات الجنسية مصطلحات غير لائقة بالرقص الشرقي، وقد تم تشويه هذا الفن بسبب سلوكيات وعادات اجتماعية كإعطاء البقشيش للراقصة ونثر المال عليها في الكباريهات وبعض الأفلام بينما لا نجد هذه التصرفات في أنواع الرقص الأخرى كالباليه والدبكة وغيرهما".

هل يمكن للرجل منافسة المرأة في الرقص؟

حين يتقدّم الرجل الراقص في السنّ، بإمكانه مزاولة التدريب في الأندية الرياضية كما بإمكانه تصميم رقصات، والنساء يطلبن هذا النوع من الرقص بكثرة ويجذبهن الرجل الراقص كمدرب.

ويرى شاشو أنه "لا توجد مهنة لامرأة ومهنة لرجل. فهل الخياطة للنساء فقط؟ ألا يوجد رجل يعمل خياطاً وألا توجد إمرأة عاملة في مصنع؟" وأضاف: "لن أعتزل الرقص أو أتوقف عن تعليمه ومزاولته كمهنة، فبدون الرقص أصبح صنماً بلا روح".

ولفت شاشو إلى أنه لا يمكنه أن يرقص في حفلات أو صالات كي لا يتعرض لمضايقات "فبعض البيئات لا تتقبل الموضوع ولا قدرة لي على الدفاع عما أحبه أمام مجتمع بأكمله". أما على المسارح وفي الحفلات التي يرقص فيها فهو يجد تفاعلاً وحماسة من النساء والرجال.

معظم الناس من رجال ونساء وأطفال يرقصون في الأفراح والمناسبات لكن ما إن تصل الأمور إلى حدود اختيار الرجل للرقص الشرقي مهنةً، حتى ينغلق المجتمع على نفسه ويعتبر ذلك من المحرّمات.

وقال المتدرب إبراهيم دياب، 24 سنة، إن "كل نوع من أنواع الرقص جعلني أحب الرقص بشكل عام، لكن مع الرقص البلدي شعرت بالانتماء إلى حضارة وثقافة امتدتا عبر التاريخ وكان الرقص جزءاً لا يتجزأ منهما".

يعتقد بوليكيفيتش أن الراقص بإمكانه التحرك والهز أفضل من المرأة لو كان لديه الخبرة اللازمة. وبرأيه، يمكن الاستغناء عن الأكسسوارات والأزياء والماكياج "فالرقص حرية والإنسان الحر بإمكانه أن يبدع وهو يرتدي بنطالاً أو تنورة أو "جلابية"، والمهم هو الحركة والتكنيك، أما الباقي فيصنف في خانة الديكور".

من جهتها، قالت الراقصة رندة: "القاعدة الأساسية هي أن يكون الرقص وسيماً وجذاباً ولديه عناصر فنية وجمالية بغض النظر عن الجنس، لأنني عندما أشاهد الراقص لا أرى أمامي إلا إنساناً يرقص ويكون تقييمي مبنياً على هذا الأساس". وأكّدت "أن جسد الرجل جميل كراقص" لافتةً إلى أن أغلبية مدرّبي الرقص في العالم هم من الرجال، وفي تركيا توجد موجة صاعدة للراقصين الرجال".

نبيلة زبيب، 49 سنة، تتدرّب على الرقص الشرقي منذ ثلاث سنوات، قالت إن "الرقص لا علاقة له بالرجل أو المرأة أو بميولهما الجنسية، فالأساس هو الإحساس والتكنيك. وفي الأعراس والحفلات نرى الرجال والشباب يرقصون ببراعة"، وأضافت: "كامرأة يلفتني الرجل الراقص لأنه يمتلك قوة جسدية كبيرة، خاصة أن بعض حركات الرقص الشرقي بحاجة إلى قوة عضلية".

نظرة تاريخية إلى الرجل الراقص

في مصر، كان أهم مدربي ومصممي الرقص رجالاً، ومنهم مؤسس فرقة الفنون الشعبية محمود رضا وإبراهيم عاكف ومحمد جداوي وغيرهم ممن قاموا بتدريب أهم الراقصات: لوسي وفيفي ودينا.

أما في لبنان، فقد بدأت مسيرة الرجال في الرقص في ستينيات القرن الماضي مع أليك خلف والراقص مصباح، ثم اتسعت تدريجياً ولكنها عادت وانحسرت بفعل الحرب الأهلية.

في التاريخ القديم، بدأ الرقص كتقليد للطبيعة يقوم به إنسان الكهف، ونجد أثراً لذلك في الرسوم والنقوش الأثرية. وكانت وظيفة الرقص آنذاك التهليل للطبيعة. وفي المعابد استخدم الكهنة الرقص لتقديس الآلهة، وكانوا يرقصون رجالاً ونساءً.

الرقص هو حركة في المقام الأول، و"إذا كانت الحركة هي الإساس، عندها تنتفي أهمية جنس مؤدي الحركة ما دام يتمتع بالخبرة والجمال والفن"، قال بوليكيفيتش.

واعتبر الراقص اللبناني أن "الرقص هو عبارة عن رعشة ظهرت قبل اللغة. فعندما تأمل الإنسان الأول محيطه، شاهد الرعشة في أوراق الأشجار وتموّج الرمال في الصحراء وحركة أمواج البحار"، لافتاً إلى أن "توظيف الرقص وتطبيعه اجتماعياً لجسد المرأة هو حالة مستجدة في تاريخ الرقص البلدي".

هل يمكن إلغاء الجندرة من الرقص الشرقي؟

تنقسم الآراء حول قبول الرجال كراقصين. البعض يسخر ويستهزئ بهم بينما يقصد البعض الآخر المسارح في بيروت من أجل مشاهدة فنّهم. فالقضية ترجع إلى مدى انفتاح الجمهور ووعيه وثقافته واحترامه للفكرة. شاشو مثلاً، يرغب في الرقص بحرية على الطريق وفي كل الأماكن وأن يشارك الجميع معه هذا الشغف.

الرقص الشرقي - الجندرة

لا يؤمن بوليكيفيتش بالجندرة في الرقص ويعتقد أن الرجل الراقص هو رجل شجاع وأن "الرقص يجب أن يكون متاحاً أمام الجميع" أكان شخصاً معوّقاً أم مشوهاً أم امرأة بدينة أو عجوزاً.

ويلفت إلى تطور النظرة في لبنان إلى هذه المسألة، بدليل استمرار عرضه "بلدي يا واد"، على مسرح مترو المدينة في بيروت، مدة ستة أشهر. وقال: "لكل المشككين في قدرة الرقص البلدي على طرح قضايا اجتماعية وسياسية، أقول لهم تعالوا وشاهدوا ما نعرضه من مقاربات جديدة وطروحات تتعلق بالقمع الاجتماعي وقضية الحريات في لبنان".

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

التعليقات

المقال التالي