كيف تغيّر السينما جوهرياً الروايات العالمية التي تُقتبس الأفلام عنها؟

كيف تغيّر السينما جوهرياً الروايات العالمية التي تُقتبس الأفلام عنها؟

عام 1925، نشر الكاتب الأميركي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد روايته غاتسبي العظيم (The Great Gatsby). وعندما شاهد وزوجته زيلدا الرواية ممثّلة على المسرح، عام 1926، كانت ردة فعلهما عنيفة. كتبت زيلدا إلى ابنتها بعد خروجهما من المسرح: "إنها فاسدة وفظيعة ورهيبة وقد غادرنا". واعتبر فيتزجيرالد أنهم "أغفلوا النقطة الرئيسية تماماً".

وعندما نقول تحويل عمل أدبي إلى فيلم سينمائي، قد لا تكون كلمة تحويل دقيقة لأن العملية طويلة ومعقدة ويتم خلالها حذف العديد من المشاهد والحوارات وحتى الشخصيات، أو إضافة شخصيات لم تكن موجودة أصلاً أو تغيير صفاتها.

اعلان


ولا تخلو أي رواية تم إنتاجها في عمل سينمائي من هذه التعديلات. لذلك قد تكون كلمة "تكييف" أكثر دقة. والتعديلات قد تمس خصائص شخصيات الرواية أو تغيّر مسار الأحداث أو الخاتمة محدثة تغييراً جوهرياً فيها.

وبعض الأفلام كان عبارة عن فشل كبير مثل غاتسبي العظيم (2013)، الفيلم الذي لعب بطولته ليوناردو دي كابريو وحاز العديد من الجوائز. فقد اعتبره بعض النقاد مهزلة وانتقاصاً من قيمة الرواية التي تعتبر من أهم الروايات الأميركية.

في ما يلي أمثلة عن روايات عالمية أدى تكييفها سينمائياً إلى تغيير جوهري فيها:

حورية البحر الصغيرة

كيف تغيّر السينما الروايات - Little_Mermaid_Wedding

ألف هذه الحكاية الخيالية الكاتب الهولندي هانس أندرسن. وعندما صنعت منها ديزني فيلماً سينمائياً، عام 1989، أدخلت تعديلات جوهرية على شخصية حورية البحر. ففي الرواية، تبدو حورية البحر فتاة هادئة ومحافظة وخجولة، عانت إلى حد ما من الكآبة عند إنقاذها للأمير. أما أريال (الإسم الذي أطلقته عليها ديزني) فهي فتاة نابضة بالحياة، تتمتع بشخصية مغامرة ومحبة للاستكشاف وتريد الحصول على قدمين لتحيا كالبشر، وبعد إنقاذها للأمير سبحت حول القلعة وغنّت نغمات سعيدة.

أقوال جاهزة

شارك غردعندما طُلب من أحد النقاد مقارنة الأفلام بالروايات المأخوذة عنها قال: "الفيلم هو لأولئك الذين يتكاسلون عن قلب الصفحة"

شارك غردلماذا تغيّر الأفلام طبيعة الروايات المقتبسة عنها؟

وفي رواية أندرسن، تعاني حورية البحر من الألم بعد حصولها على قدمين وتشعر أن سيوفاً تخترقهما كلما خطت على الأرض. هذه الآلام والمعاناة لا تأتي ديزني على ذكرها.

أما التعديل الأهم فيأتي في النهاية. يصور الكاتب حورية البحر كبطلة اختارت ألا تقتل الأمير لكي تنقذ نفسها حتى لو كان زواجه بأخرى يعني موتها. تموت حورية البحر وتتحول إلى زبد لتصبح التضحية بالنفس من أجل الحب هي العبرة التي تدور حولها الرواية. أما في فيلم ديزني، فيتم حل المشاكل بقبلة، ويكتشف الأمير أن  أورسولا الساحرة الشريرة خدعته ويتزوج حورية البحر.

أحدب نوتردام

كيف تغيّر السينما الروايات - Hunch-Back

إزميرالدا كما قدمها فيكتور هيغو فتاة فرنسية، جميلة، ساذجة، سطحية، طفولية. أما في فيلم ديزني الذي أنتج عام 1996، فتتحول إلى فتاة واثقة من نفسها، مدركة جاذبيتها الجنسية. وفي الكتاب سذاجتها هي سبب إدخالها في مشاكل تؤدي إلى قتلها وليس شغفها بتحقيق العدالة.

كذلك الأمر بالنسبة لكوازيمودو الذي تصوّره ديزني شبيهاً بحورية البحر آريال، فهو يريد أن يعيش كبقية البشر، وهو ساذج جداً، ولطيف ومهذب. بينما في الكتاب هو يكره البشر، غاضب دائماً، لطيف مع الذين يبادلونه اللطف، وتشكل نوتردام ملاذه وعالمه الوحيد بعكس تحوّلها في الفيلم إلى سجن لا يطيقه.

وتبقى النهاية هي التعديل الجوهري. ففي رواية فيكتور هيغو، تُتهم إزميرالدا بالقتل وتشنق، فيدفع كوازيمودو القاضي فرولو عن الشرفة لكي ينتقم ثم ينام بالقرب من قبرها إلى أن يموت. أما في فيلم ديزني، فيعطي كوازيمودو إزميرالدا وفابيلوس مباركته لكي يتزوجا ثم يعيشا سعيدين إلى الأبد.

لوليتا

كيف تغيّر السينما الروايات - Lolitta

تتحدث رواية الكاتب فلاديمير نابوكوف عن رجل ثلاثيني شغوف جنسياً بطفلة تبلغ الثانية عشرة من العمر، ثيابها وحركاتها كما يصورها الكاتب لا تدل سوى على طفلة، ومع ذلك تقوم بالتلاعب به طوال مدة الرواية التي نشرت عام 1955 وأخذت ضجة واسعة.

عام 1962، قام المخرج الشهير ستانلي كيوبريك بإنتاج فيلم مقتبس من الرواية، محوّلاً إيّاها إلى قصة حب بين هامبرت هامبرت ولوليتا. وأول ما نلاحظه في فيلم كيوبريك هو أن لوليتا بالرغم من صغر سنّها، تعطي انطباعاً بأنها في السابعة عشرة، أي أنها مكتملة جنسياً، شخصيتها مغرية وتحريضية. عندما يراها المشاهدون لأول مرة تكون في الحديقة، وتجلس بطريقة مغرية بثياب البحر مع قبعة على رأسها ونظارات شمسية على عينيها، لن يستغربوا انجذاب هامبرت إليها، وتُلغى إشكالية الرغبة الجنسية الشاذة التي يعاني منها همبرت وهي أساس الرواية.

بياض الثلج والأقزام السبعة

كيف تغيّر السينما الروايات - snow-white

بياض الثلج حكاية خيالية ألمانية الأصل كانت معروفة في أوروبا قبل أن تنتشر في أنحاء العالم. نشرها الأخوان غريم (Brothers Grimm) عام 1812 ضمن مجموعتهما "حكايات غريم الخيالية"، وأنتجتها والت ديزني لأول مرة عام 1937 بعد أن حذفت منها كل المضامين الجنسية التي تأخذ حيزاً مهماً في القصة الأصلية إذ تقوم بياض الثلج بجميع الأعمال المرهقة في خدمة الأقزام عاريةً وتتعرّض للاغتصاب حين وصولها ويتناوب الجميع عليها.

الأميرة النائمة

كيف تغيّر السينما الروايات - Sleeping_Beauty

في نسختها الأحدث، الأميرة الجميلة تنام عندما تغرز إبرة مغزل في إصبعها، تنام مئة عام إلى أن يأتي أمير يقبلها ويوقظها. ثم يقعان في الحب ويتزوجان في نهاية سعيدة.

لكن، في القصة الأصلية، تنام الفتاة الشابة بسبب نبوءة وليس بسبب لعنة وليست قبلة الأمير التي توقظها. يمر الملك بالقرب من قصرها، يقرع الباب وعندما لا يجيب أحد، يتسلق النافذة ويجدها نائمة ويقوم باغتصابها. وبعد تسعة أشهر تضع طفلين (بينما لا تزال نائمة). أحدهما يمص إصبعها وينتزع قطعة الكتان التي تبقيها نائمة، فتستيقظ لتجد نفسها مغتصبة وأماً لطفلين. وبعدها يعود الملك ليجد الأميرة والطفلين، فيقعان في الحب ويتزوجان بعد تغلبهما على زوجة الملك الشريرة التي أرادت قتل الأميرة وطفليها وإطعامهما للملك.

فورست غامب

كيف تغيّر السينما الروايات - Forrest-Gump

التكييف الذي تتعرض له الرواية ليس دائماً محط سخط النقاد. تم عرض فيلم فورست غامب عام 1994 وحاز العديد من الجوائز، بينها جائزة أفضل مخرج وجائزة أفضل ممثل (توم هانكس). كثيرون ممن شاهدوا الفيلم فضلوه على الرواية التي كتبها وينستون غروم.

الفرق بينهما لم يكن بسيطاً. في الفيلم يعاني فورست منذ طفولته من مشكلة في قدميه ما يضطره إلى وضع مقوّم حديدي، ويحب صديقته جيني التي تعاني بدورها من مشاكل عائلية، بينما كل هذا غير موجود في الرواية. وأيضاً تم حذف العديد من الأحداث مثل رحلة فورست إلى الفضاء ثم تعرفه على قرد وذهابهما معاً إلى الغابة واختطافهما من قبل أكلة لحوم البشر.

أما التغيير الأهم فكان محاولة المنتجين تحويل قصة حياة فورست الشخصية إلى قصة عن أميركا بين عامي 1950 و1980. ويبدو ذلك منذ المشاهد الأولى عندما كان فورست الصغير يتعلم الرقص على طريقة إلفيس بريسلي وصولاً إلى رحلته عبر أميركا شاباً، وهي رحلة غير موجودة في الرواية، للقول إن الهيبيين جرت قيادتهم بطريقة خاطئة وإن الإنسان الناجح هو من يتبع القوانين والأنظمة.

الأمثلة لا تنتهي، كل الروايات التي أنتجت في أفلام سينمائية قد تم تكييفها وتغييرها. مقارنة الرواية بالفيلم قد لا تكون منطقية، فعندما طُلب من أحد النقاد مقارنة الأفلام بالروايات المأخوذة عنها قال: "الفيلم هو لأولئك الذين يتكاسلون عن قلب الصفحة".

التعليقات

المقال التالي