ولائم هارون الرشيد الأسطورية

ولائم هارون الرشيد الأسطورية

تصور قصص الخلفاء والملوك قصورهم العامرة بالطقوس الاحتفالية والغناء والموسيقى، وبموائد أسطورية في غناها وترفها. فماذا كان يأكل علية القوم أيام العصور الذهبية لتاريخ العرب؟ وهل تشبه ولائمهم موائدنا؟ وألا نزال نطبخ بعضاً من وصفاتهم؟

في مجال دراسة التاريخ اليوم، برز اهتمام بدرس الأطعمة وآدابها في المجتمعات القديمة، التي تقدم نظرة جديدة للتاريخ الاجتماعي والثقافي لحقبات سحيقة تعرفنا إلى حروبها وملوكها وإلى بعض أعمالها الأدبية. فعادات الطعام وأنواعه تخبرنا الكثير عن العصر، وعن قيمه والحياة الاجتماعية فيه.

اعلان


إن أقدم وأهم ما لدينا عن تاريخ الطعام والطبخ من تراثنا، هو مخطوطة من القرن العاشر (أي الرابع هجري)، من بغداد، عنوانها "كتاب الطبيخ" (أو اسمها الكامل: كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب). مؤلفها هو أبو محمد المظفر ابن نصر ابن  سيار الوراق، الذي عاش في بغداد، وعمل مشرفاً على مطابخ دور الخلافة العباسية.

أقوال جاهزة

شارك غردهل نأكل اليوم وجبات كانت تليق بقصور العصور الذهبية؟

شارك غردكتاب طبخ يعود إلى القرن العاشر، أعده المشرف على مطابخ دور الخلافة العباسية

كان ولع الخليفة الرشيد وابنه بالطعام جماً، حتى أن المأكولات المفضلة لديهما حملت اسميهما، "الهارونيات" و"المأمونيات"، كما حملت اسم زوجة المأمون بوران. فهناك أكلات تعرف بـ"البورانيات"، ربما لأنها كانت أكلات بوران المفضلة، أو لأنها ابتكرت بعضها. وهناك وصفات تعرف بمن يحبها من الخلفاء ووزرائهم وقادة جيوشهم مثل أكلة "ذاجبرجة"، التي كانت تعد للخليفة المعتصم ابن هارون الرشيد، أو أكلة الدجاج المشوي "الباردة"، التي كان يحبها الوزير المشهور أبو جعفر البرمكي.

كتاب الطبيخ - ولائم هارون الرشيد الأسطورية صفحتان من مخطوطة كتاب الطبيخ الموجودة الآن في المكتبة الوطنية في فنلندة. ومصدرها نسخة الكتاب الإنكليزية للدكتورة نوال نصر الله

لا نعرف الكثير عن المؤلف، إلا أن كتابه شاهد على خبرته وولعه بالطعام وتاريخه، ففيه جمع الوراق وصفات لمئات الطبخات، ووصفات للحلوى والمشروبات. وخصص وصفات للصائمين حسب الدين المسيحي، والأطعمة المناسبة للمرضى. ويقدم نصائح لأنواع الأطعمة المناسبة لكل فصل من فصول السنة، ومنافع الطعام لعادات نوم صحي ولحياة جنسية ناجحة.

من أنواع الخبز وحده، يذكر الكتاب 15 نوعاً، ويفصل مواد وطريقة تحضير كل منها. للكثير من هذه الوصفات أسماء مختلفة عن الأسماء التي نعرفها اليوم، لكن بعضها ما زال مستخدماً، مع إدخال بعض التعديلات عليه. فيذكر الوراق أطباقاً تحضر بمرقة "الرخمين"، وهو قريب مما يستخدم اليوم في تحضير المنسف الأردني، ومثال آخر هو الحلوى المحشوة التي تشبه الكعك العراقي "كليتشا". وربما الأكثر رواجاً حينها كما هوالحال اليوم، أكلات اللحم المشوي. للمثال، ما يسميه ابن الوراق "السماقيات"، هو عبارة عن لحم غنم منقوع بعصير السماق قبل شيّه، والكباب و"الشرائح المشواة" والباذنجان المحشي، والنقانق والمحاشي، واللحوم المشواة في التنور أو "التنوريات".

هنالك أيضاً الأطباق النباتية، التي يسميها ابن الوراق "مزورات". ومن الحلوى، القطايف، التي لا تزال تحمل الاسم نفسه في بلاد الشام اليوم، وبعض المقبلات التي تقدم مع المشروب، أو كما يطلق عليها ابن الوراق الـ"النقل"، لأن شارب الخمر يتسلى بأكلها ويتنقل بينها وبين خمره، ومنها المكسرات المملحة، والزبيب والفواكه كالرمان والتفاح. أما المشروبات فيذكر الوراق خصوصاً الجعة من دون كحول، والنبيذ الحلو أو المشروبات الحلوة التي كان يعتقد أنها تساعد على الهضم بعد الطعام ولا تشرب معه.

يتبع الكتاب مفهوم الصحة السائد في ذلك الوقت، والذي يعتمد على صيغة غالينوس اليوناني (الطبيب الذي عاش في القرن الثالث)، ونظريته عن الأركان الأربعة للكون: الماء والتراب والنار والهواء، الموجودة في كل مواد الطبيعة بدرجات متفاوتة، وبتمازجها تعطي الإنسان أربعة طبائع. في وصف الطبخ مراعاة لهذه المبادئ، ولكل وجبة تأثير خاص على الحالة النفسية لمن يتناولها.

ويكرّس الكتاب قسماً لآداب المائدة، ولأدوات المطبخ المناسبة لكل نوع، ولنصائح للتخلص من روائح الطعام بعد طهوه، ولتنظيف الأسنان بعد الطعام، والفوائد الصحية لكل نوع من الأطعمة، وتأثيرها على الصحة. وكان الوراق يؤكد على معايير صارمة للنظافة. ولعل أمتع أقسام الكتاب هو الأشعار والأمثال  والنوادر، وكلها قصص من ليالي السهر والسمر في قصور الملوك. مثل قصة الخليفة المتوكل، الذي جذبته رائحة زكية حين كان يستجم على شط الفرات، والرائحة الطيبة التي كانت تهب عليه من طعام كان يعده طباخ على إحدى السفن، فطلب إحضاره وكانت شوربة "السكباجة"، فأحبها واستلذ بها حتى أنه أرسل القِدر الذي أعدت فيه إلى الطباخ مملوءاً نقوداً ذهبية.

كان يقال أيام الوراق إن ملذات الحياة هي: الطعام الشهي والجنس، وحلاوة الدنيا نتذوقها في وجبة طيبة وحديث ممتع. غنى المواد في الوصفات التي يشملها كتاب الطبيخ، يشهد على عصر كانت فيه بغداد عاصمة لامبراطورية بمر بها التجار الآتين من كل بقاع العالم، حتى أنها كانت توصف بـ"أم الدنيا" و"صرة البلاد"، كما أن التفنن في تقنيات الطبخ كما يصفها، تعطي فكرة عن ترف الحياة الاجتماعية في قصور الخلفاء.

هنا وصفة سهلة من كتاب الطبيخ: القرنفلية

  • قطعوا هبرة خروف قطعاً صغيرة ورقيقة جداً
  • ضعوها في قدر واغمروها بماء مع ملح من الفجر حتى منتصف النهار
  • ثم قوموا بتصفية اللحمة من الماء واغسلوها جيداً ثم ضعوها في قدر نظيف
  • أضيفوا إليها كاسيا وقطعاً من الخولنجان، وملعقة صغيرة من زيت الزيتون
  • وضعوا القدر على نار هادئة من دون إضافة الكثير من الماء
  • بعد أن تغلي مرتين أضيفوا القليل من الحمص المنقوق
  • أضيفوا ربع كأس من مرق البصل، والقليل من الملح، وعوداً كاملاً من عشبة السذاب وربع كأس من عصير القرنفل المنقوع بالماء
  • أخيراً، امسحوا اللحمة بعد استوائها بنبيذ حلو زكي الرائحة وقدموها جاهزة للأكل.

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي