حكاية "الأميرة التلميذة" و"الست": هل كانت أسمهان تنافس أم كلثوم؟

حكاية "الأميرة التلميذة" و"الست": هل كانت أسمهان تنافس أم كلثوم؟

يذهب معظم جمهور المطربة أسمهان إلى مقارنتها الدائمة بأم كلثوم، مدللين على ذلك بالعديد من القصص والروايات، التي تشير إلى حدة الصراع الذي كان دائراً بين المطربتين.

حتى أن بعض الأقلام المتطرفة، فسرت غموض حادثة مقتل أسمهان، بأن أم كلثوم هي المتهم الأول فيها بدافع الغيرة، والخوف على عرشها ومستقبلها من الموهبة الشابة والصاعدة بقوة حينذاك. رغم أن كل الوقائع والقصص التي تروى، تذهب في اتجاهين فقط: القضاء والقدر، أو المخابرات البريطانية. لكن لا يوجد أي إثبات على تلك الحادثة، أو على وجود خلافات أو غيرة ومنافسة حامية بين أم كلثوم وأسمهان.

تلميذة "الست"

علاقة أم كلثوم بأسمهان بدأت منذ أن كانت الأخيرة تعيش باسمها الحقيقي أمل أو إميلي في لبنان، خلال مراهقتها، وفترة اكتشاف موهبتها، عن طريق ترتيل ألحان الكنيسة أو ألحان أغاني أم كلثوم، قبل أن يسمعها المطرب محمود صبح صدفة، وهي تدندن أغنية "سكت والدمع اتكلم" لأم كلثوم. ووصف ما سمعه للشيخ داوود حسني، الذي كان أول من قارنها بكوكب الشرق، حين قال لها: "يا بنيتي أنتِ شيء خارق للعادة، فمنذ عامين اكتشفت صوت فتاة جميلة مثلك، وعلمتها الغناء لأجعل منها مطربة ترقى إلى صف أم كلثوم، إلا أنها توفيت بعد أن نضج صوتها". وأطلق عليها بعد ذلك إسم أسمهان، وهو أول من أدخل إلى قاموسها معنى أن تكون كأم كلثوم.

أقوال جاهزة

شارك غرداستغلت أسمهان بعد شهرتها في تهديد أسطورة أم كلثوم... عن علاقة "الأميرة التلميذة" و"الست"

شارك غردرغم المنافسة، كانت أسمهان تفترش الأرض بجوار أم كلثوم وتبكي لغنائها

مرحلة الاحتراف

نقل داوود حسني بدوره سيرة خليفة أم كلثوم الجديدة إلى زميليه: محمد القصبجي وزكريا أحمد، اللذين اتفقا على تبني موهبتها، وبالفعل خطت أولى خطواتها نحو الاحتراف معهما، ومع أم كلثوم أيضاً، فكانت أغنية "أين الليالي" أولى أغانيها المسجلة مع شركة "كولومبيا لإنتاج الأسطوانات" عام 1932، وهي من ألحان محمد القصبجي. بعدها سجلت أسمهان نحو 15 أسطوانة، من بينها أغانٍ لأم كلثوم.

علاقتها بفريق عمل أم كلثوم

كان الملحن والموسيقار رياض السنباطي أكثر المقتنعين بقدرة أسمهان على منافسة أم كلثوم. وهو أول من حوّل علاقة الأستاذة والتلميذة، إلى علاقة منافسة، حتى أنه كان دائم القول إنها الوحيدة التي وصلت إلى مرتبة أم كلثوم رغم صغر سنها. ورغم أن محمد القصبجي كان أكثر المتعاونين معها، وإيماناً بها، كان يرى أنها حالة استثنائية لا علاقة لها بأم كلثوم أو غيرها، مثل فتحية أحمد ومنيرة المهدية. وبقية الملحنين المتعاونين معها كانوا يرون الصورة نفسها عنها. فشقيقها فريد الأطرش كان يرى فيها وسيلته لحفظ ألحانه وأنغامه منذ صغرها، ومشروعه المقبل، ضد ما يراه من اضطهاد من نجوم ذلك العصر كمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم.

أما عبد الوهاب، فكان يرى فيها سيدة "الجلسات الحلوة فقط"، ويحكي أنها كانت تقول له: "مقدرش أشوف الكاس فاضي"، في دلالة على أنه لا يرى فيها فنانة جادة، عكس أم كلثوم الأكثر صرامة وجدية معه. وحين كان يعد أوبريت "مجنون ليلى"، تعمد تقييد مساحتها الصوتية في جزئها الغنائي، في دور "ليلى العامرية"، وأعطى لنفسه الأجزاء الأكثر حرية وتطريباً. ويقال إنها كانت سياسة عامة لديه في احتكار الأجزاء التطريبية في كل أوبريت يعدّها، إلى جانب عدم إيمان عبد الوهاب بأسمهان كمطربة تستحق ألحانه.

استغلالها في تهديد "الست" بعد شهرتها

لاقى صوت أسمهان انتشاراً واسعاً في القاهرة في فترة سيطرة أم كلثوم، واستمرت العلاقة الطيبة بينهما أيضاً. ويروي أحمد الحفناوي، عازف آلة الكمان في فرقة أم كلثوم، أن اسمهان كانت تحرص على لقاء "الست" بين فترة وأخرى، وتطلب منها الغناء، وتفترش الأرض تحت قدميها وتبكي.

عرفت أسمهان أنها تستخدم من جانب البعض لتهديد أسطورة أم كلثوم تحديداً عام 1939، أثناء التجهيز لفيلمها الأول "انتصار الشباب"، مع المخرج أحمد بدرخان. فأثناء الاتفاق على تفاصيل الفيلم، قال لها حسني نجيب، أحد منتجي الفيلم من شركة أفلام النيل مع جبرائيل تلحمي وميشيل بيضا، إن أم كلثوم وعبد الوهاب يجهزان لفيلم غنائي جديد، لذلك يجب الإسراع في تنفيذ الفيلم والإكثار من الأغاني فيه لمنافستهما. وقد رفض فريد الأطرش حينها تكوين جبهة مع القصبجي والسنباطي ضد عبد الوهاب، ولحن بمفرده أغاني الفيلم، التي تجاوزت الـ8 ومن أشهرها "يا بدع الورد"، و"انتصار الشباب".

عقب نجاح الفيلم، انتقلت أسمهان إلى منافسة أم كلثوم مباشرة، بعد أن خطفت منها أغنية "حديث عينين" عام 1941، التي تعتبر تعاونها الأول مع السنباطي. فبعد أن كانت القصيدة من نصيب أم كلثوم، التي طلبت بعض التعديلات عليها لأنها رأت فيها جرأة وحداثة عن أسلوبها الفني، أقنع القصبجي زميله بإعطائها إلى أسمهان، التي ستغنيها كما هي، من دون تعديلات أو ملاحظات.

لم تهنأ أسمهان كثيراً بتعاطف وانحياز فريق عمل أم كلثوم لها، ثم بانضمام الشاعر أحمد رامي ورياض السنباطي لهم إذ خطفها الموت عام 1944 في الحادثة الغامضة، من دون أن تكمل تصوير آخر أفلامها "غرام وانتقام"، الذي شهد أغانيها الأخيرة مثل "أمتى هتعرف"، و"ليالي الأنس في فيينا".

مستقبل المنافسة

معظم الروايات الحقيقية والموثوق بها، تتجه إلى أن أسمهان لم تكن عدوة مباشرة لأم كلثوم ولا منافسة لها، وأن كل ما ينشر حول ذلك، غالبه من دافع التعاطف مع مطربة لقيت حتفها في زهرة شبابها، أو مجرد توقعات بأنها كانت ستنافسها بالفعل لو كتبت لها حياة أخرى. والجميع أشاروا إلى أن هناك علاقة طيبة كانت تجمع التلميذة أسمهان بقدوتها أم كلثوم.

ومعظم من كتبوا عن مشروع الاثنتين، ألمحوا إلى أن شعور الثنائي فريد الأطرش وأسمهان بالاضطهاد من الفنانين والمسؤولين المصريين كان سبباً في تعاطف البعض مع مشروع أسمهان الذي لم يكتمل، والذي كان يتميز عن أسلوب أم كلثوم بحداثيته، وتحرره من الكلاسيكية، بسبب خامة صوتها الفريدة والجذابة. لكن الكل، تقريباً، اتفق على أن صوتها في كل الأحوال لن يصمد أمام احترافية أم كلثوم، وتركيزها الرئيسي على عملها الأساسي وهو الغناء، بينما كانت أسمهان أقرب إلى هاوية، ولم تكن تهتم بصوتها وتدربه، ولوحظ ضعفه عندما ضعفت صحتها في أيامها الأخيرة.

ويقول بعض النقاد إن أسمهان كانت تغني عند الطلب فقط، وتوقفت لسنوات بسبب أزماتها السياسية والعاطفية المتكررة في مصر، إلى جانب "مزاجيتها" المتقلبة، التي أدخلتها في فترات اكتئاب شديدة، حاولت فيها الانتحار أكثر من مرة، وشعورها الدائم بالظلم والحزن وعدم الرضا، كما يذكر شقيقها فريد في مذكراته وأحاديثه، والتي قال فيها: "كان هناك احتمال منافسة أسمهان لأم كلثوم بألحان محمد القصبجي، لو تسنى لها العيش مزيداً".

كلمات مفتاحية
ثقافة فن مصر

التعليقات

المقال التالي