مصر، حين يساق الخيال إلى المحاكمة

مصر، حين يساق الخيال إلى المحاكمة

من المتوقع أن تنظر محكمة جنح القاهرة في قضية نشر جريدة "أخبار الأدب" المصرية فصل من رواية "أحمد ناجي" في جلسة 14 نوفمبر الجاري. وجدت نيابة مصر أن كتابة أحمد خادشة للحياء العام، بينما اعتبرت أن رئيس التحرير متهم بالإخلال بمهمة الإشراف، لنشره فصلاً من رواية "استخدام الحياة" على صفحات الجريدة. نتناول في ما يلي أبرز أزمات الصحافة المصرية حين تنشر الإبداع.

حرب على نجيب

في الصفحة العاشرة من جريدة الأهرام يوم 23 سبتمبر 1959، ومع رسوم الفنان الحسين فوزي، نشرت الحلقة الأولى من أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. الروائي الذي سيصبح الأهم عربياً بفوزه بنوبل للآداب عام 1988، سيكون هدفاً لحملة شرسة ضد نصوصه المنشورة في الجريدة المصرية الأقدم.

في لحظة النشر، وللمفارقة، كان محفوظ يعمل مديراً للرقابة على المصنفات الفنية، الجهة المنوط بها إجازة أو منع أي سيناريو أو السماح بعرض أو منع الأفلام السينمائية، سواء كانت منتجة في مصر أو خارجها. توقف الرقيب عن كتابة سيناريوهات الأفلام "حتى لا يتعارض ذلك مع طبيعة منصبي مضحياً بذلك بدخل مالي كبير كنت أحصل عليه من عملي في كتابة سيناريوهات الأفلام"، كما يقول لرجاء النقاش في كتابه "نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته". كان صاحب نوبل يعتمد حينذاك أواخر الخمسينيات، على نشر نصوصه مقابل أجر كبديل لتوقفه عن الكتابة للسينما، لأنه صار رقيباً عليها.

نشرت جريدة الجمهورية حينذاك، خبراً يشير إلى أن هذه الرواية تحتوي على "تعريض بالأنبياء". وبدأت الحرب، انتقادات في رسائل البريد، ومطالبات بعدم نشر بقية الرواية، بل أرسل بعض الأدباء عرائض قانونية وبلاغات للنيابة لمحاكمة محفوظ. تطوّر الأمر بتلقي محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام مكالمة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر بشأن الرواية الأزمة التي تنشر في جريدته، كما يؤكد محفوظ في كتاب النقاش.

لكن النشر في الأهرام لم يتعطل، بل تحوّل ليكون بشكل يومي وليس أسبوعياً، وليكسب هيكل الوقت، طلب أن تشكل لجنة من مشايخ الأزهر، قامت بتقييم العمل على أنه "لا يجب أن ينشر في الجريدة"، لكن فصول أولاد حارتنا توالت على صفحات الأهرام، كل يوم، حتى تمامها.

كانت زوجة نجيب تشكو له من وجود مراقبة مستمرة لها. أشخاص لا تعرفهم يتتبعون حركتها كلما نزلت إلى الشارع. يحكي نجيب للنقاش: "ربما لو كنت أنتبه أثناء سيري في الطريق لاكتشفت أنني مراقب، ولكن الأفكار التي كانت تدور في ذهني وأنا أمشي كانت تشغلني عن مثل هذه الأمور". كما يوضح أن "العمل كان رسالة لحكام البلاد، ضباط يوليو 1952، إما أن يتخذوا طريق الفتوات أو الأنبياء"، ما يغلب شك بثه الكاتب للنقاش، أن جهة الاعتراض كانت المخابرات لا الأزهر.

بعد نجاة محفوظ من محاولة شاب طعنه بسكين في رقبته بسبب أولاد حارتنا عام 1994، نشرت فصول منها في جريدتي المساء والأهالي من دون موافقة الكاتب، وهذا ما أثار الكثير من الجدل. وحين صدرت في كتاب عام 2006 عن دار الشروق مع مقدمة لمفكر إسلامي معتدل هو أحمد كمال أبو المجد، لم يبد أحد من مشايخ الأزهر أي اعتراض.

أقوال جاهزة

شارك غردإبداع خادش لحرية هشة

شارك غردحين يحاكم القضاء المصري الخيال

لم يتوقع محفوظ كل هذه الأزمات بسبب هذه الرواية، لكن أزمات أخرى ستحدث في مصر كلما نشر أي نص أدبي في جريدة مصرية، وكان النص يتعدى خطوطاً محددة، غير معلنة، لا نعرفها إلا إذا خُدشتْ، أو تخطاها الكاتب، لنجده محاصراً بمراقبة ومنع أو محاكمة.

المجلة أداة الجريمة 

نشرت مجلة إبداع في شتاء 2007، قصيدة "شرفة ليلى مراد" للشاعر الراحل حلمي سالم. جاء العدد بعد سنوات من توقف المجلة الفصلية الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب. بعد صدور العدد حظرت هيئة الكتاب توزيعه، بعد اعتراض عمال المطابع، وطبعته مرة أخرى من دون القصيدة، لكن بعض النسخ تسربت، وقرأ بعض الناس قصيدة سالم.

بعد عامين سيصدر من المحكمة الإدارية العليا حكم يقضي بسحب ترخيص "إبداع" من الهيئة العامة للكتاب، لأنها كانت الأداة التي ارتكبت بها هذه الجريمة في حق الله، وفي حق المعتقدات ومقدسات أبناء هذا الوطن. كما أن هذه المجلة لم تكن ملتزمة بالهدف المنشود من ترخيصها بنشر الإبداع الذي تجود به قرائح الشعراء المبدعين حقاً، حسب ما جاء في الحكم الصادر في جلسة 7 أبريل 2009. لكن بعد اعتراض هيئة الكتاب على الحكم عادت المجلة للصدور بعد شهرين.

محاكمة رسوم "خادشة"

حكمت محكمة جنح قصر النيل، في العام 2009، بتغريم الرسام مجدي الشافعي، وناشرها محمد الشرقاوي، غرامة مالية قيمتها 5 آلاف جنيه لكل واحد منهما، بسبب تأليف الشافعي لأول رواية مصرية مرسومة "مترو" (ملامح، 2007)، ونشر شرقاوي لها.

محاكمة الكتاب في مصر - من رواية مترو من رواية مترو

غُرِّم الشافعي والشرقاوي حسب نص المادة 178 من قانون العقوبات، لأن المحكمة رأت أن هذا العمل يحوي ألفاظاً ورسوماً خادشة للحياء العام. تختص المادة بكل من نشر أو صنع أو حاز مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صور خادشة للحياء العام بالحبس مدة لا تزيد على عامين أو بغرامة مالية أو بكلتيهما. وبعد 6 سنوات تعود المادة نفسها لتطارد فصلاً من رواية تمزج بين الأدب والرسم!

مقال خادش أم أدب... حيرة محقق! 

في 14 من الشهر الجاري سيحاكم الكاتب أحمد ناجي ورئيس تحرير جريدة أخبار الأدب طارق الطاهر أمام محكمة الجنح في مصر، في القضية 1954 لسنة 2014، بسبب فصل من رواية ناجي، كان قد نشر على صفحتين من الجريدة، قبل عام و3 أشهر، بينما لا تزال نسخ "استخدام الحياة"، كاملة، تباع في مكتبات القاهرة.

بدأت التحقيقات بعد أن تقدم محامٍ إلى قسم بولاق أبو العلا بشكوى على ما نشرته "أخبار الأدب".  تحدث المُبلِغ عن صدمته، هو وابنته مما نشر في مطبوعة أسبوعية صادرة عن مؤسسة أخبار اليوم الصحفية. تعاملت نيابة أبو العلا مع هذه الشكوى بجدية، وطلبت المحامي للشهادة، وبالفعل حضر وقرأ أمام السادة أعضاء النيابة الألفاظ التي  صدمته، بل خدشت حياءه من كتابة الروائي.

محاكمة الكتاب في مصر - من رواية "استخدام الحياة" من رواية "استخدام الحياة"

يذكر هذا الشاهد للنيابة أن النص مقال، وهو الأمر الذي ثبتته النيابة في قيدها للقضية، لتتهم الروائي بخدش الحياء العام، ورئيس التحرير أنه أخل بمهمته في الإشراف، حسب المادتين 178 و200 مكرر أ/2 من قانون العقوبات، بالترتيب.

يجمع العمل إلى جانب كتابة تمزج بين العامية المصرية والفصحى، أجزاء كوميكس Comics رسمها الفنان المصري أيمن الزرقاني. استخدام الحياة هي مذكرات بسام بهجت العجوز، الذي يروي لنا وقائع دمار وغرق العاصمة المصرية. يكشف بهجت، الراوي، حكاية جمعية "معماري المدينة"، التي تدعي أنها كانت موجودة بشكل دائم على مدار التاريخ، لحراسة المعرفة والبناء. ونتيجة لصراع داخل هذه الجمعية السرية كان القرار بأن القاهرة لن تستمر في المستقبل.

بعد هذه الأزمة سارع أحمد ناجي إلى نشر بيان ساخر على Facebook يؤكد أن أحداث الرواية خيالية!

الصورة الرئيسية من رواية "استخدام الحياة" (رسم أيمن الزرقاني)

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
الرقابة ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي