المثلية في الفن الجزائري: هل اخترق التابو حقاً؟

المثلية في الفن الجزائري: هل اخترق التابو حقاً؟

"مية وستة" ليس رقماً عادياً في الجزائر. فهو يحيل بشكل مباشر إلى مشهد أيقوني في فيلم "عطلة المفتش الطاهر"، الذي أخرجه موسى حداد عام 1973، وقام ببطولته ضمن أشهر سلسلة أفلام جزائرية، النجمان الراحلان حاج عبد الرحمن في دور لانسبكتور L'inspecteur (مفتش الشرطة)، ويحيى بن مبروك في دور لابرانتي L'apprenti (المساعد).

يُظهر مشهد الدقيقة 21 لانسبكتور ولابرانتي في رواق الطابق الأول في فندق "مطاريس" الواقع في مدينة تيبازة الساحلية، والذي كان حينذاك من أهم الوجهات السياحية للجزائريين والأجانب. يتمشى لانسبكتور في هيئته المعتادة، ويلحق به لابرانتي متنكراً في زي عاملة تنظيف، وبطلب من المفتش أن يغيّر مشيته إلى مشية نسائية. يمر بإحدى الغرف تالياً رقمها بطريقة كوميدية "مية وستة". لم تصبح فقط هذه الغرفة معلماً للفندق الذي يصرّ كثير من زواره على أخذ صورة أمامها من باب الدعابة، بل تحول وصف "المية وستة" إلى تعبير يحيل على كل رجل يبدي نوعاً من النعومة، وفي غالب الأحيان يستخدم الرقم شتيمة.

اعلان


مطالبات بمراكز علاج للمثليين

تجنح غالبية الأعمال الفنية إلى الإدانة المباشرة والتحريض، ورفض حقيقة أن "الرجل الناعم" ليس إلا رأس جبل الجليد، وسط خلط بين المثليين والمتحولين جنسياً، ومضطربي الهوية الجنسية.

يصر الكثيرون على أن المثلية مرض، رغم الشطب الرسمي لمنظمات الصحة العالمية للمثلية من الأمراض التي تستوجب علاجاً. المجتمع الجزائري ما زال يرفض هذه الفئة لعدة أسباب أهمها المعطى الديني، في حين أن كثيراً من الجزائريين يدعون إلى علاج هؤلاء أو التخلص منهم، وهو ما انزلق إليه رجل دين يقدم فتاوى (غير مجازة) على إحدى القنوات الفضائية، حين دعا النظام الجزائري إلى توفير مراكز لعلاج "المخنثين"، وإحاطتهم بعلماء النفس وضربهم بـ"المطرق والفلاقة" (الضرب بالعصا على الرجل العارية) حتى "الاستقامة"، رغم إنكاره في بداية الأمر كون المثلية مرضاً يستوجب الشفاء.

يبدو أن كثيراً من الأعمال الفنية تخاف من الطرح المتوازن، البعيد عن الإدانة للمثليين في ظل إدانة قانونية ومجتمعية لهم، وتفضل الإشارة إليهم كمادة للسخرية والتندر، وهذا ما يحدث في عدد كبير من البرامج التلفزيونية. لكن في الوقت عينه خرج بعض الفنانين خصوصاً في مجال الموسيقى، ليقدموا أغاني جريئة جداً تصرّح بالحب المثلي، وبألفاظ جنسية أحياناً. إذ ظهر هواري المنار، وهو مطرب راي تطرح بعض أغانيه مواضيع الميل للرجال بشكل واضح، وتظهره فيديوهات على موقع يوتيوب في أزياء نسائية في جلسات ما يعرف بفن "المداحات"، على قناة Beur TV

وقد مرّ ظهوره في برنامج "لمة لحباب" من دون ضجة كبيرة متوقعة، فاكتفى المعارضون بتوجيه تعليقات شاتمة لمقدم البرنامج والضيوف والقناة التي بثت اللقاء. الأمر نفسه يحدث في كل فيديوهات التغني بالمثلية، التي ترتفع فيها المشاهدات إلى مستويات قياسية، وكذلك الشتائم في حق مطربيها ومن يستمع إليهم.

ولم يخف فؤاد شاشو، مقدم البرنامج، حقيقة أن القناة رفضت في البداية رفضاً مطلقاً ظهور المنار في برنامجه، خصوصاً أنه كان موجهاً للعرض في رمضان، ولم توافق إلا بعد أسابيع من الإلحاح موافقة مبدئية على تسجيل الحلقة ودراسة إمكانية بثها. وقال شاشو في حديث لرصيف22: "سأكون صريحاً، إن الأمور الشخصية للفنان ليست من المعطيات التي يُتخذ على أساسها قرار بدعوته أو عدم الدعوة". وأضاف: "تربطني علاقة شخصية بالمغني هواري المنار وما أعرفه أنه لا ينزعج من وصف الناس له بالشاذ جنسياً، لأنه لا يعتبر نفسه شاذاً".

أقوال جاهزة

شارك غرد سر الرقم "مية وستة" في الجزائر والمثلية الجنسية

شارك غردكيف يتعامل مغني راي "متهم" بالمثلية الجنسية مع المجتمع والإعلام

وقلّل شاشو من أهمية الهجوم الذي تعرض له البرنامج، خصوصاً أن إدارة القناة أبدت رضاها عن محتوى الحلقة، الذي وصفه بالمحترم والمناسب للعرض في التلفزيون.

المثلية في المسرح والسينما

يكاد يغيب الطرح المتوازن الحيادي لصناع السينما بخصوص قضية المثلية، وإن حضر فإنهم يرضخون في الغالب للهجوم الإعلامي والجماهيري. ويحاول المخرج تبرير تناوله لهذا الموضوع بضرورات فنية لفئة موجودة فعلياً في المجتمع، وغالباً تكون شخصية المثلي غير محورية، وهو ما حدث في أفلام مثل "السطوح" لمرزاق علواش، وفي عدد من أفلام نذير مقناش. إلا أن أول فيلم يتمحور بشكل كامل حول المثلية، هو الفيلم القصير "نسيبي" (2014) للمخرج حسان بلعيد، وإن كان الموضوع الأدق في هذا الفيلم هو الاضطراب في الهوية الجنسية.

ممثلو الفيلم، ورغم إبدائهم تخوفهم من تبعات عرضه، تنافسوا على التأكيد أن مؤدي دور "حبيبة"، هو متحول جنسي حقيقي استقدمه المخرج من فرنسا، إلا أن الأخير نفى الأمر في جلسة النقاش بعد عرض الفيلم في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي العام الجاري، والتي كانت متشنجة بشكل واضح، وانتهت بحملة إعلامية على شبكات التواصل الاجتماعي تتهم بلعيد بالترويج للمثليين وخدش الحياء العام.

حبيبة، الذي يرفض هويته كرجل ويشعر في داخله بأنوثة يتعامل وفقها في تصرفاته ويعكسها في مظهره، لدرجة تمكنه من تقديم نصائح في الأنوثة لأخته المتزوجة التي تستقبله في بيتها، ولا تتحرج من تبادل أحاديث نسائية بحتة معه حول العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة. يرفض زوج الأخت وجود هذا النموذج "المنبوذ اجتماعياً" في بيته، والذي تسبب له بحرج مع محيط قرر مقاطعته، فيطرده من بيته قبل أن تترجاه زوجته أن يوصل أخاها إلى بيته اتقاءً لاعتداء المارة والجيران عليه.

يتضح أن مأوى حبيبة ليس سوى كباريه يمارس عمله فيه، والمتمثل في إثارة الزبائن ودفعهم إلى المزيد من الاستهلاك. الكباريه الذي أنهى عمله فيه مبكراً في تلك الليلة هو الفضاء الذي يعيد فيه زوج الأخت تعريف علاقته بحبيبة. فيتحول من حالة الرفض التام إلى حالة قبول وتناغم تصل إلى الرقص معه، والدفاع عنه لدى محاولة أحد الزبائن المتأخرين من أفراد الشرطة التعدي عليه بالقوة. قبل أن ينتهي الفيلم بمشهد مرافقته له عائدين، ربما إلى البيت بمنطق جديد.

لا يقدم الفيلم أي تبرير فني لحالة الانتقال السريع من حالة الرفض المطلق إلى حالة القبول المطلق خلال ساعات قليلة، ربما لأنه مهّد لها في بدايته بادعاء حبيبة امتلاكه جدول عمل مزدحماً في إحياء الحفلات، ما يشير إلى قبوله مجتمعياً بطريقة أو بأخرى. لكن يبقى هذا التمهيد ضعيفاَ إذا وضعناه في ميزان  تغير راديكالي غير واضح ورفض مجتمعي لم ينكره ولم يستدرجه إلى محاولة إدانته أو تأييده بأي صورة. فتخرج من الفيلم كما دخلته بإضافات بسيطة جداً عن حالة معزولة لموضوع يصنف في خانة التابو الزائف.

ولا يختلف الموضوع كثيراً في المسرح، إذ تطرق المخرج الجزائري هارون آل كيلاني في مسرحية "فيزيو شظايا" (2011) إلى قصص متداخلة لشباب ممزقين، يجمعهم فضاء وحشي يشبه المخيمات العسكرية. مهّد المخرج جيداً لطرح القضية بوضع أبطاله في هالة من القسوة والحاجة، كثفها بالحرمان العاطفي والضغط النفسي النابع من تمزقات أسرية هزت علاقتهم بالآخر عموماً، والأنثى خصوصاً. يطرح العمل بجرأة غير مسبوقة صورة لعلاقات مثلية صريحة بين شباب، تفتق وعيهم على مشاهد الدم والدمار، ويصل إلى مرحلة اليأس التي تدفع ببعضهم إلى قطع أعضائهم الذكورية.

العرض الأول للعمل كان في المهرجان الوطني لمسرح الهواة في مدينة سيدي بلعباس عام 2012. أشادت حينها لجنة التحكيم بالعمل من دون أن تمنحه أي جائزة رغم تفوقه التقني وتجديده شكلاً ومضموناً. وكما كان متوقعاً في بلد محافظ تحتكر فيه وزارة الثقافة قاعات العرض، فالعمل لم يعمّر بشكله مطولاً، ولم يحظ بسلسلة عروض كبيرة في الجزائر.

وكانت المفاجأة أن المخرج عمل عليه مجدداً بعد سنتين، بعنوان جديد "بخور عصري". خلّف مرور العمل في مهرجان صور المسرحي في لبنان عام 2014 ردود فعل جيدة. وختم المسابقة بالتتويج بجائزة أحسن عرض متكامل، ليشق طريقه للعرض في بضعة مهرجانات خارج الجزائر.

كلمات مفتاحية
الجزائر فن

التعليقات

المقال التالي