ذكريات عن لقاء الشيخ إمام بالشاعر أحمد فؤاد نجم في حارة "خوش قدم"

ذكريات عن لقاء الشيخ إمام بالشاعر أحمد فؤاد نجم في حارة "خوش قدم"

تقع حارة "خوش قدم" في قلب القاهرة المملوكية، وفي أزقتها كُتب جزء أساسي من صفحات التاريخ المصري. فالحارة التي يصل عمرها إلى نحو 700 عاماً، والتي أسستها مجموعة من كبار التجار، شهدت تحوّلات اجتماعية كثيرة إلى أن أصبحت قبلة المثقفين والفنانين، عبر احتضانها الثنائي الشهير، شاعر العامية أحمد فؤاد نجم والملحن والمغني الشيخ إمام.

عاش نجم وإمام في الحارة العتيقة، وشكّلا حركة مقاومة فنية ضد النظام المصري، وتحديداً بعد نكسة يونيو 1967. ففي تلك الفترة، توهجت الأغنية السياسية التي كتب نجم كلماتها من أوجاع وآلام الشعب، وغنّاها الشيخ إمام ليوصلها إلى شتى أنحاء العالم، ناشراً رسالة تستنكر جميع أشكال الظلم والاستبداد.

تاريخ ترك آثاره

يجلس الرجل الستيني، العم سيد عبد العزيز، في مدخل الحارة أمام مسجد الفكهاني، ويحكي بفخر عن تاريخ "خوش قدم". قال لرصيف22: "هذه الحارة لم يستطع نابوليون دخولها عندما أتى على رأس الحملة الفرنسية إلى مصر، فاضطر للانسحاب أمام مقاومة أهلها".

لقاء الشيخ إمام بالشاعر أحمد فؤاد نجم في حارة خوش قدم - صورة-1

"خوش قدم" هو اسم تركي يعني قدم السعد أو الخير، وهو اسم أحد المماليك الذين حكموا مصر وأقام في هذا المكان قبل أكثر من 700 عام. تنتمي الحارة إلى حي الغورية الشهير، وتزخر بالآثار التي تعود إلى العصر المملوكي ومنها: مسجد الفكهاني وعمره من عمر الحارة، ومنزل شيخ بندر التجار جمال الدين الذهبي ويعود تاريخه إلى نحو 400 عام. وفيها مقام سيدي يحيي ومسجد سيدي أحمد الدرديري، وكان أحد شيوخ الأزهر الشريف.

يتبرّك أهالي الحارة بالشيخ الدرديري ويعدونه ولياً من أولياء الله الصالحين، فقد كان قريباً من البسطاء والفقراء، وكان يمتطي حماره ويطوف في حي الغورية والأحياء المجاورة لقضاء حاجات الناس، ومن هنا جاءت عبارة: "اركب الحمارة واقضي العبارة"، وتحوّلت هذه الجملة إلى دعاء يتوسل به زائرو مقام الشيخ. الحارة مفعمة بعبق التاريخ والأصالة المصرية ولا تزال تحتفظ بتقاليد الحارات القديمة برغم تغيرات الزمن.

لقاء الشيخ إمام بالشاعر أحمد فؤاد نجم في حارة خوش قدم - صورة-2

قصة الحارة وأبنائها

يتباهى العم سيد حين يتحدث عن دور حارته في احتضان المبدعين. قال: "خوش قدم لها خصوصية ثقافية تميّزها من غيرها من الحارات، إذ احتضنت عمالقة الفن المصري، منهم الشيخ زكريا أحمد، وسيد مكاوي، والشيخ إمام، والشاعر أحمد فؤاد نجم، والفنان التشكيلي محمد علي، والنحات الفطري محمود اللبان". ولعلّ هؤلاء الفنانين تركوا أثرهم في أبناء الحارة. فمن اللافت جداً أن الأفكار الدينية المتشددة والمتطرفة لم تجد سبيلاً إليهم.

أقوال جاهزة

شارك غردعن حارة "خوش قدم" التي احتضنت عمالقة الفن المصري كالشيخ زكريا أحمد وسيد مكاوي والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم

شارك غردكان أحمد فؤاد نجم يكتب والشيخ إمام يغنّي وأهل حارة "خوش قدم" البسطاء يرددون أغانيه... والمباحث تستنفر

الرواية التاريخية التي سردها العم سيد عبد العزيز عن تاريخ الحارة، تتعارض مع رواية أخرى ذكرها لنا الباحث التاريخي والروائي محمود عبدالغني: "إن حارة خوش قدم بنيت في أكثر من عصر مثل أغلب الحارات المصرية القديمة، وأول من أقام فيها مجموعة من كبار التجار، الذين أطلقوا عليها اسم "خوش قدم"، أي قدم الخير، حتى يستبشروا بها وتكون فاتحة خير عليهم. وبعد فترة من الزمن هجر التجار الكبار الحارة وحل محلهم صغار الحرفيين والصناع وأصحاب المهن المختلفة. وفي عهد محمد علي، بدأ أبناء الطبقة المتوسطة يسكنون الحارة. ومع ظهور المدنية الجديدة في عهد الخديوي إسماعيل، هجرت الطبقة البرجوازية المكان ليستقر فيه مَن هم أفقر منهم".

لقاء إمام ونجم

تغيّرت صورة "خوش قدم" بعد أن التقى الشيخ إمام عيسى بشاعر العامية أحمد فؤاد نجم، عام 1963. تفاصيل هذا اللقاء يحكيها الفنان التشكيلي الدكتور جمال الموجي، أحد أبناء الحارة: "الشيخ إمام كان يعيش في الحارة ويؤذن في مسجد الفكهاني، وكان أحد تلامذة الشيخ زكريا أحمد الذي كان أول من اكتشف موهبته في الغناء والتلحين. وكان شقيقي سعد الموجي قد تعرف على الشاعر أحمد فؤاد نجم، وأعجب بأشعاره، ورأى أن ما يكتبه من الممكن أن يغنّيه الشيخ إمام، فجاء بنجم إلى الحارة، وعرّفه على الشيخ إمام، ليشكلا ظاهرة قوية، استقبلها أهل الحارة بحب شديد، ثم أصبح هذا الثنائي عنوان مرحلة مهمة ومؤثرة في تاريخ الشعب المصري".

الدكتور عصمت النمر، أحد عشاق خوش قدم والصديق المقرب للشيخ إمام، رأى أن الحارة هي التي شكلت وجدان الثنائي "إمام ونجم"، وقال: "تقع خوش قدم في قلب القاهرة المملوكية التي ما زالت تحتفظ بعماراتها الإسلامية القديمة، من المساجد والحواري المدقوقة بالطوب البازلتي الأسود. ولهذه الحواري سحرها ودورها في تشكيل وجدان ساكنيها إذ إن ضيق الأزقة فيها يقوّي الروابط بين أهلها، وهم من البسطاء أصحاب الحرف القديمة وبائعي العطارة، والخياطين، وصناع الفضة. وأعتقد أن خوش قدم هي التي شكلت وجدان الثنائي "إمام ونجم" بما فيها من عبق التاريخ الصادر من الأنتيكا والمساجد القديمة والمشربيات".

نوع فنّي جديد

وروى النمر أنه "عندما حط نجم رحاله في الحارة عام 1963، التحم مع الشيخ إمام في ثنائي فني نادر، والتحمت الحارة بهما حتى أن أهل الحارة البسطاء كانوا يرددون كل أغاني الشيخ إمام وكأنهم جوقة كبيرة للشيخ ولنجم. كان هذا الثنائي نبض الشارع المصري، حتى قبل نكسة 67 التي غيّرت مسارهما الفني. وكانت كلمات نجم وألحان إمام، مختلفة تماماً عمّا يذاع في إعلام المؤسسة الحاكمة، واستطاعا أن يعبّرا تعبيراً صادقاً عن أوجاع الشعب وما يتعرض له من ظلم واستبداد".

وذكر أن "كل كوادر الحركة الطلابية والوطنية في فترة السبعينيات، كان لهم حضور كبير في جلسات الشيخ ونجم في الحارة"، مشيراً إلى أن العشرات من الطلبة والمثقفين ومخرجي السينما العالمية مثل كوستا جافراس ويوسف شاهين وعلي بدرخان كانوا يجتمعون في غرفة ضيّقة على سطح بناية متهالكة "للاستماع إلى إبداع الحارة المصرية في أعلى تجلياتها الحقيقية".

وأضاف الرجل السبعيني أن هذا الثنائي الفني "كان بمنزلة قاطرة جرّت معها أطيافاً من الإبداع الموازي، متمثلاً في إبداعات أبناء الحارة: الفنان التشكيلي محمد علي، والنحات الفطري محمود اللبان".

وفي كتابه "في وداع أماكن/ دفتر الدفاتر" (تحت الطبع)، يحكي الكاتب والروائي الكبير جمال الغيطاني عن ذكرياته في خوش قدم. يقول إنه عام 1964، "اقترح عليّ عبد الفتاح الجمل أن نذهب معاً إلى خوش قدم لنستمع إلى الشيخ إمام... (كان) الشيخ إمام مدخلي إلى السكة وأهل الحارة. أصغيت إلى صوته القوي، الرخيم، المتصل... كان الشيخ مشهوراً فى ذلك الوقت بأغانيه النقدية، الجريئة والتي بدأها بعد لقائه بأحمد فؤاد نجم الذي ترك المواضع القاهرية الأخرى ولزم خوش قدم، وصار من أهلها... يسكن البيت الذي لا بد للوصول إليه من اجتياز قاصده لممرّ يُجبر على الانحناء ويؤدي إلى سلم ضيق".

ويضيف: "كان لقاء نجم بإمام حدثاً عجيباً دبّرته الأقدار. ذاع أمر نجم والشيخ وصارا رمزاً لحقبة ولروح جديدة برغم الهزيمة (هزيمة 1967). حاولت مؤسسات النظام اللف من هنا والمجيء من هناك. حدث أن دبّرت المباحث حملة ضدهما. ما زلت أذكر عنواناً عريضاً فى صفحة حوادث "القبض على إمام ونجم لتعاطي المخدرات"، ثم تطور الأمر فى عنوان اليوم التالي إلى اتهامهما بالإتجار بها مع صورة لهما بجوار تل صغير من طرب الحشيش. لكن ما لم يُنشر أن الشيخ تحسّس الأكياس وعلّق ساخراّ: حلم ده ولا علم؟".

كلمات مفتاحية
القاهرة فن

التعليقات

المقال التالي