أدب الخيال العلمي العربي مشروع مؤجل

أدب الخيال العلمي العربي مشروع مؤجل

الراغبون في كتابة الخيال العلمي بالعربية يبدون أمام فرصة جيدة اليوم، وقد بدأ المزاج العام في النشر والقراءة يتغيّر وفقاً لمعطيات جديدة. منابر الكتابة تزداد يوماً بعد يوم، والمساحات المفتوحة للتعبير مثل المدونات الشخصية والمواقع الإلكترونية، قابلة لاستيعاب أي تجربة، واختبار مدى تأثيرها في القراء المحتملين ووصولها إليهم.

اليوم نجد مواقع مخصصة لأدب الخيال العلمي العربي، مثل موقع سندباد باللغة الإنجليزية لياسمين خان، ورابطة الخيال العلمي "يتخيلون" لمؤسسيها ياسر بهجت وابراهيم عبّاس مؤلف رواية الخيال العلمي "حوجن"، أول إًصدارات الرابطة عام 2013.

اعلان


لقاء العرب بتيليماك أو ترجمة الخيال العلمي

كانت القصة الخيالية لفنيلون، أسقف كومبريه Cambrai عن رحلة تيليماك Les Aventures De Telemaque، التي كتبت عام 1699، من بين  الروايات الأولى التي تمت ترجمتها إلى العربية، على يد رفاعة الطهطاوي تحت عنوان "مواقع الأفلاك في وقائع تيليماك"، في منتصف القرن التاسع عشر.

بعد ذلك بدأت محاولات كتابة عربية لأدب الخيال العلمي، وكان لمصر دور الريادة فيها منذ الأربعينيات من القرن الماضي بجهود كتّابٍ مثل يوسف عز الدين، الذي كتب للراديو قصص الخيال العلمي، اشتهرت منها قصة "دنيا الحمير"، إضافة إلى مقالاته في جريدة الأهرام ضمن باب ثابت، حمل عنوان "مع الفكر والخيال". ونهاد شريف الذي يعتبر من أوائل المصنّفين عربياً ككتّاب مختصين بأدب الخيال العلمي، عدا كتّاب عُرفوا بكتاباتهم في مجالاتٍ أخرى، لكنّهم جربوا كتابة الخيال العلمي، مثل توفيق الحكيم وصبري موسى ومصطفى محمود.

برغم وجود تجارب كهذه وغيرها، فإن حضور هذا الأدب ظل متواضعاً في المشهد العربي، وساهم في ذلك تصنيفه حتى وقتٍ قصير على أنّه أدب شعبي أو تجاري، ما جعل الكتاب وهواة الكتابة غير متحمسين لتجربته. هذه التصنيفات ذات صلة متينة بثنائية "الجد والهزل"، التي كانت ترسم حدوداً قاطعة بين ما هو "جادّ" ورصين ومنتصر للقضايا في الفنون والآداب، وبين ما هو "هزلي" وترفيهي. ما يعني وفق هذا التصنيف أنّه عديم القيمة وفارغ من المعنى. كان على الكتابات الهزلية أو الخيالية حتى، أن تأخذ ختم القبول من "حراس الرصانة"، بأن يقال عنها إنها "سخرية سوداء، تحول الألم إلى ابتسامة" أو ما شابه، أو أن تتضمن في النهاية رسالةً أخلاقية ما كأضعف الإيمان.

أقوال جاهزة

شارك غردمن تروتسكي إلى نقاد الأدب الجديد، ما سر العداء لأدب الخيال العلمي؟

شارك غردقصة هروب الخيال العلمي من الأدب إلى التلفزيون والسينما

واقع الجهل وخيال العلم

سببٌ آخر يورده البعض لتفسير قلة الإنتاج العربي في هذا المجال، هو عدم وجود تطور تقني قادر على خلق مساحة رديفة للتفاعل معه أدبياً. لكن في الواقع، قلة من كتّاب الخيال العلمي أتوا من خلفيات علمية أكاديمية، كما أن ضعف الإنتاج التقني في البلدان العربية قد يكون، وعلى العكس، محفّزاً إضافياً للتخيل. الشهية المفتوحة للانضمام إلى عالم الاكتشافات العلمية والمنتجات التقنية الحديثة، تظهر أكثر في شوق الأنظمة العربية لتصدير نفسها على أنها راعية للعلوم، وما يتضمنه ذلك من اختراعاتٍ واكتشافات مقلقة، يقوم بها مواطنوها، مثل ترويج قصة اكتشاف علاج السرطان بشكل مفاجئ على يد مهندس سوري أخيراً، كما قصة أصابع الكفتة في مصر. من المؤسف أن هذه الأحلام  والأمنيات لم توّظف في رافد أدب الخيال العلمي العربي.

الظرف السياسي قد يكون سبباً هاماً لعرقلة انتشار كتابات هذا النوع من الأدب أيضاً. مثلاً لم يسجّل الخيال العلمي حضوراً مقبولاً في سوريا منذ عدة عقود. ولم يتمكن هذا الأدب من إيجاد فسحة له في التقاطعات الكثيرة التي جمعت سوريا مع دول المعسكر الشرقي، الذي كان مزدهراً. في ذلك الوقت كانت رحلات المكوك الروسي سبوتنيك تجوب الفضاء ملهمة الكتّاب والفنّانين، على امتداد مساحة الاتحاد السوفياتي.

وعدّت الحقبة السوفياتية عصراً ذهبياً لمؤلفات الخيال العلمي، فكان كتّابها يحظون بشعبية واسعة وتشجيع حكومي. من الكتاب الذين عرفوا في تلك الفترة أليكسي تولستوي Aleksey Tolstoy، الشيوعي الصلب صاحب روايتي آيليتا Aelita وأشعة جارين القاتلة The Garin Death Ray. وكان يحلو لتروتسكي أن يضرب به المثل للكلام على ما لا ينبغي لأدباء الثورات أن يكتبوه، وإيفان يفريموف Ivan Yefremov صاحب رواية أندروميدا Andromeda.

كان عقد الخمسينيات على وجه التحديد، هو الفترة التي انتعشت فيها كتابات مؤلفات الخيال العلمي أكثر في روسيا، لأنّ ضرورة الاحتفاء الأدبي ببرنامج الفضاء السوفياتي خففت القيود والرقابة الصارمة على المؤلفات الأدبية، منذ منتصف الثلاثينيات، حتى أول الخمسينيات من القرن العشرين، ما جعل الظرف مناسباً لانتشار روايات وقصص الخيال العلمي، منكّهة طبعاً بلمسة من الواقعية الاشتراكية، من خلال حقن بعض التوجيهات الأخلاقية والمُثل العليا لمجتمع الاشتراكية وتصوير اليوتوبيا البشرية المنشودة في هذه القصص الخيالية.

تأثير هذه الموجة على المزاج الأدبي في دول صديقة للاتحاد مثل سوريا لم يتعد ترجمة كتب دور نشر مير وأورورا الروسية، التي حضرت فيها كتب الفيزياء المسلية والخيال العلمي.

خيال علمي اشتراكي

أمّا الاستلهام الأدبي فقد وجد ضالّته أكثر في كلّ من الواقعية الاشتراكية والرومانسية الثورية، فبرزت الكتابات التي تشيد بالتطور الصناعي، الذي يتمتع بثماره العمال والفلاحون، وتشيطن القيم الرأسمالية محتفية بالفقر والمعاناة والحزن، كقيم نبيلة وتعتبر الرفاهية ورغد العيش مقترنةً

بالجشع والشر، والأثرياء المتمعون بهذه الميزات هم أعداء للمجتمع العامل والمنتج. من الطريف أنّ ملامح هذا الأدب علقت حتى في أعمالٍ أدبية خرجت في ما بعد لتعارض النظام نفسه، الذي ساهم في فرضه وانتشاره سابقاً.

لم يمنع ذلك من وجود محاولات قليلة لكتابة الخيال العلمي مثل مؤلفات طالب عمران، الذي نال شهادة الدكتوراة في الهندسة التفاضلية والفلك، وكتب أكثر من 40 كتاباً، بين الروايات والمجموعات القصصية القصيرة في مجال الخيال العلمي، إضافة إلى أعمال تلفزيونية بثت على شاشة القناة التلفزيونية الرسمية، مثل برنامج "آفاق علمية" وبرنامج قصص من الخيال العلمي.

كانت المحاولات الخيالية تجد مكانها بسهولة أكبر في السينما أو التلفزيون، خصوصاً في فترة الإنتاج المشترك، على اعتبار أنّها ملائمة أكثر كوسائط شعبية. اعتبار الكتابة الخيالية ممارسةً منفصمة عن ظرف المجتمع واحتياجاته في الفترات الصعبة، افتراض مجحف إلى حدٍ بعيد، ليس فقط لأنّ رسالة أو معنى العمل ليس المقياس الوحيد للحكم على مدى ارتباطه بواقعه، من دون النظر إلى لغته وما يحمله في ذاته من إعادة إنتاج للواقع وللعلاقات التي تحكمه، ولكن أيضاً لأنّ توظيف الخيال في الإبداع لم يكن منفصلاً عن أي حقبة مظلمة من تاريخ الأمم، ومن أدلة ذلك ترافق صعود نجم أقاصيص الأبطال الخارقين، مع فترة الكساد الكبير التي بدأت في الولايات المتحدة، ومع الإحباط العالمي إزاء صعود التيارات القومية المستبدة في أوروبا.

كلمات مفتاحية
الـ22 ثقافة

التعليقات

المقال التالي