من الأدوات المنزلية إلى "الأوركسترا": أبرز التجارب الموسيقية في السودان (الجزء الثاني)

من الأدوات المنزلية إلى "الأوركسترا": أبرز التجارب الموسيقية في السودان (الجزء الثاني)

لقرون طويلة خلت، كان الغناء والموسيقى في السودان حكراً على النساء، ومحصورين بأدوات بسيطة غالباً ما تكون من المطبخ، يتم تحويلها إلى أدوات موسيقية لمرافقة الغناء. لكن منذ الحرب العالمية الثانية، ظهر جيل جديد من المطربين والموسيقيين، سعوا إلى تطوير الموسيقى السودانية وتغيير شكلها، والانفتاح أكثر على الثقافات الموسيقية العالمية. 

في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثنا عن جذور الموسيقى السودانية والتعديلات والقفزات التي أحدثها جيل الرواد، وفي طليعتهم عميد الفن السوداني محمد أحمد سرور.

اعلان


جيل الوسط

هو الجيل الذي مثل آخر تطور فني للموسيقى السودانية، التي كانت تؤثر على الموسيقى الإفريقية والعربية، خصوصاً في الفلكلور الجنوبي المصري، في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته.  

أبرز ممثلي جيل الوسط: محمد وردي، النور الجيلاني، سيد خليفة، نادر خضر، شرحبيل أحمد...  فـ"وردي" الملقب بفنان أفريقيا الأول، أطلقه الغناء باللهجتين النوبية والعربية، فضلاً عن السودانية. وتقترب موسيقاه من الإيقاعات السائدة في أفريقيا ومصر والدول العربية. لذلك حقق شعبية كبيرة، ولحن لعدد من المطربين خارج السودان، ومن أشهر أغانيه "وسط الدايرة"، التي أعاد غناءها المطرب المصري محمد منير. وسيد خليفة، الشهير بأغنية "المامبو السوداني"، التي كتبت بداية تأثر الأغنية السودانية بالإيقاعات اللاتينية، وبداية الأغنية العصرية الخفيفة والسريعة، له أعمال عدة شهيرة مثل "ازيكم كيفنكم"، و"اودع كيف"، وأعاد منير وعدد من المطربين العرب تقديمها أيضاً.

أقوال جاهزة

شارك غردأيقونات الموسيقى السودانية المعاصرة من "حوتة" إلى شرحبيل

شارك غردأغانٍ سودانية لم تشتهر إلا بعدما أدّاها مطربون مصريون وعرب

أما شرحبيل أحمد، فهو موزع وملحن ومطرب، جاء تميزه من خلال ثقافته المتأثرة بالموسيقى الغربية و"الجاز"، فغنى بالفرنسية والسودانية والعربية، واعتمد في معظم أعماله على "الجاز" و"البلوز"، واستغنى عن غالبية الآلات التقليدية، مقابل الاعتماد على آلات النفخ المختلفة، من أشهر أغانيه "الليل الهادي"، التي أعاد المطرب المصري محمد فؤاد غناءها أيضاً، وكان النزاع القضائي بينهما، سبباً في شهرتها عربياً. بالإضافة إلى النور الجيلاني، الذي غير مفهوم الموضوعات الغنائية، مهتماً بالجانبين الإنساني والعاطفي في الأغنية، وتناوله حقوق الحيوان والاغتراب وسواها، ومن أشهر أعماله أغنية عن صيد الأفيال "خواطر فيل"، وأغنية "جوبا".

محمود عبد العزيز "الحوت"

حمل لقبي "الأسطورة" و"الحوت"، وكان الأكثر شعبية بين الفئات الشبابية، ويعدّ بداية ونهاية "البوب" السوداني، الذي انتهى بوفاته عن عمر يناهز 45 عاماً، في 2013. ومعروف أنه أعطى الموسيقى السودانية شكلاً تجارياً وعصرياً من خلال الحفلات، وإنتاجه الغزير للألبومات، وإحياء سوق الكاسيت السودانية. يذكر أن حفلاته كانت أكبر ملتقى جماهيري في السودان. وكان أول مطرب يسير على خطى مشاهير البوب في العالم، بتحوله إلى رمز شعبي، ونجم مفضل للشباب، وتعتبر جنازته أيضاً أكبر تجمع حاشد في السودان حتى الآن.

تمرد عبد العزيز على القالب المعروف للأغنية السودانية، متأثراً بسوق الأغنية الحديثة، القصيرة والعاطفية، ومن أشهر أغنياته "الذكرى المنسية"، "ليالي الأنس"، "عدت سنة"، "ما تشيلي هم"، "خوف الوجع". وأنتج نحو 25 ألبوماً في مسيرته القصيرة التي بدأها في مطلع التسعينيات، وكان آخر ألبوم له بعنوان " يا زول يا طيب" عام 2008.

تجارب حديثة

بعد رحيل عبدالعزيز، لم تعترف الساحة السودانية إلى الآن بمشاريع موسيقية حقيقية وذات شعبية، وتدور معظم التجارب الحالية في إطار الفلكلور وإعادته وتجديده، وتقديم أعمال خاصة أيضاً تناسب الجمهور الخارجي والمحلي، وهو التيار الذي تمثله المطربة الشابة السارة"، التي تحمل مشروعاً مستقلاً لتقديم بضعة أعمال متنوعة بين المستوحى من الفلكلور والشعبي، وأغانيها الجديدة، والأخرى المستوحاة من ثقافة شرق أفريقيا، بجانب "آسيا مدني"، التي بدأت أخيراً تسلك الطريق نفسه.

من جهة أخرى، لا تتعدى غالبية التجارب الأخرى حدود الحفلات والسهرات التلفزيونية، والمناسبات والأفراح في السودان وجنوب مصر، ومعظمها إعادة للأعمال القديمة، مثل المطربة "ندى القلعة"، وهي من الأكثر نشاطاً وشعبية حالياً، وتعتمد كلياً على الحفلات والأفراح. بالإضافة إلى بعض النماذج المشابهة مثل المطرب معتز الصباحي وأحمد الصادق وغيرهما.

التعليقات

المقال التالي