من الأدوات المنزلية إلى "الأوركسترا": أبرز التجارب الموسيقية في السودان (الجزء الأول)

من الأدوات المنزلية إلى "الأوركسترا": أبرز التجارب الموسيقية في السودان (الجزء الأول)

لاعتبارات اجتماعية ظل الغناء في السودان مقتصراً على النساء، وترفيهياً تقوم به المرأة فقط، لكن التغيير بدأ قبل مئة عام، حين اقتحمت تجارب لذكور سودانيين المجال الموسيقي. على الرغم من ثراء التجربة الموسيقية السودانية، فإن هذه الموسيقى لا تزال عاجزة عن الخروج من السودان، لغياب الوسائط الإعلامية والفنية، والإمكانات المادية والفنية اللازمة من أجل تطوير الموسيقى وتحديثها، ونشرها خارج حدود السودان.

الجيل الأول

كان للحرب العالمية الثانية دور محوري في تطور الموسيقى السودانية، بتحول دور الأغنية من وسيلة للترفيه في الأفراح والمناسبات الاجتماعية إلى الدور السياسي. وأخذت الطابع الرسمي، بخروج أغان عدة لدعم الجنود السودانيين وبريطانيا في الحرب، وهذا ما استدعى تسجيلها وحفظها وإذاعتها، ليأتي بعدها إنشاء إذاعة السودان في الأربعينيات من القرن الماضي، تكملةً لبدء رسم ملامح الأغنية السودانية.

اعلان


الملاحظ في الموسيقى السودانية ارتباطها بالمناسبات أكثر منها بالشخصيات، فهي تتطور من أجل مناسبة أو حدث، مثل الزواج، الهجرة، الحرب، الفيضان والفقر...، لذا فإن تغير الموضوعات الغنائية، وإدخال آلات موسيقية جديدة مثل "الرق" و"العود" و"الأكورديون" وغيرها، مع الآلة الرسمية "الطنبورة"، كانا لدوافع تتعلق أيضاً بمناسبة الغناء، أو لخدمة الخلفية الاجتماعية للأغنية.

محمد أحمد سرور

هو عميد الفن السوداني، كما يطلق عليه الجيل الحديث من الموسيقيين. ولد عام 1898، وبدأ الغناء منذ طفولته، حتى احترفه رسمياً في سن الـ16. إنه واضع القالب الحالي للأغنية السودانية، وصاحب معظم البدايات في هذه الأغنية. وهو أول مطرب رسمي وتجاري في البلاد، وأول مطرب في الإذاعة، وأول منتج موسيقي، وربما أول مطرب يكسر احتكار النساء للأغنية، إضافة إلى أنه أول من أدخل "الكورال" إلى الأغنية السودانية. كذلك أدخل عدداً من الآلات الجديدة كالرق بدلاً من الأدوات المنزلية، مع بعض الآلات الوترية، ويشهد له أيضاً كونه هو من نقل إلى الساحة السودانية فكرة إقامة الحفلات من دون ارتباطها بحفلات الزفاف.

رويت عن سرور حكايات وقصص غريبة تدل على جدية مشروعه الموسيقي، مثل سفره المتكرر إلى القاهرة وإثيوبيا لإنتاج أعماله وتسجيلها وبيعها هناك. ويقال إنه كان يتجول بأسطواناته لبيعها في إفريقيا، وكان يستخدم سلاحاً شخصياً لتنظيم حفلاته، ولضمان انضباطها وانضباط أعضاء الكورال، وتأمين رحلاته، ولتعزيز فكرة غناء الرجال أمام الجموع.

تلاميذ سرور 

سرور ومن جاءوا بعده من مطربي الإذاعة، ولا سيما منهم القادمون من مدينة أم درمان، اعتمدوا الخط الرسمي الذي تسير عليه الموسيقى السودانية إلى الآن، بدءاً من الإيقاع والسلم الخماسي إلى طريقة الأداء، ووجود "الكورس"، و"التخت الشرقي" وآلاته، كبديل للآلات البدائية، وإدخال بعض الآلات الأخرى تدريجياً، مثل الساكسفون والأكورديون، التي استمرت حتى بعد سيطرة  "الأورغ"، الذي أصبح الأكثر استخداماً في الأغنية السودانية الحديثة.

علماً أن أحمد المصطفى، المولود عام 1922، كان أكثر المستفيدين من محاولات سرور للارتقاء بالأغنية السودانية. ويرى البعض أنه الأكثر استحقاقاً للقب "عميد الفن"، لما له من إنجازات تستحق المقارنة بإنجازات سرور، مثل ميوله للتجديد، واعتماده الأكورديون آلة أساسية في الموسيقى، واتجاهه إلى الخارج، والغناء لأول مرة في حفلات في أوروبا ومصر وبعض الدول الإفريقية. ومن دلالات توسعه خارجياً، غناؤه لعدد من الشعراء المصريين والعرب أمثال أحمد رامي، وتتويج ذلك بأغنية مع الراحلة صباح "رحماك يا ملاك".

عائشة الفلاتية

ولدت عام 1922، وهي من النماذج النسوية القليلة التي استطاعت الاحتراف بعيداً عن الغناء في المجالس. وعلى الرغم من أن نشاطها كان موجهاً في الأساس للترفيه عن الجنود ودعمهم، ومواساة أهالي الضحايا، والمصابين، فإن معظم أعمالها سُجلت في الإذاعتين السودانية والمصرية، وهذا ما كتب لها الخروج إلى النور. ومن أشهر أغانيها، وقت الحرب العالمية الثانية أيضاً: "يجوا عايدين"، "ألحان الربيع"، "يا حنوني"، "لو بعيد عني"، "بلال تزورني مرة". وهي كانت الأكثر غزارة في الإنتاج حينذاك، وقد أعجب عدد من الموسيقيين الكبار بصوتها، أمثال رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب، وفشلت محاولاتهما للتلحين لها، بسبب عدم تأقلمها مع ألحانهما، ومع اللهجة المصرية.

تجارب على خطى سرور

شهدت فترة الحرب العالمية الثانية منافسة قوية بين عدد من الموسيقيين، خصوصاً من تلاميذ سرور، مثل المطرب فضل المولى، وإبراهيم عوض، الذي كانت ميوله الموسيقية تميل إلى الساحة المصرية وتقليد محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، في عدد من أغانيهما، بالإضافة إلى مشاركته في فيلم "اسماعيل يس طرزان" بأغنية "أظهر وبان عليك الامان"، وهو كان أول من غنى في التلفزيون السوداني. والمطرب إبراهيم الكاشف، الذي كان اهتمامه الأول بتكوين "اوركسترا" وفرق موسيقية من الجنسين، لكسر جمود الأغنية السودانية. وكذلك عدد من التجارب التي سارت على النسق نفسه مثل عبد العزيز محمد داوود، ومصطفى سيد أحمد، وحسن عطية، ومحمد الأمين وعبدالكريم الكابلي، وهم من الجيل الذي أنشأ أول رابطة للمطربين السودانيين، أو ما سيعرف بعد ذلك بـ"نقابة الموسيقيين".

التعليقات

المقال التالي