حمّى الفنون الجميلة أم دبلوماسية ثقافية؟

حمّى الفنون الجميلة أم دبلوماسية ثقافية؟

بعد افتتاح معرض بيروت للفن الشهر الماضي في نسخته السادسة، تبدأ في البحرين الأسبوع المقبل فعّاليات فن البحرين Art Bahrain في نسختها الأولى، تحت رعاية الشيخة سبيكة بنت ابراهيم الخليفة، زوجة ملك البحرين، لقاءان يبوخان بالمقارنة مع حدثين قريبين أكثر أهمية وهما مزاد كريستيز Christie’s في دبي في 20 أكتوبر (في سنته التاسعة) ومعرض أبو ظبي للفن في 18 نوفمبر (في نسخته التاسعة)، يليهما في الفصل الأول من 2016 بينالي مراكش السادس، ثم معرض دبي للفن في نسخته العاشرة، بالإضافة إلى العديد من الأسابيع الفنية الصغيرة مثل أسابيع جدّة والدوحة، وأكثرها ذو طابع تجاري.

أما على الصعيد الثقافي، فتبقى بينالي الشارقة (مؤسسة الشارقة للفنون) الرائدة في الفكر الفني الرفيع الذي يتعدّى اللوحات الزيتية والمنحوتات المملة، وقد بدأ هذا المشروع الثقافي عام 1993 عن قناعة وتقدير لعالم الفن وما يتيحه للشعب من انفتاح وقدرة على التعبير الحرّ. تترأس هذا المشروع الثقافي الأهم اليوم، الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، واضعةً إياه دائماً في طليعة الانفتاح والإبداع في جميع أنواع الفنون، وليس فقط ما يُعلّق على الجدران.

تأتي هذه المعارض متزامنة مع فورة في بناء المتاحف والمجموعات الخاصة في كل أنحاء البلاد العربية، وذلك بريادة قطر. إذ تحتوي قطر على مجموعات فنية “عامة” ذات مستوى عالمي، لا سيما لدى مؤسسة “متاحف قطر” التي تترأسها الشيخة المياسة آل ثاني، بالإضافة إلى المجموعة “الخاصة” التي تركها الشيخ سعود بن محمد آل ثاني عند وفاته العام الماضي، والتي تتعدى قيمتها المليار ونصف المليار دولار، وتعتبر من أكبر المجموعات الخاصة.

أما الحدث الأكبر معمارياً، على الأقل في السنة الجديدة، فسيكون افتتاح مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي الذي سيقدم برنامجاً ثقافياً كاملاً يتضمن متاحف ومكتبة وأرشيفاً تاريخياً يعتبر أهم ما في الجزيرة العربية. وبعيداً عن دول الخليج التي تُشيد أجمل وأروع الأبنية، والتي ستعرض في العامين القادمين تراثاً وأعمالاً فنية أكثرها مستورد من أصقاع الارض كلّها، تشهد بيروت آخر هذا الشهر حدثاً فنياً كبيراً مع افتتاح مؤسسة أيشتي الخاصة التي يرعاها طوني وإلهام سلامة، في بناء صممه ديفيد ادجاي David ADjay، أحد عمالقة هندسة العمارة، لتعرض مجموعة هامة جدّا تعتمد على مهارة وحرفية الثنائي سلامة في انتقاء أعمال لفنانين يافعين بدل أن تعتمد على تمويل لا نهاية له يستطيع أن يشتري كل أنواع الفن المادي (كل ما سهل وضعه في صندوق آمن)، فيبقى الفن غير المادي (الموسيقى والرقص والموضة وغيرها) يطغى في تقييم إبداع مجتمعاتنا العربية الناشئة منها كما العريقة حضارياً.

متحف آيشتي متحف آيشتي

وفي مفاجأة أخرى ذات دلالة كبيرة، يفتتح في أيار 2016 متحف فلسطين “منبر حر يساهم في خلق خطاب جديد للتواصل والتعلم والأمل”، حسبما يعرّف موقع المتحف عن نفسه.

متحف فلسطين

متحف فلسطين

الإصرار على فورة الفنون الجميلة هذه في بلاد الشرق الأوسط والخليج، تموّلها عمليات شراء أفخر ما في سوق الفن العالمي المقدّر بـ54 مليار دولار للعام الفائت، لا يؤمّن منبراً حرّاً للتواصل إنما منبراً للتباهي بمقتنيات ثقافات أخرى. فصورة الدولة الحديثة تُلمّع عبر استضافتها فعّاليات فنية راقية بالمقياس الغربي للرُقي، وهذه الفعاليات تعطي صورة آمنة ومستقرّة عن الدولة المضيفة، مما يشجع الاستثمار، وتكون بمثابة حملة علاقات عامة قوية للدولة، فضلاً عن الفائدة الملحوظة التي تحملها للدورة الاقتصادية. دار كريستيز في سنواتها التسع في دبي كانت لها مبيعات تقارب الـ$235 مليوناً أي ما يعادل $26 مليوناً سنوياً، وهذا يعكس قيمة القطع الفنية العربية إذا ما قارناها بعمل سيزان Cezanne الذي دخل المجموعة القطرية بقيمة دفترية وصلت إلى $250 مليوناً على سبيل المثال، لكن كريستيز كانت في طليعة المساهمين في خلق سوق للفن العربي وشجعت الكثير من الفنانين العرب والإيرانيين، كما كان لها دور محوري في تطور السوق الثانوية للفن المصري والسوري واللبناني، كونها بلاداً انتجت إرثاً فنياً حديثاً منذ أيام الاستعمار والوصاية الاوروپية.

أقوال جاهزة

شارك غردحمّى الفنون الجميلة تطال العالم العربي، أم هي مجرد دبلوماسية ثقافية؟

شارك غردالفن العربي ما زال يصطدم بالحاكم ذي الصلاحيات المطلقة القادر على أن يفصل القائم على مؤسسة لعرضه صورة لا تعجبه

لوحة لاعبي الورق للرسام بول سيزان لوحة لاعبي الورق للرسام بول سيزان

التعميم والرعاية الرسمية للفن والثقافة في المجتمعات الإسلامية خطوة ليبرالية كبيرة، فهي قطعت أشواطاً كبيرة في العقد الماضي، لكن هذه البيئة الناشئة ما زالت تواجه مشكلة “الـحريات المجتزأة”، فالفن العربي ما زال يصطدم بالحاكم ذي الصلاحيات المطلقة القادر على أن يفصل القائم على مؤسسة لعرضه صورة لا تعجبه، او على سحب أعمال من المعرض قبيل زيارته كي لا ينزعج منها. الفنون الجميلة أينما كانت تعتمد على طبقة من الأثرياء لدعمها وتحفيز الإبداع، وبالرغم من أن حمّى الفنون الجميلة التي نعيشها اليوم تقوم على اقتناء أعمال لفنانين غير عرب، فالأمل كبير في أن تلهم هذه المجموعات كل من زارها وقدّر قيمتها الثقافية والخلاقة. فالفن يخلق حواراً وتقبّلاً يساهمان في التعايش السلمي، كما يحفز الإبداع الفكري والتجدد في المجتمع.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الـ22 فن

التعليقات

المقال التالي