أحلام متكسرة و"تابوهات" مخترقة: أبرز خمسة مخرجين في السينما الجزائرية

أحلام متكسرة و"تابوهات" مخترقة: أبرز خمسة مخرجين في السينما الجزائرية

حين نتحدث عن مواليد سبعينيات القرن الماضي، نتحدث عن جيل التحولات الكبرى. ذلك الجيل الذي قاد في شبابه تظاهرات الخامس من أكتوبر، التي مرت ذكراها صاخبة خلال هذا الأسبوع على وقع صراعات في هرم السلطة بين المؤسستين السياسية والعسكرية. جيل شهد سقوطاً مدوياً لحلم جزائر العدالة والديمقراطية في فخ العنف، وجنح إلى الإبداع بمختلف أشكاله لإعادة تعريف خيباته أو تدوينها أو مساءلتها.

السينما كواحدة من أقوى أدوات التقييم والتقويم، أفرزت مخرجين موهوبين قدموا أعمالاً مهمة، وساهموا في فرض حضور لافت للسينما الجزائرية إقليمياً ودولياً. مخرجون أثبتوا قدرتهم وشجاعتهم الاستثنائية على طرق "التابوهات" السياسية والدينية والمجتمعية، في بيئة توصف بالـ"محافظة".

سيكون من الصعب حصر قائمة الفاعلين الجديين في المجال في 5 أسماء، لهذا بنينا القائمة على معطيات هي الأغزر إنتاجاً وتتويجاً، والجمع بين أكثر من أداة سينمائية (تمثيل، كتابة، إخراج). وهذا لا ينفي أسماء أخرى حققت حضوراً لافتاً مثل "أمين سيدي بومدين" و"مؤنس خمار" و"يحي مزاحم" وآخرين.

إلياس سالم (1973) الفذ المثير للجدل

بنى مجده السينمائي على أسس وثيقة، فهو يجمع ببراعة فذة بين التمثيل والإخراج وكتابة السيناريو، والمقدرة على استفزاز أفضل أداء لممثليه. بعد مشوار ناجح نسبياً في إخراج الأفلام القصيرة بدأه عام 1999، لمع نجمه مع فيلمه الطويل الأول "مسخرة" عام 2008. الفيلم الأيقوني للعشرية الأولى من الألفية الثالثة، الذي تمكن من حصد عدد كبير من الجوائز العربية والدولية. صورة الأداء السينمائي المثالي ترسخت أكثر مع فيلمه الثاني "الوهراني" عام 2014، واحد من أكثر الأفلام إثارة للجدل في تاريخ السينما الجزائرية، بروايته المختلفة لتداعيات الثقل الاستعماري على جزائر ما بعد الاستقلال، ومسارات نماذج مختلفة من المشاركين في ثورة التحرير. فجر الفيلم جدلاً مجتمعياً غير مسبوق منذ عرضه الافتتاحي، ووضع سالم وجهاً لوجه مع تيار محافظ اتهمه بالإساءة للمجاهدين. هجوم هدأ مؤقتاً قبل أن تتقد نيرانه مجدداً نتيجة استعراضه لفرحة غير مبررة بقبول فيلمه في مهرجان "أشدود" الإسرائيلي، قبل أن يضطر إلى التراجع وإلغاء المشاركة مع موجة غضب عارمة يبدو أن تداعياتها ستلاحقه مستقبلاً.


عبد النور زحزاح (1973) الكاريرزماتيكي الرصين

خلال 5 سنوات من الإشراف على السينماتيك (متحف السينما) في مدينة البليدة منذ عام 1998، ساهم زحزاح في إعادة بعض البريق المهدور إلى المشهد السينمائي في مدينة، كانت تعدّ واحداً من معاقل التطرف. لم يكتف بإخراج عدد من الأفلام الوثائقية عن المنطقة منها "مكتبة البليدة" (2004)، الذي أنجزه لحساب قناة Arte الفرنسية، بل قدم عدداً من الورشات التكوينية منذ عام 2005. لا يبدو زحزاح مستعجلاً في خوض غمار صناعة الفيلم الخيالي، فقد قضى وقتاً طويلاً في كتابة سيناريو فيلمه القصير "جراجوز" (2010). الفيلم الذي أحدث ضجة كبيرة بعد نيله جوائز في عدد من المهرجانات الدولية المهمة، بوصفته المضبوطة على إيقاع تضمين قضايا معقدة، شملت التطرف الديني والرشوة في الأوساط الأمنية، وغياب التنمية في الأوساط الريفية، من دون التورط في إقحامها وابتذالها ومن دون السقوط في فخ المباشرة، ليعود مجدداً إلى إخراج الفيلم الوثائقي، مفضلاً التريث قبل إنتاج أول أعماله الروائية الطويلة.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف انتقلت لغة الحوار في الشارع الجزائري للسينما؟

شارك غرد5 من أبرز مخرجي السينما الجزائرية اليوم

أنيس جعاد (1974) بطل سينما الهامش

يتناول جعاد من خلال أعماله السينمائية قضايا المهمشين. الشاب الحالم بحياة كريمة، والمسن الباحث عن رحيل مريح وغيرهما. كتابته للسيناريو، التي أهلته لنيل جوائز عدة، تضع المتلقي في مواجهة صريحة ومباشرة مع القاموس اللغوي الذي يسمعه أو يستخدمه في حديثه اليومي، وهذا ما أعاد فتح النقاش حول ضرورة مطابقة اللغة الحوارية المستخدمة في السينما للغة الشارع. لا عجب في رفض جعاد زخرفة الواقع، فهو ابن حي باب الوادي الشعبي العريق، نبت في تناقضاته المتصاعدة كبؤرة تجمع كل أطياف المجتمع الإيديولوجية.

عايش جعاد انكسارات شباب حيّه بعين سينمائية، وبدوره عاش انكسارات عديدة، من بين أكثرها صعوبة اضطراره لتعليق مسيرته السينمائية عام 1997 مع حل المؤسسة الوطنية للإنتاج السينمائي، بعد مرور أقل من عام على تجربته الأولى كمساعد مخرج متربص في فيلم "فرنسا يا فرنسا" للمخرج جمال بلواد.

تحول جعاد إلى العمل الصحافي والكتابة الأدبية، وانتظر 15 عاماً ليخرج أول أفلامه القصيرة "النافذة" عام 2012، ليتبعه بفيلم "تقاطع طرق" عام 2014. فيلمان تلقاهما النقاد بترحاب كبير، ونال جعاد عنهما جوائز عديدة في مهرجانات دولية.

كريم موساوي (1975) السينمائي متعدد الأوجه

كريم موساوي (1975) السينمائي المتعدد الأوجه. يعتبر كريم موساوي أحد أكثر السينمائيين الشباب موهبة وتميزاً. كتب وأخرج فيلمين قصيرين عامي 2003 و2006، ليشرف عام 2011 على مركز البرمجة السينمائية في المركز الثقافي الفرنسي في العاصمة. شارك في أول ورشة كتابة في ورزازات المغرب لميدي- تالنت، الموجهة إلى مواهب حوض المتوسط، واشتغل على تطوير سيناريو لفيلم طويل عنوانه "في انتظار السنونو". وعلى هامش هذه المشاركة كتب سيناريو فيلمه القصير "قبل الأيام" (2013)، الذي حقق نجاحاً مدوياً بحصده نحو 15 جائزة في مهرجانات مرموقة، لتطرقه الجريء والمتوازن إلى أزمة العشرية السوداء في الجزائر. فيلم ضاعف من ترقب فيلمه الروائي الطويل الأول خصوصاً أنه يتطرق إلى مستقبل بعض شخصيات فيلم "قبل الأيام".

ينيس كوسيم (1977) الصوت المختلف

يخفي ينيس كوسيم خلف أدائه الذكوري القوي كممثل، اهتماماً بالغاً بقضايا المرأة، من خلال تكرار تصوير معاناتها المجتمعية في أفلامه كتيمة رئيسية، إذ يرصد من خلال أعماله مسببات العنف، كرد فعل يائس على قيود مجتمعية وضغوط أسرية بالجملة. شكل فيلمه القصير الأول "ختي" (2007) جواز مرور إلى شاشات العرض في مهرجانات سينمائية مهمة، حصل فيها على جوائز عدة، برصده للعلاقات المتشابكة بين طبيبة نفسية ومريضاتها، حين تسقط الجدران المفترضة بين الطرفين، ويصبح التقرب من مشاكلهن جزءاً من العلاج.

ليعود كوسيم ويؤكد انتصاره لقضايا حرية المرأة من خلال فيلم "خويا" (2010)، الذي تناول قضية العنف ضد المرأة، وقد تحول بالتراكم إلى عنف مضاد. بقدر ما يحاول كوسيم التجرد من الذاتية في تعاطيه مع أعماله الفنية، بقدر ما يفسح المجال للآراء المختلفة لترسم اللوحة الكاملة للمشهد، وهذا ما قدمه في فيلم "صيف في الجزائر" (2012)، الذي صور حياة الليل في العاصمة بكل تناقضاتها، وبتيمات شائكة تشمل التدين، والتحرر، والوضع الاجتماعي للشباب، وأدبيات مشاركة الفضاء العمومي.

التعليقات

المقال التالي