لغة عربية، أم لغتان، أم لغات؟

لغة عربية، أم لغتان، أم لغات؟

هل نادوا عليك يوماً سيبويه؟ هو من أشهر علماء اللغة العربية. هل عاندك البعض في قواعد لغوية أنت واثق منها؟ سيبويه حصل معه ذلك أيضاً، بل يمكن القول إنه دفع حياته ثمناً لأحد هذه الخلافات، إذ مات غماً في فارس بعد تفضيل رأي الكسائي شيخ نحاة الكوفة على رأيه، وما لذلك من خلفيات تتعلق بالمنافسة الحادة التي كانت تدور بين المدينتين نحوياً في ذلك الزمن.

لم ينتهِ هذا الخلاف بين الناطقين باللغة العربية إلى اليوم، وإن اختلفت أطرافه وتفاصيله وأشكاله، بل وحتى طرق الحسم فيه. تظهر هذه الخلافات جلية لمن يكثر من القراءة، ليقع عاجلاً أم آجلاً في الالتباس بسبب بعض الكلمات الجديدة عليه، أو الطرق الجديدة لكتابة بعضها. قد يكون هذا الخلاف اليوم - رغم عدم تسببه بموت علماء اللغة كسيبويه - أعمق من أي وقت مضى.

أقوال جاهزة

شارك غردلم ينتهِ الخلاف بين الناطقين باللغة العربية إلى اليوم...

بدءاً بالهمزة، انتهاءً بالسنة

الاختلاف في كيفية تطبيق بعض قواعد اللغة، أو الاختلاف على نص قاعدة واحدة، واسعٌ ولكن ينحصر في التفاصيل الدقيقة، وقلما يكون نحوياً بقدر ما يكون إملائياً أو اختلافاً في معاني الكلمات، في تذكيرها أو تأنيثها، وقلما يكون مصدر الخلاف جغرافياً أو متعلقاً بالدولة المنتمي إليها المتكلم، بقدر ما يكون له علاقة بالأخطاء اللغوية السائدة، كقول "غض النظر" بدلاً من "صرف النظر" أو "غض البصر"، أو ككتابة كلمة موسيقا بالألف المقصورة، وما إلى ذلك من الأمور الغامضة التي تلجأ غالباً المجامع اللغوية إلى إجازة الوجهين فيها، وغالباً ما تعود هذه الإجازة إلى صعوبة تعوّد المتكلمين بالعربية على الصحيح غير السائد.

من أشهر الاختلافات تلك السائدة بين ما بات يعرف بالمدرستين الشامية والمصرية، والتي تظهر في موقعين أساسيين: كتابة الهمزة، ورسم الياء في نهاية الكلمات. ففي حين تكتب الياء بشكلها المعتاد وفقاً للمدرسة الشامية، وبالتالي معظم الدول العربية، فإنها تكتب في نهاية الكلام وفقاً للمدرسة المصرية بدون نقطتين في نهايتها، إضافة إلى كتابة الهمزة المتوسطة على واو قبل واو ساكنة، مثل كلمة "مسؤولين" التي تكتب في المدرسة المصرية بهذا الشكل "مسئولين"، وبعض الاختلافات في استخدام جموع المؤنث والمذكر السالم بدلاً من جمع التكسير، كجمع بائس "بائسون" أو "بؤساء". كما هناك الاختلافات في كيفية كتابة الكثير من الكلمات المنتهية بالألف، ككلمة موسيقا، والتي أجازت معظم مجامع اللغة كتابتها بالشكلين "موسيقا" و"موسيقى".

إضافة إلى هذا التباين، فإن تبايناً أكثر أثراً على الحياة اليومية يفرض نفسه، وهو الاختلاف في تسمية الأشهر الميلادية، ففي حين يتفق جميع العرب على تسمية الأشهر الهجرية لما لها من أهمية دينية، فإنهم يختلفون في تسمية أشهر السنة الغريغورية، المعروفة عربياً بالميلادية نسبة لكون ميلاد السيد المسيح منطلق حسابها. ففي حين تعتمد بلاد الشام (سوريا، لبنان، الأردن وفلسطين) والعراق ما يعرف بالأسماء العربية للأشهر، والتي تعود في أصولها إلى اللغة السريانية، فإن معظم الدول الأخرى تستخدم ما يعرف بالأسماء اللاتينية للأشهر. إضافة لذلك، شهدت ليبيا لفترة من الزمن أسماءً مغايرة للأشهر، وحتى بداية مختلفة لحساب التقويم، كما تأثرت دول المغرب بالاحتلال الفرنسي، لتعتمد كل من الجزائر وتونس الأسماء الفرنسية للأشهر مكتوبة باللغة العربية، إضافة لاختلافات أخرى تتعلق بتسمية بعض الأشهر من دولة إلى أخرى.

إبحث عن السياسة

بالعودة إلى قصة سيبويه، فإن التنافس كان سائداً في زمنه بين نحاة البصرة وعلى رأسهم الخليل بن أحمد ونحاة الكوفة وعلى رأسهم أبو الحسن الكسائي، هذا التنافس ربما مفقودٌ اليوم بالمعنى الذي كان يحمله حينها، ولكن أثره من تعدد مصادر اللغة وتصويب أخطائها ما زال موجوداً.

بعد أن كان العمل يجري على تدوين قواعد اللغة في كل من مصر والشام، أدى عدم التنسيق بينهما إلى الاختلاف لاحقاً على الكثير من المسائل، دون أن يكون أحدهما على صواب والآخر مخطئاً بالضرورة. مثلاً، مسألة حرف الياء مآلها إلى رأيين: الأول الأخذ بما نحاه أوائل نحاة العرب ومنها عدم إضافة نقطتين للياء في آخر الكلام والاكتفاء بترك تمييزها لفطرة القارئ، أما الثاني فالقائل بأن أولئك كانوا يتكلمون العربية فطرة ونحن نتكلمها تكلفاً، وتطالب بتنقيط الياء لصعوبة تمييزها في كثير من الحالات، وتسببها بالتباس المعنى في حالات أخرى.

اليوم انتقلنا من مرحلة البصرة والكوفة أو مصر والشام، إلى مرحلة يوجد فيها أكثر من 12 مجمعاً لغوياً في الدول العربية فقط، آخرها المجمع اللغوي في حيفا (2007)، وكل منها يعمل بمعزل عن الآخر، ما يؤدي إلى حلول مختلفة للمشاكل اللغوية، وظهور عدة تعريبات للكلمات الأجنبية الواحدة، إضافة إلى رواج الكثير من الألفاظ والطرق الخاطئة أو على الأقل المختلف عليها، لتفرض اعتمادها.

إضافة إلى ذلك، تلعب العوامل السياسية دوراً في بعض هذه الاختلافات. فمثلاً في سوريا تقوم الدوائر الرسمية والمؤسسات التربوية والإعلامية بكتابة اسم البلاد بالتاء المربوطة بدلاً من الألف "سورية"، وذلك في محاولة لتثبيت فكرة أن اسم سوريا عربي لا يتبع القاعدة التي تفرض كتابة الأسماء الأعجمية بالألف الممدودة دائماً، وتغييرٌ كهذا لا يستحق الذكر ربما مقارنة بما طرأ من تغيير جذري في ليبيا في عهد القذافي، حيث اعتمد أسماءً للأشهر الميلادية مغايرة لكل ما هو سائد، منها تسمية الشهر التاسع باسم "الفاتح"، نسبة لثورة الفاتح من أيلول التي أوصلته للحكم، واعتبر أن بداية التقويم ليست سنة ميلاد المسيح وإنما سنة وفاة الرسول محمد (632 م)، الأمر الذي تم إلغاؤه لاعتماد التقويم الغريغوري بأسمائه اللاتينية الأصل السائدة في معظم الدول العربية.

سياسة تحريرية... وأخرى لغوية

تميل أغلب الصحف ومؤسسات النشر الكبرى إلى اعتماد سياسة لغوية خاصة بها، تحسم بها مسبقاً معظم المسائل اللغوية المختلف عليها، ككيفية تعريب بعض المصطلحات وكتابة الكلمات، وحتى في ما يخص استخدام علامات الترقيم، ولكن الكثير من هذه المؤسسات - خصوصاً الصغرى منها - لا تكترث بالتأكد من تقديم منشوراتها بلغة صحيحة، وإنما تكتفي بتصحيح الأخطاء المطبعية واللغوية البسيطة.

المسؤول عن التدقيق اللغوي في دار هاشيت أنطوان اللبنانية، غالب هاشم، يقول إن التعديل الذي يصيب النصوص الواردة إلى الدار يتبع عدة عوامل "سياسة الدار أولاً"، فكل دار نشر تعتمد شكلاً خاصاً بها، تحل جميع المسائل اللغوية الخلافية عبره كل مرة بنفس الرأي، و"رأي المدقق ثانياً" في ما يتعلق بالمسائل الأكثر ندرة، والتي لا يمكن الإحاطة بها عند وضع السياسة اللغوية للمؤسسة. في ما يخص الكتاب المصريين، يقوم هاشم بتعديل النص ليلائم القواعد المتبعة في الدار وأغلب دور النشر "فتكتب النقطتين على الياء في أواخر الكلمات، وتكتب الهمزات المضمومة على واو بدلاً من نبرة".

يصف هاشم سياسة دار نشره بأنها "تتبع معايير احترافية، لا تتبع السائد والمعروف للعامة بل تحاول الوصول إلى لغة سليمة". يلخص المشاكل الأخرى التي تواجه تصحيح لغة الكتب في "استخدام مصطلحات يختلف معناها بين المشرق والمغرب العربي"، إضافة إلى تأثر الكثير من الكتاب باللغات الأجنبية لا سيما الفرنسية والإنكليزية، "والذي يتجلى في عبارات وجمل مؤلفة من كلمات عربية، لكن تركيبها النحوي ليس عربياً"، إضافة إلى مشكلة تعريب الكلمات والمصطلحات الأجنبية، والتي قد تختلف أحياناً بين كاتبين يعملان في نفس المؤسسة.

ربما هذه الاختلافات ليست سوى ضريبة كثرة المتحدثين باللغة، سواء كانت لغتهم الأم أم تعلموها استشراقاً، وربما العجز عن تلميع وتجميل الانتماء إلى العروبة انعكس مجدداً على اللغة، بعد أن أصابها في القرنين الماضيين على شكل دعوات إلى اعتماد الحروف اللاتينينة، واختصار القاموس العربي وحتى اعتماد بعض اللهجات المحلية بديلاً عن العربية الفصحى.

أياً كان سبب هذه الاختلافات، فبالتأكيد التأخر في اعتماد مرجعية موحدة، أو مرجعيات أقل، سيؤدي إلى استمرار وتعمق الاختلافات بين لغة مواطني الدول العربية، اللغة التي تشكل اليوم تقريباً صلة الوصل الأخيرة بين المواطنين العرب المقسمين على 22 دولة.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي