19 عاماً على إغلاق آخر دار للسينما في غزة

ما تزال السينما حية ومحفورة بقوة في ذاكرة أولئك الذين عاصروها من أبناء غزة، على الرغم من مرور 19 عاماً على إغلاق آخر دار للسينما في المدينة. لكن الشوق لعيش تجربة قطع التذاكر، والولوج إلى القاعة المظلمة ومراقبة العد العكسي لبدء الفيلم، يبدو حلماً بعيد المنال للشباب الفلسطيني في ظل تدهور الوضع السياسي والاقتصادي.

رغم السنوات الطويلة التي راجت خلالها دور السينما وشهدت فترة ازدهار كبيرة، قبل إقفالها، لا يوجد توثيق رسمي لهذه الفترة. يبقى المصدر الوحيد لجمع المعلومات هو التنقل بين ذاكرة من شهدوها وعاشوا مراحل اختلافها المتعددة تحت الحكم المصري أولاً ثم الاحتلال الإسرائيلي إلى حين قدوم السلطة الفلسطينية. تمثل فترة انتشار السينما بغزة في  التاريخ الشفوي والمحكي محطة هامة، ينبغي الوقوف عندها للتذكر بما قدمته من ارتباط اجتماعي مشابه لما كان العالم العربي ككل.

اعلان


بُعيد سنة 1970 تجاوز عدد دور العرض السينمائية الـ10، وتوزعت على طول قطاع غزة. شهدت تلك الفترة صعوداً قوياً للأفلام المصرية، رافقها ازدهار كبير للجمهور المتزايد، حسبما يقول المخرج خليل المزين لرصيف22: "كانت السينما هي الحياة والبهجة الوحيدة التي نتلقاها، عندما دخلت لأول مرة إلى صالة سينما وجدت أن عالماً كاملاً يوجد خارج الحدود لم نستطع الوصول إليه إلا من خلال هذه الشاشة المليئة بالألوان".  بعد ذلك طاف التجار العالم ليحضروا الأفلام الهندية والأمريكية، ويعرضوها للجمهور، فأصبحت السينما وجهة الباحثين عن الترفيه بالرغم من كل دعاوى التحريض الدينية ضدها.

وسط مدينة غزة، لا تزال سينما السامر، وهي أول سينما تأسست في قطاع غزة، صامدة في وجه التغيرات العمرانية. افتتحت عام 1944 على يد رئيس بلدية غزة الحاج رشاد الشوا، الذي قام بتجهيزها، وكانت الأفلام المعروضة مصرية في البداية. سينما النصر أيضاً ما تزال موجودة بالقرب من سينما السامر، متروكة كما هي بلافتة تشير إلى حروف بالإنجليزية.

في أحد أسواق مدينة غزة يجلس عدنان أبو بيض في محله لبيع الخضار والفواكه، على جدران المحل توجد بوسترات وإعلانات لأفلام مصرية وأمريكية وهندية، احتفظ بها بعد أن أغلقت سينما النصر أبوابها. لم يدر عدنان أبو بيض أن سينما النصر التي كان يديرها ستغلق أبوابها إلى غير رجعة. يقول أبو بيض لرصيف 22: "استطعت النجاة بأرشيف ضخم للأفلام من نوع 35 ملم، يوم إحراق السينما، والذي تصل قيمته اليوم إلى مليون ونصف مليون دولار". يضيف: "في ذلك الوقت كانت السينما قد عادت للعمل بشكل طبيعي بعد قدوم السلطة الفلسطينية، غير أنه في العام 1996 قام أنصار غاضبون لحركة حماس بالتوجه لحرق السينما على أثر أحداث عنف بينهم وبين أجهزة السطلة الفلسطينية، وكانت تلك النهاية". يذكر أنه بسبب التغيرات السياسية واندلاع الإنتفاضة الفلسطينية عام 1987، اضطرت دور السينما إلى إغلاق أبوابها لسنوات طويلة، تزامناً مع حالة الغضب الشعبي في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ثم ما لبثت أن عادت للعمل عام 1994.

عندما سألت أبي عن السينما، عاد بالذاكرة إلى الوراء وأخبرني عن ما كانت تعنيه له: "أول عهدي بالسينما كان عندما كنا نقطن في مخيم اللاجئين في مدينة رفح. في ذلك الوقت كنا نعرف ما يسمى بسينما الشارع، وكانت دائرة الشؤون المعنوية التابعة للجيش المصري مسؤولة عن هذه الفعاليات". كانت سيارة تابعة للجيش المصري تجوب الشوارع بسماعات ضخمة تبث أغاني "انت عمري" و"وأنا الشعب" لأم كلثوم، كمقدمة للإعلان عن موعد عرض الأفلام، فيما كانت الأفلام تستهدف التوعية بثورة يوليو وقضية تحرير فلسطين. من بين تلك الأفلام "في بيتنا رجل" و"شيء في صدري" الذي يتحدث عن الإقطاع و"حدث في رفح" من بطولة شكري سرحان الذي يتحدث عن العمل الفدائي. أيضاً، كانت وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة تقوم بعرض أفلام للتوعية بالصحة والنظافة.

على صعيد آخر، في مدينة لا تحتوي على دور عرض سينمائية، ورغم شح الإنتاج السينمائي خلال السنوات الماضية، تخرج محاولات لعشاق السينما والتصوير. نجح فيلم Condom Lead في الوصول إلى الترشح لجائزة السعفة الذهبية للأفلام القصيرة في مهرجان كان عام 2013. الفيلم باكورة إنتاج "شركة صنع في فلسطين"، والتي قام بتأسيسها الفنان رشيد عبد الحميد والمخرجان عرب وطرزان أبو ناصر من غزة، عن فكرة طرحها المخرج خليل المزين. الإسم كوندوم ليد هو تلاعب ساخر بالاسم الحقيقي Cast Lead وهو اسم عملية "الرصاص المصبوب" العسكرية على غزة عام 2008-2009. يعتمد الفيلم الخالي من الحوار والموسيقى التصويرية على أصوات القصف والرصاص، ويقوم على مقاربة حالة الحرب والموت في مشاهد مغايرة لما قد يراه البعض عن صورة تساقط القذائف ومشاهد الانفجارات.

عرب وطرزان اللذين عاشا العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة، أقدما على إخراج الفيلم، بفكرته واسمه الجريئين، كونه يحمل مضموناً لم يتحدث عنه أحد قبل ذلك، والغرض إيصال رسالة هامة تتحدث عن المعاناة والتفاصيل الإنسانية من منظور مختلف. القصة ليست جديدة، وقد تحدث في أي مكان آخر، لكن تناول العلاقة الحميمة بين زوجين يأتي هنا واضحاً جداً ليظهر المخفي تحت وقع الاجتياحات والحروب. على الجانب الآخر، شارك عرب وطرزان بمساعدة المخرج الفلسطيني خليل المزين بإخراج الفيلم الوثائقي الطويل "غزة 36 مليمتر" والذي يلقي الضوء على الحالة الثقافية في غزة منذ العام 1949، فيما تم منع عرض جميع الأفلام طبقاً لقرار حكومة حماس في غزة.

مقابل ذلك، تسعى حركة حماس إلى إيصال رسالتها بكل الطرق، بشكل مشابه لما كانت تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، إذ قامت بالدخول على خط الإنتاج، وأنتجت فيلم "عماد عقل" من كتابة أحد قادتها "محمود الزهار"، كمحاولة فقيرة للتغطية على غياب الإنتاج السينمائي. في ظل المنع الأمني لعرض كثير من الأفلام، يأتي إنتاج أفلام حمساوية الطراز كعملية إحلال بديل وفرض صورتها التي تريد عن الفلسطيني كما يجب أن يكون.

مشاهد لتوفير سينما مستقلة

في ظل غياب السينما وعدم وجود تنظيم رسمي لها، ينقسم المشهد الغزاويّ إلى قسمين، أحدهما شبابي مستقل، والآخر مموّل من الخارج. في السنوات الماضية ظهر نادي السينما التابع لديوان غزة، وهو تجمع شبابي يهدف لتعزيز القراءة في المجتمع الفلسطيني موسعاً بذلك نشاطاته لتصل إلى حدود السينما. عمل خلال السنتين الماضيتين على توفير سينما متواضعة، فتنوعت معه أذواق الأعضاء والقائمين على اختيار الأفلام، وصولاً لعرض فيلم "عمر" المرشح للأوسكار للمخرج هاني أبو أسعد، بالتزامن مع جولته العالمية. غير أن النادي لم يفلت من شباك الرقابة الحكومية والأمنية التي تصر على عرض أنواع محددة من الأفلام. على الجانب الآخر، يوفر المركز الثقافي الفرنسي في غزة مكاناً لعرض الأفلام الفلسطينية والعالمية بشكل كبير، حيث توسعت مبارداته لتشمل تمويل إنتاج أفلام قصيرة تحاكي الواقع الفلسطيني في غزة، يتم من خلالها تسليط الضوء على قضايا اجتماعية.

يبقى من الصعب اليوم تخيل عودة سريعة للسينما إلى قطاع غزة. ليس بسبب الوضع المعيشي السيء، ولا حالة الفقدان التي قد لا يدركها الشباب لأنهم لم يذهبوا للسينما من قبل، ولكن بسبب المنع الأمني لكل ما هو "آخر"، في ظل رقابة شديدة لا تبشر بأي نوع من التغيير. بالرغم من كل التصريحات الصحفية الناعمة التي توجهها الحكومة، بأنها ترحب بعودة السينما، لكن وفق شروطها مبررة ذلك بالحجة التقليدية القائلة بأن المجتمع محافظ ولا بد من احترام تقاليده، الحقيقة إن هذه التصريحات لا تمثل سوى انفصال تام عن ما يجري على أرض الواقع.

نسخة معدلة من الموضوع الذي نشر على الموقع في 02.05.2014

التعليقات

المقال التالي