صحف تونس تهمل الثقافة وتصب اهتمامها على فضائح الفنانين

صحف تونس تهمل الثقافة وتصب اهتمامها على فضائح الفنانين

في الآونة الأخيرة، راحت بعض الصحف تملأ أقسامها الثقافية بالمتابعات الخبرية السطحية وبفضائح أهل الفن. أما أقلام النقاد والكُتاب المتخصصين في الشأن الثقافي فقد هاجرت نحو المطبوعات الأجنبية عربياً ودولياً، ليبقى المشهد الإبداعي التونسي دون أي رافد نقدي أو صحافة متخصصة.

تعيش الصحافة الثقافية المكتوبة في تونس، بشقيها الورقي والإلكتروني، أزمةً حادة. اختفت الكثير من المنشورات المتخصصة في حقول إبداعية شتى، كما تقلصت المساحة الممنوحة للملاحق الثقافية في الجرائد اليومية وتدهورت جودة المادة المنشورة بين صفحاتها بشكل كبير.

زمن الثقافة الحقّة

شكلت الصحافة الثقافية التونسية، منذ بداية القرن العشرين، الخزان الذي خرجت منه رموز الثقافة التونسية المعاصرة، من شعراء وأدباء ومسرحيين وسينمائيين. كل هذه الأعلام انطلقت من الصحف والمجلات الثقافية محررين أو كتاباً أو ناشرين.

فالشاعر الكبير أبو القاسم الشابي تنقل بين عدد من المجلات الثقافية في عصره، والأديب الراحل محمود المسعدي بدأ طريقه من الصحف والمجلات كاتباً ثم ناشراً في فترة لاحقة. بل إن مختلف التنظيمات السياسية التي ظهرت في البلاد علناً أو سراً، منذ حقبة الاستعمار الفرنسي إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت تصدر دوريات ونشرات ثقافية وفقاً لتوجهاتها الإيديولوجية.

تعددت الأسباب

الأزمة التي تعيشها الصحافة الثقافية التونسية هي جزء من أزمة الصحافة الورقية في تونس. موجة الاحتجاب التي ضربت العشرات من العناوين في الساحة لم تقتصر على المجلات الثقافية المتخصصة بل تجاوزتها لتشمل الصحف العامة، وخاصةً عقب ثورة يناير وما تبعها من توقف الدعم الحكومي للصحف، أكان يقدّم على شكل عقود إعلانية أو يُسلم بشكل مباشر، بالإضافة إلى مشاكل التوزيع والتدني الكبير في حجم المبيعات.

ورأى الكاتب والروائي التونسي، حسن بن عثمان، أن "الصحافة المكتوبة كلها تعاني من تحديات حقيقية تتعلّق بوجودها ذاته، نظراً لطبيعة المرحلة التي نمرّ بها والتي ميّزتها ثورة المعلومات وانفجار الإنترنت. فصارت الصحافة غير الورقية هي خيار العديد من المنابر الصحفية الجديدة والقديمة".

وحول أسباب الأزمة التي تعيشها الصحافة الثقافية في البلاد، أضاف رئيس التحرير السابق لمجلة "الحياة الثقافية" الحكومية أن هاجس الربح المادي الذي يسيطر على الناشرين يجعل من المادة الثقافية داخل الجريدة أو المجلة مادةً غير مُربحة، لا شعبية لها لدى الجمهور العريض.

أقوال جاهزة

شارك غردالنظام التونسي السابق كان يدعم الصحافة الثقافية، لذلك نشأت أزمة حادة بعد سقوطه

شارك غردصحف تونس تهمل الثقافة وتصب اهتمامها على فضائح الفنانين

وتابع: "الصحافة الثقافية المكتوبة يسمّيها أهل المهنة المادة الميّتة، ويقصدون أنه يمكن الاستغناء عنها والتخلّص منها إذا كان هنالك أخبار مهمة. ولا بد من ملاحظة أن الصحافة الثقافية مكلفة جداً لأصحاب الجرائد نظراً لما تتطلّبه من هدر وقت على مادة ليست شعبية. فقراءة الكتب وتقديمها مثلاً، كل أسبوع، لا يمكن أن يدرّ ربحاً".

ولاحظ بن عثمان أن "صحافة الحزب حاكم ومنابره الثقافية المكتوبة هي من اهتمامات الدولة، وكلّما تقلّصت الدولة تقلّص تدخلها في الشأن الثقافي المكتوب وغير المكتوب. وأرى أنه علينا أن نفكّر في أساليب جديدة ومبدعة تتناسب مع العصر الحالي وما يُتيحُه من إمكانات لنشر الثقافة التي لم تعد الصيغ القديمة كلها من منابر وملاحق ومجلات تناسبها، أو هكذا يبدو لي بعد سنوات عدّة ناهزت الثلث قرن أمضيتها في الثقافة والصحافة في تونس".

شحّ في الثقافة

عشرات المجلات والملاحق الثقافية اندثرت. لم يبقَ في الساحة اليوم إلا مجلة "الحياة الثقافية" الحكومية التي تشرف على إصدارها شهرياً وزارة الثقافية التونسية إلى جانب مجلة "المسار"، لسان اتحاد الكُتاب التونسيين، وقد تعطلت الأخيرة ثلاث سنوات بعد الثورة ثم استأنفت صدورها منتصف العام الحالي.

في المقابل، توقفت عن الصدور تجارب كثيرة مستقلة وحكومية. فمجلة "رحاب المعرفة" التي أسسها الشاعر التونسي الراحل جعفر ماجد لم تستمر طويلاً بعد وفاته عام 2009، فيما تكابد مجلة "قصص" الصادرة عن نادي القصة في تونس عناء الصدور أربع مرات فقط في السنة، وكانت قد تعرضت سابقاً لمشاكل عدّة أدت بها إلى الاحتجاب عن الصدور في مراحل مختلفة.

ولم تُغرِ الثقافة ناشري ما بعد الثورة كثيراً، فلم يُخصص أي مستثمر أمواله لإصدار مجلة ثقافية تعنى بأي حقل من حقول الثقافة.

ويُرجع الشاعر عمر الكوز، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكُتاب التونسيين، الأزمة التي تعيشها الصحافة الثقافية، إلى أسباب ذاتية تخص الفاعلين الثقافيين في البلاد وإلى أسباب موضوعية مرتبطة بعوامل خارجة عن إرادة الكُتاب والناشرين.

وقال لرصيف22 إن "قوانين السوق التي طغت وسادت، والتي تصنف كل منتج مادي أو معنوي كسلعة قابلة للتقيم المالي، لم تعد تَعتبر الثقافة وصحافتها مُنتجاً يمكن أن يدر ربحاً"، ولذلك تم اختصار المادة الثقافية في الدوريات والمجلات في "المنوعات" التي تهتم بحياة أهل الفن الشخصية وفضائح المشاهير.

وأضاف أن "العديد من الصحف والمجلات المهتمة بالثقافة فقد سوقه في مواجهة التغيرات الجذرية التي شهدها "الذوق العام" تحت وطأة العولمة والتطور التكنولوجي الهائل والسرعة التي طبعت كل تفاصيل حياتنا، فلم نعد نهتم كثيراً بالثقافة فما بالك بالصحافة الثقافية".

وتابع: "كذلك ساهمت التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها البلاد بعد 14 يناير 2011 وما رافقها من صعوبات اقتصادية وأزمة اجتماعية ما زالت متواصلة، في خلق نفور شعبي من القراءة عموماً. فالمواطن بالكاد أصبح يغطي مصاريفه الأساسية كما أخذ الوضع السياسي نصيب الأسد من المتابعة والاهتمام، وتحول بعض المثقفين من الكتابة حول المسرح والشعر والنقد الأدبي إلى التحليل السياسي وتفكيك خطاب الجماعات الإسلامية".

ولاحظ الكوز أننا "شهدنا هجرةً للأقلام الثقافية البارزة، من كُتاب وشعراء ونُقاد إلى المنابر الإعلامية الأجنبية وخاصة الخليجية التي تمنح مكافأة سخية تفوق ما هو موجود في تونس بأضعاف. ولذلك فُرّغت الساحة من كُتابها وأصبحنا نطالع مراجعات الكتب التونسية والمقالات النقدية حول المسرح التونسي في المجلات والجرائد العربية الصادرة في أوروبا أو في الدولة العربية".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي