هل حرّر الإسلام المرأة أم وضعها قبله كان أفضل؟

هل حرّر الإسلام المرأة أم وضعها قبله كان أفضل؟

في كتابه الجديد "رحلة المرأة من التقديس إلى التبخيس"، هدم الكاتب المصري هشام حتاتة الكثير من المقولات المستهلكة والراسخة، وأهمها على الإطلاق مقولة إن الإسلام حرّر المرأة.

الكتاب يضم مقالات يتتبع فيها الكاتب وضع المرأة العربية (مع تركيز على المصرية) منذ تقديسها في العصر المشاعي، مروراً بالحضارة الفرعونية وحضارة بلاد الرافدين وصولاً إلى تبخيسها وصب اللعنات عليها باعتبارها مصدراً للغواية.

"البدايات الأولى": التقديس

ينحاز حتاتة إلى رأي الفيلسوف الألماني فريدريك أنغلز القائل إن "النظام الأمومي سبق النظام الأبوي"، موضحاً أنه "قبل بداية النظام الأخلاقي الأول، الذي نشأ مع الدولة المصرية القديمة، كان الجنس مشاعياً، وفي ذلك الوقت لم يلاحظ الرجل دوره في عملية الحمل والإنجاب، واعتقد أن ذلك خصوصية وتفرد للمرأة، وبات يُقدس دم الحيض ويعتبره سر الحياة والوجود".

وشرح أن "الدم (كان) هو سر الحياة، والمرأة هي القابضة على هذا السر وبالتالي هي أصل الحياة، ومانحة الحياة. فكانت هي الآلهة التي يتم من خلالها الخلق والميلاد، وبناءً عليه قُدس دم الحيض، لأنه المكون الرئيسي للحمل واستمرار الحياة".

وروى أن "هذا النظام الأمومي بقي سائداً في مصر وبلاد الرافدين والجزيرة العربية، إلى أن جاء العصر المطير، الذي ميز بين مجتمعين: مجتمع البداوة في الجزيرة العربية، ومجتمع النهر في مصر وبلاد الرافدين".

في رأيه، خلق الظرف البيئي الجديد القوانين الخاصة بكل مجتمع ومن ثم انتهى النظام الأمومي من الجزيرة العربية وساد النظام الذكوري، وأصبحت المرأة حملاً ثقيلاً على القبيلة لأنها لا تستطيع أن تركب فرساً أو تمسك درعاً أثناء اعتداء إحدى القبائل على قبيلتها. فإنسان الجزيرة العربية، بعد العصر المطير، وجد نفسه من دون مصادر مياه، وانتهت الغابات الصغيرة والأحراش التي كانت مرعى طبيعياً للحيوان، ودخلت الجزيرة مرحلة التصحر وبدأ أهلها يرتحلون وراء آبار الماء، ومن هنا جاء الصدام والتقاتل من أجل الحياة، وأصبح السلب والنهب عُرفاً فرضته الطبيعة، والرجل وقوداً للمعارك الدائمة والمستمرة، والمرأة مجرد سلعة تُباع وتشترى.

لكن هذا الوضع، يكمل حتاتة، قابله وضع مغاير تماماً في وادي النيل وبلاد الرافدين. فبعد انتهاء العصر المطير تكونت مجاري الأنهار في هاتين المنطقتين، وبدأ الإنسان رحلة الاستقرار والارتباط بالأرض والزراعة، وتضافرت الجهود بين الرجل والمرأة ليصبحا شريكين حميمين في الحياة، وتنازلت المرأة عن ألوهيتها لآلهة الدولة المركزية، التي بدأت في التشكل، لكنها لم تفقد دورها كشريك كامل في كل مناحي الحياة.

واستعاد الباحث الأسطورة الفرعونية الخالدة "إيزيس، وأوزوريس"، مدللاً بها على ما نالته المرأة المصرية "إيزيس" من تقديس، لأنها أعادت الحياة إلى زوجها أوزوريس، بعد أن قتله غدراً الشرير "ست". وأشار إلى أن العلاقة بين الرجل والمرأة في ظل الحضارة الفرعونية، وصلت إلى مرحلة حضارية قوامها المساواة، وهي مرحلة لم يصل إليها الغرب الليبرالي إلا منذ خمسين عاماً أو أكثر بقليل.

أقوال جاهزة

شارك غردباحث مصري يرى أن المرأة المصرية كانت مساوية للرجل إلى أن جاء الإسلام وانتزع حقوقها

شارك غردهل حرّر الإسلام المرأة فعلاً أم وضعها قبله كان أفضل؟

ولتأكيد نظريته، يورد أحد صكوك الزواج الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وفيه يقول الزوج لزوجته: "منذ اليوم، أقر لك بجميع الحقوق الزوجية، ولن أتفوه بكلمة تعارض هذه الحقوق، ولن أقول أمام الناس إنكِ زوجة لي، بل سأقول إنني زوج لكِ. منذ اليوم لن أعارض لكِ رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني. كل ممتلكات بيتك لك وحدك، وكل ما يأتيني أضعه بين يديكِ".

الإسلام يحرر المرأة من نصف العبودية

ظلت المرأة المصرية تمثيلاً حياً لأسطورة إيزيس إلى أن جاء "الاحتلال العربي لمصر". حينذاك، ظهرت بوادر الصراع بين الثقافة الأصيلة (إيزيس)، والثقافة الدخيلة (حواء التي أغوت آدم وأخرجته من الجنة).

يُبدي الكاتب تعجبه من علماء الدين الذين يقولون إن الإسلام كرم المرأة، ويردّ عليهم: "كيف يقول السادة علماء الدين عندنا إن الإسلام كرم المرأة؟ نعم، كرم الإسلام المرأة، ولكن في مكان آخر ومجتمع ذكوري آخر وزمان آخر، كانت فيه المرأة لا شيء... كانت المرأة فيه مجرد متاع تورث ضمن ميراث الأب، ويستنكحها الإبن ضمن ميراثه من أبيه، فارتفع بها الإسلام إلى مرتبة أعلى حصلت فيها على نصف الحقوق، وتحررت من نصف العبودية وكرمت فيه نصف تكريم".

يشير حتاتة إلى أن العرب جاؤوا إلى مصر محمّلين بالثقافة الذكورية، فنشأ صراع بين ثقافة "إيزيس" و"حواء"، إلا أن المرأة المصرية ظلت محتفظة ومتمسكة بدورها في الحياة، حتى أن العرب اعتبروا أن التساوي بين المرأة والرجل نقيصة في الرجل المصري.

محو إرث العثمانيين

وينتقل "الكاتب" إلى استعراض وضع المرأة في العصر العثماني، ويقول إنه مع خضوع مصر للسلطنة العثمانية بدأنا نسمع عن الحرملك واليشمك العثمانلي حتى اختفت النساء وراء الجدران، وتحديداً في المدن، لينتهي هذا الوضع مع بناء الدولة المصرية الحديثة في عهد محمد علي، وظهور قاسم أمين الذي خاض معارك كثيرة من أجل تحرير المرأة، لتعود "إيزيس" مره أخرى إلى الحياة.

وراحت المرأة المصرية تستعيد الكثير من الحقوق الاجتماعية والسياسية، لكن حتاتة يلفت إلى أن العلاقة بين الرجل والمرأة تأثرت بالمنظومة الدينية، عبر قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، والذي يكرس سلطة الرجل على المرأة.

المذهب الوهابي والردة الحضارية

مع تمدّد المذهب الوهابي إلى مصر، سيطرت المنظومة الذكورية البدوية، وانصب همها الأول على المرأة وتبخيسها. وأشار الكاتب إلى أن تلك المنظومة اعتمدت على مجموعة من الأحاديث الضعيفة، التي تؤسس لدونية المرأة وآراء فقهية مصابة بأمراض "رهاب المرأة" والذكورية الموهومة.

هكذا أصبحت المرأة عورة وصار دم الحيض الذي كان سبباً في تقديسها سبباً في تبخيسها، وصارت نجسة وتسقط عنها التكاليف الدينية في فترة الحيض، وهي ناقصة دين، علاوة على أنها ناقصة عقل، والفعل الجنسي معها يؤدي إلى النجاسة.

هجوم على المرأة في الحاضر

كان يُمكن القول إن هشام حتاتة انتصر للمرأة لولا الفصل الأخير من الكتاب، الذي تحدث فيه عن نضال المرأة في سبيل حريتها. إذ رأى أن المرأة التي تُناضل من أجل الحصول على حقوقها ملأى بعقد نفسية تجعلها تشن حرباً شرسة على الرجل.

ويورد مثل طبيبة ماركسية ومناضلة نسوية، متزوجه من طبيب ومناضل ماركسي، ويعتبر أن حربها الشرسة ضد الذكورة كانت تعويضاً نفسياً عن عقدة النقص التي تكونت داخلها، بعد أن رفض طبيب وكاتب قصة شهير الزواج بها.

رحلة جريئة

وتعقيباً على الكتاب، رأى الباحث محمد البدري أنه "رحلة جريئة تعطي شعاع ضوء للقارئ، ليتعرف إلى ما حاق به ثقافياً بشكل عام وبالمرأة بشكل خاص، عبر عقود طويلة، تم خلالها فرض العروبة هوية للمنطقة، وبالتالي بات التبخيس هو الأصل".

وانتقد البدري ما سماه "الغزو البدوي القبيح بحجة نشر دين حنيف"، معتبراً أن "الهدف منه لم يكن أكثر من فرض ثقافة لها جذور قبلية بدوية رعوية مترحلة في مقابل ثقافة زراعية مستقرة".

وأضاف: "لأن الغزو والعدوان آتياً من البداوة، فإن التجريم والإدانة يكونان من نصيب المستقرين... فإذا كان الحجاب حلالاً لأنه من ثقافة الوافدين، فإن السفور حرام لأنه من صفات المستقرين".

وتابع: "الخليفة عمر بن الخطاب الذي وُصف بالعادل، وقع في التناقض نفسه عندما ألزم الحرة في مجتمعه بالحجاب، بعكس الأٓمة التي لا تخفي محاسن جسدها، لأنها سلعة قابلة للتداول للتربح منها، ومن ثم لا يجوز حجبها عن السوق المفتوح".

التعليقات

المقال التالي