قصة هزليّة عن الرقابة والنشر في مصر: الدين، والجنس... والجيش!

قصة هزليّة عن الرقابة والنشر في مصر: الدين، والجنس... والجيش!

 لا تُحرك تطورات الأوضاع السياسية في مصر ساكناً في ما يخص قوانين النشر والرقابة على المطبوعات. الآليات الرتيبة العقيمة نفسها تلوّح بذراعها الطويلة في المشهد.

من البائس مثلاً معرفة أن وشاية عامل مطبعة أو موظف جمارك من متطوعي حملات الحفاظ على الأخلاق العامة وهيبة الدولة، لا تزال تومض كفتيل أول يشعل قرارات دقيقة ونافذة مثل التحفظ عن نسخ كتاب أو وقف بيعه، أو مصادرته من الأسواق. ونادراً يتم التحقيق مع المؤلف أو الناشر، إن جاز هذا أساساً. وقد يصل الأمر إلى الحبس والتغريم. ليس للرقيب أو صاحب السلطات الرقابيّة على النشر في مصر إرادة، ولم نسمع عن رقيب يقرأ.

الأحكام تصدر هوجاء مرتعشة، والحجة مطاطة وجاهزة دائماً "إثارة الرأي العام". اتّباع النظام تيهٌ بين سلطات وإجراءات متشعبة وغير محددة أو ظاهرة للعيان. مثلاً تتبَع الرقابة على استيراد المطبوعات الخارجية، لجهاز الأمن الوطني مرة ولوزارة الداخلية مرات! أما الجهات التي ينبغي مخاطبتها لتداول الكتب (كسلعة) فهي خفيّة وأعمالها سريّة. كأن شرط الوجود المُعلن والعمل الواضح المنظم، وربما المكتوب، يُفشي سرّها ويُبطل مفعول سحرها، الأمر الذي يفقدها قوّتها ورهبتها.

الرقابة من أجل مسح التاريخ

علماً أن واقع التأليف والنشر دائماً أفضل حالاً مما هي عليه حرية الصحافة مثلاً، حتى أن وقائع مصادرة كثيرة أشعلت عمليات الترويج والبيع. لكن "الهزل" الذي يحدث خلف كل واقعة للمصادرة أو التوقيف، هو "القشة" التي ينجم عنها كل جَلل. يكفي معرفة أن قانون الرقابة على المطبوعات تأسّس في الخمسينيات، وهو نُسخة معدّلة من قانون مماثل كان يتم التعامل وفقه أيام الاحتلال الإنغليزي.

يعتبر فنان الغرافيتي عمّار أبو بكر أن ما يحصل حالياً هو "محو كل آثار الثورة، وتحويلها إلى فعلٍ إجرامي خارجٍ على القانون". فقد تم توقيف شحنة من 400 نسخة تقريباً من كتاب "جدران الحرية" Walls of Freedom، عن غرافيتي الثورة الصادر عن دار From Here To Fame"" المملوكة لفنان الغرافيتي الألماني دون كارل Don Karl. وهو صاحب فكرة الكتاب وجامع مادته وصوره.

كانت الإجراءات تسير في اتجاه انتظار الشحنة، التي وصلت إلى الجمارك ليتسلّمها جوزيف رزق من دار التنوير في مصر، وإتمام إجراءات التوزيع المتفق عليها. قبل ذلك، كانت شحنة من مئة نسخة قد دخلت مصر لأغراض ترويجيّة وتدشين الكتاب، وهذا ما يعني أن الكتاب دخل مصر وجرى تداوله. حدث بعد ذلك أن تباطأ مسؤولو التنوير عن تسلم الشحنة، فدفع الفضول موظفي الجمارك وإدارة المهملات في الميناء لتفتيش الصناديق، التي بقيت في المخازن ثمانية أشهر. عندئذ قرّرت عين الرقيب "المجاني، المتطوّع" بعد تصفحه سريعاً أن الكتاب يتطاول على الجيش، فلم تضل البلاغات والإخباريات الشفهية طريقها كالعادة إلى أذن الرقيب "الموظف".

أقوال جاهزة

شارك غردموظفو الجمارك وعمال المطابع أخطر رقيب على الكتب في مصر

شارك غردربيع جابر، سلمان رشدي، آلان باديو.. في قائمة الممنوعين من معرض كتاب القاهرة

"جدران الحرية" ليس كتاب تسلية، إنما يهدف إلى توثيق الثورة من خلال الغرافيتي. يقول عمار أبو بكر إن "الكتاب يضع جميع الأطراف في موقف حرج، من بينهم الصحافيون المصريون، وحتى الأجانب. كانت هناك رغبات حسنة النية لتسجيل ما حدث وجمع الصور المتاحة، لكن جاءت مضامين غالبية هذه الكتب تافهة، انشغلت بتنجيم الرسامين عن توثيق الفكرة الأصليّة، وخرجت بأخطاء جسيمة في المعلومات".

ما ينفرد به هذا الكتاب هو تسجيل اللحظات الأولى للثورة، والرسوم والكتابات التي ظهرت من يوم 28 يناير 2011. ويحتوي على صور نادرة عن بدايات فن الغرافيتي الذي ظهر مع الثورة.  يؤرّخ الكتاب فترة الحكم العسكري في مسار الثورة، ونتعرّف إلى الغرافيتي الذي صاحب اعتراضات الثوار على المجلس العسكري، وأحداث تلك الفترة، ومنها أحداث ماسبيرو.

يستخدم الكتاب في عناوينه الفرعيّة وصف "ماسبيرو: الأحد الأسود"، أما توصيف "مذبحة" فيرد في مقالات الناشطين والفنانين المنشورة ضمن الكتاب.

سبق هذه الواقعة، إيقاف استيراد العناوين التالية بغرض توزيعها في معرض الكتاب، واللافت أنها كلها كتب قديمة أعيد طبعها ومتداولة منذ زمن على أرصفة بيع الكتب في الميادين المصرية: رواية "أطفال منتصف الليل" لسلمان رشدي، رواية "المبرومة" لربيع جابر، كتاب "مدخل إلى السيميوطيقا" لنصر حامد أبو زيد، "في مديح الحب" لآلان باديو Alain Badiou، والأخير يبدو من شدّة الهزل أن ليس هناك دافع أو سبب مقنع لمنعه، كما علّق جوزيف رزق، سوى غلافه الذي يوحي بجرأة، أو إباحيّة أو شيء له علاقة بالجنس.

المنع بأمر رئاسي

فجأة، وجد شكري مجاهد، مدير المركز القومي للترجمة، وهو مُؤسسة عليا للنشر والترجمة، تابعة لوزارة الثقافة، نفسه مضطراً للدفاع عن كتاب صدر العام الماضي في عهد سابقه.

الكتاب، بطل الأزمة، عنوانه "مصر التحرير... ميلاد ثورة" L'Egypte de Tahrir, Anatomie d'une révolution، وقد رأى مجاهد في البداية أن المسألة بسيطة لا تتطلّب سوى بعض التوضيح في بيان أوّلي، أصدره المركز رداً على ما سماه "تقريراً مثيراً" نشرته صحيفة مصرية عن الكتاب، وصفته بـ"المشبوه" لأنه "يُهاجم الجيش ويشوّه دوره في الثورة".

الكتاب هو الأول بالفرنسية عن الثورة المصرية، وتعاقد المركز على ترجمته فور صدوره عام 2012، وصدر بالعربية عام 2014. المؤلفان صحفيان فرنسيان، كلود جيبيال وتانجي سالون Claude Guibal et Tangi Salaun، تابعا ميدان التحرير كمراسلين، وكان دليلهما الكاتب والروائي المصري علاء الأسواني، وهو نفسه الذي كتب نبذة التعريف بالمؤلفين، وفكرة الكتاب، وظروفه على الغلاف الخلفيّ.

أقل تقدير لمادة هذا الكتاب، وفق اعتراف المسؤولين الرسميين كذلك، أنها "موضوعيّة، واقعيّة تنقل صورة عن قرب لما حدث مع الثورة وبعدها". وما يجمعه بكتاب "جدران الحرية" الذي لا يزال ينتظر مصيره الغامض، أنهما يرسمان صورة بانورامية متكاملة ودقيقة عن فترة حكم الإخوان "جيش الظل"، كما يرد في كتاب "مصر التحرير".

أما الوشاية هذه المرة، فركّزت على فقرة وردت في مقدمة المترجم عاصم عبد ربه حسين في وصف دور الجيش أثناء الثورة، وكان من رأي المترجم أن "الجيش كان مترادفاً لضمير المصريين الجمعي وتبنّى مواقف الثوار، إلاّ أنه انزلق إلى تصرّفات تَجرح فكرة انحيازه إلى الثورة".

هذه العبارة رآها بيان المركز التوضيحي، الذي خرج قبل احتدام الموقف واستصدار أمر المصادرة "غير موفقة، لم يُحسن المترجم التعبير عنها".

صودرت ألفي نسخة من الكتاب، الذي بيع منه 90 نسخة فقط، ووصلت محاولات احتواء "الأزمة المفتعلة" إلى حد تقديم المترجم اعتذاراً مكتوباً إلى الوزارة.

إيمان علي

محررة صحافية في الشؤون الثقافية تكتب لصحيفة الحياة اللندنية وعدد من الصحف والمواقع الثقافية.

كلمات مفتاحية
الرقابة مصر

التعليقات

المقال التالي