القصة: خلل في ذهنية النشر العربية

القصة: خلل في ذهنية النشر العربية

"ويؤسفنا إخبارك أن دار نشرنا مقلّة جدّاً في إصدار المجموعات القصصية. نتمنى لك التوفيق مع ناشر آخر".

هذه العبارة البسيطة والمتناقضة، هي التي ستقابلها المحاولات الأدبية المختلفة عن إطار الرواية في العالم العربي. فدور النشر العربية مستلبة كلياً لفكرة الرواية كجنس أدبي حالي ووحيد، يمكن تسويقه، وترجمته، والحصول من خلاله على جوائز.

زمن الشعر، زمن الرواية: تصنيف أنواع 

تفضيل جنس أدبي على آخر هو نتاج لآلية تفكير ثقافية – فنية، تعتقد أن لكل زمن نوعاً أدبياً أو فنياً طاغياً على آخر. فكما يقال اليوم زمن المسلسلات التلفزيونية، مقارنة بزمن الفيلم أي السينما، يسري ذلك أيضاً على المستوى الثقافي، ليقال إن الزمن الآن هو زمن الرواية، ويميز عما سبقه من زمن الشعر مثلاً.

هكذا ينتقل العالم الثقافي من نوع فني إلى آخر عبر الترويج الثقافي التفضيلي بين الأنواع الأدبية أو الفنية، بينما لم ينتبه القائمون على هذا النوع من النظريات، إلى أن التلفزيون لم يلغ السينما، وقصيدة النثر لم تلغ قصيدة التفعيلة، والفيلم الديجتال لم يلغ الفيديو آرت. الفنون تستمر بالتوازي، وليس بالمفاضلات والتقييمات القياسية.

منحة "آفاق" للأدب، لم تعد تشمل القصة 

تستثني أهم الجوائز الأدبية العربية، وهي الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر فن القصة. أما مؤسسة الصندوق العربي لدعم الثقافة والفنون "آفاق" ، والتي تعتبر من أكثر مؤسسات المنح الثقافية والكتابية فاعلية في المشهد العربي، فقد حوّلت منحة الأدب الفردي لتصبح ورشة عمل كتابة الرواية، فتم إغلاق أفق آخر أمام القاصين، الذين ما زالوا يعتبرون أن أعمالهم تنتمي إلى مجال الإبداع الأدبي، مع أنها ليست روايات.

ألف ليلة وليلة، إرث القصة المحاصر

ينسى القائمون على النشر الحديث أن إرث كتاب "ألف ليلة وليلة" جاء قصصياً. كذلك حمل الإرث الأوروبي للعصور الوسطى كتابا "حكايات كانتبري" The Canterbury Tales و"الديكاميرون" The Decameron، وهما من نوع القصة. وفي العصر الحديث قدم جيمس جويس James Joyce ابتكاره لتيار الوعي في قصص مجموعته "أهالي دبلن" Dubliners عام 1914، وأضاف فرانز كافكا Franz Kafka أسلوبه في السرد الأدبي عبر قصته "الحكم" The Judgmentعام 1912.

كما ابتكر لويس خورخي بورخيس Jorge Luis Borges أسلوب الواقعية السحرية، التي ستنتج الروايات تلو الأخرى، عن طريق قصصه القصيرة. هو الذي رفض أن يكتب رواية، لكنه أنعش الأدب العالمي منذ الستينيات إلى اليوم، باحتراف نصوص قصصية لا تتجاوز الأربع صفحات.

تحتكر بداية فن الرواية للقارة الأوروبية على اعتبار أن الرواية الأولى هي "دون كيخوته"Don Quixote عام 1605 للإسباني ميغيل ثربانتس Miguel de Cervantes. بينما لا يمكن التكهن بتاريخ دقيق لولادة القصة، التي هي حتماً فن أكثر قدماً، وانتشاراً في الإرث النثري. ولم تستطع الدول غير الأوروبية تقديم أي جديد في عالم الرواية، إلا بعد انكفاء الأنظمة الاستعمارية.

قاصون ساهموا في السرد العربي

في فن القصة، قدم الفن العربي العديد من النصوص، منها تجارب جبران خليل جبران (1883 - 1931)، وميخائيل نعيمة (1889 - 1988)، ومن بعدهما يوسف إدريس (1927 - 1991).

كذلك يذكر القاص السوري زكريا تامر (1931) والفلسطيني غسان كنفاني (1936 – 1972)، والموجة الأدبية المصرية في السبعينات مع محمد البساطي (1937)، وإبراهيم أصلان (1935 – 2012).

تقول سمر حداد مديرة دار أطلس للنشر والتوزيع: "هناك تقصير من الناشر العربي في البحث عن إبداعات وتجارب جديدة على مستوى القصة. أحاول الاطلاع ما أمكنني على تجارب جديدة لدعمها". وأضافت: "برغم الجهود الحثيثة للجان الاختيار والتحكيم ذات الخبرة، فإن الجائزة لا تضيف إلى العمل الأدبي قيمة فنية ليست فيه، والكثير من الناشرين يدركون القيمة الحقيقية لروايات نشروها، حتى لو حازت جوائز مهمة، فهم مقتنعون أن الجائزة تفيد في عملية التسويق والانتشار أكثر مما هي قيمة فنية".

أقوال جاهزة

شارك غرد زمن الشعر، زمن الرواية... الخلل في ذهنية النشر العربية

شارك غرددور النشر العربية مأخودة كلياً بفكرة الرواية كجنس أدبي حالي ووحيد، متجاهلة أي جنس آخر

إن اكتفاء دور النشر الأدبية بتجارب تقليدية ستؤدي إلى تكرار أسماء الروائيين، وانغلاق إمكانات التجريب الأدبي الفني. وستؤثر على صعود تجارب أو تقنيات سردية جديدة، فبقدر الأهمية التي حملتها الرواية إلى تاريخ السرد العربي والعالمي، فإن العديد من التيارات والتقنيات الأدبية، لا يمكن فهمها داخل التاريخ السردي الإنساني من دون إسهام القصة.

وبعيداً من ثنائية القصة - الرواية، فلا بد لتقنيات جديدة في الكتابة أن تملك الحق في التجريب والابتكار السردي، لنصل إلى آفاق جديدة في التعبير والأسلوب الفنيين.

كلمات مفتاحية
الـ22 ثقافة

التعليقات

المقال التالي