السينما الإيرانية: الجوهرة المخفية

السينما الإيرانية: الجوهرة المخفية

ليس غريباً أن يكون المخرج عباس كياروستامي (1940)، صانع فيلم "طعم الكرز" (1997)، الذي يحكي بجرأة عن فكرة الموت والانتحار، والحائز السعفة الذهبية في مهرجان كان Cannes السينمائي، هو الباب الذي عبر منه الغرب نحو اكتشاف السينما الإيرانية.

وفي الوقت الذي وصل فيه كياروستامي اليوم إلى العالميّة، يشقّ العديد من المخرجين الإيرانيين طريقهم، خارج إيران بأفلامهم "الممنوعة"، وداخلها بأفلامهم التي مرّت بسلام من تحت مقصّ الرقيب.

ولا يمكن تجاهل الحديث عن الثورة الإسلامية والنظام الحاكم في إيران، بمجرّد الغوص في تاريخ وحاضر السينما الإيرانية. والأكيد أنّه من الظلم تصنيف المخرجين الإيرانيين على أساس تأييدهم لنظامهم أو معارضتهم له، خصوصاً أن النموذجين اجتهدا في ظل ظروف رقابية قاسية جداً لتقديم أفلام حقيقية، نجحت في الوصول إلى العالمية وحصد العديد من الجوائز السينمائية المهمّة.

أقوال جاهزة

شارك غردعن سينما استطاعت أن تتميّز رغماً عن الرقابة

شارك غردتحدّى المخرج جعفر بناهي الرقابة الإيرانية وصور 3 أفلام أثناء إقامته الجبرية، هربها إلى مهرجانات عالمية

أسلوب واحد ونجاح واحد

بالرغم من أن الأفلام الإيرانية لا تخلو من التلميحات والإسقاطات السياسية العديدة، فإنه يمكن لكل متابعي ورواد السينما الإيرانية، وصفها بـ"سينما الإنسان". إذ تربط بين المخرجين الإيرانيين والشارع والناس والبساطة، علاقة قويّة، ما يؤكده الناقد السينمائي نديم جرجورة، في مقابلة مع رصيف22، معتبراً أن "اهتمام السينما الإيرانية ينصب في غالبيته على الإنسان وعلى طريقة حياته وثقافته، والمخرجين الإيرانيين قادرين على نقل قصص حقيقية من الشارع بأسلوب جذّاب، يُشعر المشاهد أنه يعيش داخل الفيلم، ومع شخصياته".

يعيش المشاهدون مثلاً في فيلم "أطفال السماء" للمخرج الإيراني مجيد مجيدي، حزن صبيّ فقير على إضاعته حذاء شقيقته.

السينما الإيرانية - فيلم "أطفال السماء" فيلم "أطفال السماء"

وفي فيلمه "باران"، مأساة فتاة جميلة تتنكر في زيّ شاب ليُسمح لها العمل في ورشة عمارة، لتتمكن من إعالة عائلتها. 

أمّا أصغر فرهادي، فيأخذ المشاهدين بجرأة أكبر إلى عالم متشعبّ من الأفكار الدينية والسلوكيات الاجتماعية في أفلامه الثلاثة "الرقص مع الغبار"، "انفصال"، "الماضي".

السينما الإيرانية - فيلم "انفصال" فيلم "انفصال"

يوضح جرجورة أن "المشترك في الأسلوب السينمائي بين المخرجين الإيرانيين، هو القدرة على تقديم فيلم سينمائي متكامل وعميق، بميزانيات قليلة، وصورة بسيطة، من دون أي إبهار أو خدع بصريّة". وينطبق معيار البساطة السينمائية على المخرجين الموالين، القادرين على تحصيل أموال طائلة من النظام، لصنع أفلام تناسبه، وعلى المخرجين المعارضين الذين قد يتهافت الغرب على تمويلهم لأسباب سياسيّة فـ"صنع أفلام بسيطة بالرغم من وجود إمكانات مادية كبيرة، هو ثقافة وأسلوب سينمائيّ صعب، يتميّز به المخرجون الإيرانيون"، يقول جرجورة.

ولتكامل هذه البساطة في أفلامهم، يلجأ معظم المخرجين الإيرانيين إلى اختيار أناسٍ عاديين، غير ممثلين، للعب أدوار البطولة. يؤكد جرجورة أنّ "المخرج يعرفهم جيداً إلى نصه ويدربهم ويعتمد نجاح الأمر على مدى براعته في إدارتهم واستفزازهم بطريقة تدفعهم إلى التمثيل بعفوية مطلقة".

كما أن للمخرجين الإيرانيين تجارب كثيرة ناجحة مع الأطفال، الذين يختارونهم للتمثيل في أفلامهم، "إنهم بارعون في التعاطي مع الأطفال، وجعلهم يقدمون بأجسادهم وأصواتهم أسمى وأجمل المشاعر"، يضيف جرجورة. وتعتبر أفلام المخرج مجيد مجيدي نموذجاً في براعة التمثيل، خصوصاً لدى الأطفال، كفيلميّ "أطفال السماء" و"لون الفردوس".

وقلما تجد مخرجاً إيرانياً يقدم فيلماً ليس من تأليفه. هو أيضاً أسلوب إيرانيّ مشابه لـ"سينما المؤلف"، التي راجت في فرنسا منتصف القرن العشرين. يرى جرجورة أن "سينما المؤلف هي جزء أساسيّ من تركيبة السينما الإيرانية، فمن يكتب النص قادر على إخراجه بطريقة أفضل، لأنه صاحب الفكرة ويعيشها في النص قبل أن يعيشها في التصوير".

من جهة أخرى، يستخدم معظم المخرجين الإيرانيين أسلوب "المسرح الكلاسيكي القديم"، الذي يقوم على وحدة الزمان والمكان، فيصوّر الفيلم كاملاً في مكان واحد وزمان محدود. كفيلم "شيرين" لعباس كياروستامي وفيلم "انفصال" لأصغر فرهادي. ويعتبر جرجورة هذا الأسلوب "لافتاً وجذاباً، ينجح المخرجون الإيرانيون بتقديمهم بطريقة غير مملة، وهو أمر يحتاج إلى براعة عالية".

عندما تفشل الرقابة

في الوقت الذي وجد فيه العديد من المخرجين الإيرانيين نجاحهم واستمرارهم تحت سلطة النظام، قرّر البعض الآخر الخروج من دائرة المحافظة على الخطوط الحمراء، إلى دائرة تخطيها بجرأة شديدة، متحدّين الرقابة. فكانت وجهة عملهم الطبيعية، إمّا الغرب (خصوصاً أوروبا)، أو الاستمرار في التصوير والعمل داخل إيران، لكنهم يقومون بتصدير أفلامهم إلى الخارج حالما ترفضها الرقابة. وإن كانوا يحافظون على أسلوب الإخراج نفسه الذي يعتمده زملاؤهم "الموالون"، فإنهم يتميزون عنهم بجرأة نصوصهم، ومعالجتها لمواضيع حساسة تمس الكثير من الممنوعات في إيران.

تدخل المخرجة الإيرانية رخشان بني اعتماد، إلى الحارات الضيّقة في إيران، لتصوّر نماذج مألوفة، ولكن ممنوعة من العرض، في فيلمها الأخير "قصص" (2014).

يتعرّف المشاهد في الفيلم إلى حياة شاب يسكر كثيراً، وآخر يدخن الحشيش. ويحكي الفيلم عن ظروف حياتية قاسية، أجبرت إحدى الفتيات على العمل في الدعارة، وعن شاب يعيش على أمل الهجرة من إيران، وعن امرأة تعاني من مرض الإيدز.

يعتبر جرجورة فيلم "قصص" من "أهمّ الأفلام الإيرانية الممنوعة، التي أضاءت على جوانب معتمة"، مشيراً إلى أن "الكثير من المخرجين الإيرانيين، قرروا تحدي النظام، وذهبوا بعرض أفكارهم وآرائهم إلى أبعد حدود".

السينما الإيرانية - جعفر

وقد دفع المخرج جعفر بناهي ضريبة تعبيره عن رأيه السياسي في العام 2009، حين قامت السلطات الإيرانية باعتقاله، بعد مشاركته في التظاهرات الداعمة للمير حسين الموسوي. فسجن لمدة ست سنوات، إلى أن حكم عليه بالإقامة الجبرية، وبمنعه من ممارسة مهنته كمخرج لمدة عشرين عاماً. قام بناهي بصنع ثلاثة أفلام سينمائية أثناء إقامته الجبرية وتهريبها إلى مهرجانات سينمائية عدة.

أظهر في فيلمه "هذا ليس فيلماً" (2011)، حياته في مسكنه منذ وضعه تحت الإقامة الجبرية، وانتقل إلى عرض حياة روائي يهرب من السلطات الإيرانية، في فيلمه "الستارة المغلقة" (2013)، الذي حاز جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان. وصولاً إلى أن تحوّل إلى سائق في فيلمه "تاكسي" (2015)، ليصوّر عبر كاميرا خفيّة يوميات سائق تاكسي، يجوب شوارع طهران، وأحاديثه مع الركّاب. وقد نال الفيلم جائزة الدب الذهبي لمهرجان برلين.

يمكن اعتبار تجربة بناهي مثالاً بارزاً على قدرة المخرجين الإيرانيين على تحدّي الرقابة، ومحاولة منعها من عرقلة تطور السينما الإيرانيّة، ودليل واضح على عجزها.

ففي الوقت الذي تمنع فيه أهم الأفلام من العرض داخل إيران، يقوم الإيرانيون بمشاهدتها بعد قرصنتها على الانترنت، لأنّهم شعب "مهووس بالسينما"، حسب تعبير جرجورة، ويتمّ عرضها في صالات العرض الأوروبية. وفي حين لا تكرّم إنجازات المخرجين الإيرانيين في بلدهم، تتسابق المهرجانات السينمائية الدولية على منحهم الجوائز.

برأي جرجورة "المخرجون الذين ينجحون في صنع أفلام رائعة إلى هذه الدرجة، في ظل رقابة شديدة وإمكانات بسيطة، أنقذوا السينما الإيرانية وجرّدوها من المشاكل والمطبّات". لذلك تبقى المشكلة الوحيدة، التي تعاني منها السينما في إيران "هي الرقابة التي يمكن لأي شعب يحبّ الحياة ويمتلك الإرادة أن يتجاهلها ليصنع سينما جميلة، وهو ما يتميّز به الشعب الإيراني، ويعجز عنه الشعب السعودي مثلاً".

الصورة الرئيسية من فيلم "الظرف" للمخرجة الإيرانية - الأمريكية مريم كيشافارز

كلمات مفتاحية
سينما

التعليقات

المقال التالي