"نهج الدباغين"، سوق الكتب التونسية الشهيرة، مهدّد بالزوال

"نهج الدباغين"، سوق الكتب التونسية الشهيرة، مهدّد بالزوال

في قلب الحي الأوروبي الذي شيدته فرنسا على مدى سبعين عاماً من استعمارها تونس، وغير بعيد عن مدينة تونس العتيقة التي نحتها العرب القادمون من المشرق قبل 13 قرناً، يقع شارع صغير يُسمّى "نهج الدَبَّاغين". كان هذا الشارع ولا يزال سوقاً شعبية تُباع فيها الكتب والمجلات القديمة، وشكّل طوال سنوات محجّة للمثقفين والأدباء والطلبة وعامة الشعب، شأنه شأن "سور الأزبكية" في القاهرة و"شارع المتنبي" في بغداد.

قبل أن تستوطنه تجارة الكتب القديمة، كان "نهج الدبَّاغين" مجرد زقاق على أطراف مدينة تونس العتيقة يضم دكاكين متخصصة في دباغة جلود الحيوانات. فقد كانت الدولة تُقصي بعض الصناعات والحرف، كالحدادة والدباغة، خارج سور المدينة أو إلى أطرافها.

اعلان


نهج الدباغين

ولاحقاً، مع قدوم الاستعمار الفرنسي وتشييده الحي الأوروبي، خارج المدينة القديمة، صار الزقاق أحد شوارع الحي الذي شُيّدت فيه عمارات سكنية ومحال تجارية. وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأ الشارع يتحول شيئاً فشيئاً إلى مكان يتجمع فيه باعة الكتب القديمة، وترافق ذلك مع افتتاح عدد من المكتبات في الشارع تبيع كُتباً قديمةً وجديدةً، ليتحول المكان مع مرور الوقت إلى سوق خاصة بالكتب.

زحف السلع الصينية

في الآونة الأخيرة، بدأت السوق تفقد وهجها. فقد أخذت بسطات الكتب في الانحسار في مقابل التمدد الكبير لبسطات السلع الصينية، وتحولت بعض المكتبات والدكاكين التي كانت مخصصة لبيع الكتب المستعملة إلى مطاعم ومحالّ لبيع الوجبات الخفيفة. لم يعد للكتاب في تونس سوق خاصة به، فقد تحول الشارع الصغير إلى سوق شعبية مختلطة، تحت وطأة التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والتطور التكنولوجي الهائل.

قبل سنوات قليلة، كانت بسطات الكتب تحتل أغلب أرصفة السوق وردهاته. في حديثه إلى رصيف22، رأى خالد، صاحب دكان لبيع الكتب والمجلات القديمة، أن "تجارة الكتب لم تعد مصدراً كافياً لكسب لقمة العيش، لذلك هجرها كثيرون نحو مهن أخرى. أصبح البعض بائعاً متجولاً لصنوف متنوعة من الأكلات الخفيفة، والبعض الآخر اتجه نحو العمل الوظيفي. فهنا، قد تُمضي يوماً أو يومين دون أن تبيع كتاباً واحداً".

عبد السلام جاء إلى العاصمة منذ 15 عاماً، قادماً من إحدى قُرى الشمال الغربي، وعمل في بيع الكتب في نهج الدَبَّاغين، لكنه ما لبث أن ترك السوق بحثاً عن آفاق أوسع ليتحول إلى العمل حارساً لأحد المستودعات في العاصمة. وقال عبد السلام: "إلى حدود العام 2005 كانت حركة البيع والشراء في سوق الكتب القديمة جيدة عموماً ويمكن أن تدرّ بعض الأرباح الطفيفة للباعة، ولكن بعدها هيمن الكساد على السوق وتعثرت حركة البيع كثيراً، بعد انتشار الإنترنت وتدهور أوضاع الناس الاقتصادية".

هذا الفراغ الذي تركته بسطات الكتب في الشارع، شغلته بسطات السلع الصينية. ساعات يدوية، أحذية، جوارب، تُحف وإكسسوارات مختلفة تملأ المكان.

وتحسّر طاهر الذي أمضى سنوات طويلة في السوق بائعاً للكتب القديمة، على الأيام حين كانت تعُج بالزبائن وقال: "ربطتنا عشرات الصداقات مع الطلبة والباحثين والشعراء والأدباء الذين كانوا يترددون إلى السوق بشكل دوري بحثاً عن الكتب النادرة والمراجع والمجلات القديمة. كنا نسعى من أجلهم إلى توفير ما يطلبونه وكانوا لا يبخلون بدفع مبالغ محترمة لقاء ذلك. كان للكتاب وهجه وقيمته، أما اليوم فقد تغيرت الأمور كثيراً. أصبحت الحركة داخل السوق ضعيفة جداً. يأتي الناس لتقليب بعض العناوين والكتب، ونمضي وقتاً طويلاً دون أن نبيع أي كتاب. وبعد أن كنا نشتغل منذ الصباح حتى المساء، أصبحنا نشتغل صباحاً فقط".

سوق نهج الدباغين

أزمة مجتمع لا أزمة قارئ

يُرجع الصحافي التونسي محمد بالطيب أزمة سوق الكتب القديمة إلى الوضع الاقتصادي والتغيرات الاجتماعية الجذرية التي حصلت في البلاد قبل بضع سنوات، والتي عمقتها ثورة يناير أكثر فأكثر. وقال لرصيف22: "لا أميل كثيراً إلى تبرير الأزمة التي تمر بها تجارة الكتب الورقية عموماً والقديمة خاصة بالقول السائد بأن الناس لم تعد تقرأ. صحيح أن معدلات القراءة في تونس والعالم العربي ضعيفة ومتدنية مقارنةً ببقاع أخرى في العالم، ولكن للعوامل الاقتصادية والاجتماعية دوراً كبيراً في هذا التدني. لا أستطيع أن أطالب مواطناً يلهث وراء لقمة مغمسة بالتعب والمشقة، وسط قدرة شرائية متدهورة وأزمة إقتصادية خانقة، أن يشتري الكتب أو أن يجد الوقت لتقليب أكداسها في نهج الدَبَّاغين".

وأضاف: "الثقافة والقراءة واقتناء الكتب تبقى نوعاً من الترف أو الكماليات التي يمكن أن نتخلى عنها في سبيل المحافظة على الوجود. وجود العائلة والفرد اليوم في تونس مهدد بالتفكك والتلاشي بسبب تعاظم الظلم الاجتماعي والطبقي. تونسي اليوم ليس تونس الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. تغيرت أمور كثيرة في نمط عيش الناس. أصبحنا نعيش داخل مجتمع استهلاكي تحكمه الشركات الكبيرة والميديا وهؤلاء هم مَن أصبح يصنع أذواق الناس وهواياتهم واهتماماتهم. لقد فقدنا ذاتيتنا".

الأرقام التي تصدر من فترة إلى أخرى حول معدلات القراءة في تونس ليست سلبيةً، أقله في ما يتعلق بالصحف والمجلات، فقد كشفت دراسة أجرتها شركة "سينوفات" المتعددة الجنسيات لأبحاث السوق، عام 2008 أن التونسي يقضي 35 دقيقة يومياً في قراءة الصحف والمجلات.

في المقابل يُرجع الصحافي والباحث التونسي، عبد الستار العايدي، تضاؤل حجم سوق الكتب القديمة في تونس وحجم الإقبال عليها إلى التطورات التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم. فأغلب الكتب القديمة بحسب ما قاله العايدي لرصيف22 "أصبحت متوفرة على شبكة الإنترنت وبشكل مجاني بخلاف الكتب الجيدة التي، وإن توفرت، ستكون على منصات البيع الإلكتروني، على الأقل عند إطلاقها أول مرة. لذلك يُصبح من الأفضل على المهتمين تحميل هذه الكتب على حواسيبهم أو على هواتفهم الذكية دون شرائها من بسطات نهج الدَبَّاغين العتيقة".

وأضاف: "حركة تطور المجتمعات السائرة إلى الأمام دوماً تفرض حتماً، كما في كل العصور، تلاشي الكثير من المهن والوظائف وأنواع من التجارة. أعتقد أن المستقبل سيكون لشبكة الإنترنت، والأمر هنا لا يقتصر على تجارة الكتب القديمة أو الجديدة بل ينسحب على كل أشكال النشر. الورق يتلاشى شيئاً فشئياً وحركة النشر تهاجر نحو الإنترنت. ستحلّ مكان هذه الأسواق المخصصة للكتب القديمة مواقع إلكترونية تقوم بالمهمة نفسها".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
الكتاب تونس

التعليقات

المقال التالي