أين اختفى جميع اليهود الذين نجحوا كفنانين في البلدان العربية؟ (الجزء الأول)

أين اختفى جميع اليهود الذين نجحوا كفنانين في البلدان العربية؟ (الجزء الأول)

في مقال نُشر في هاآرتس وحمل عنوان "رجوعاً إلى العصر الذهبي، أين اختفى جميع اليهود الذين نجحوا كفنانين في البلدان العربية"، كتب الصحافي والمخرج، من أصل مصري، إيال ساجي بيزاوي، عن رحلته في البحث عن الفنانين اليهود في الدول العربية، وتحديداً عن الفنانين الشعبيين، الموسيقيين والسينمائيين والممثلين، الذين امتلأت بهم الدول العربية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. كتب عن احتمال وجود "ثقافة يهودية عربية" كانت قائمة بالفعل في وقت سابق وانتهت الآن. ينشر رصيف22 المقال على جزأين نظراً لمساحته الكبيرة.

قبل نحو أسبوعين تحدث عضو الكنيست أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، في حفل تجمع أعضاء الكنيست من أجل الحفاظ على التراث الثقافي ليهود البلادان العربية والإسلامية وتطويره، وقال: "ثقافة يهود البلدان العربية، اليهود العرب، هي مفتاح لإمكانية أخرى. لماذا لا نتكلم عن ثقافة يهودية وعربية مرتبطة، مشتركة؟ فثقافة يهود البلدان العربية لم تكن فقط ثقافة طائفية وتقليدية لهذه الطوائف المحددة، وإنما كانت أيضاً جزءاً من ثقافة الحيز العربي كله".

بالطبع، يمكن لكلمات من هذا النوع تقال في أيامنا، حتى لو كانت على لسان عضو كنيست عربي، أن تجر باقة من الردود المستهزئة واللامبالية. سيكون هناك من اليمين من يقولون مجدداً إنه "ليس هناك ما يسمى باليهودي العربي (بالضبط مثلما أن ليس هناك شعب فلسطيني)، وبتلويحة يد سيلغون وجود ثقافات من مئات السنوات.

ومن اليسار سيكون هناك من يسخرون ويرفعون حاجباً بخصوص الخطاب الثقافي المنشغل بالموسيقى والمسرح، والذي لا يتضمن كلمات هامة مثل "جنتريفيكيشن" Gentrification، "فصل"، و"هيومان رايتس" Human Rights. على الصف النقيض، بالطبع، هناك خوف من أن يستخدم لاجؤو مهرجان "شنتيفي" Shantipi، ومهرجانات روحية أخرى على اختلافها، كلمات أيمن عودة مجدداً لإثبات أنه مع القليل من أم كلثوم وكأس عرق، يمكن الوصول للسلام العالمي.

أقوال جاهزة

شارك غردرحلة بحث الكاتب الصحافي والمخرج من أصل مصري، إيال ساجي بيزاوي، عن الفنانين اليهود في الدول العربية

ولكن لو وضعنا جانباً للحظة الاستهزاء، والنظرات الرومانسية الدبقة، فكلمات عودة مؤثرة، تثير الأمل، وبشكل لا يقل عن هذا، فهي مهمة أيضاً. بالفعل كانت الثقافة اليهودية العربية موجودة على مدار مئات السنوات. وهي تواصل الوجود في أماكن محددة، جزر معزولة في المحيط القومي الصاخب. وفي أماكن أخرى، لا تقل صخباً وعصفاً، كان لها بهاء، رغم خطاب الفصل والتمييز الشائع. ليس بفضله، ولا مرة كان بفضله.

يمكن العودة إلى الماضي البعيد: إلى أيام الجاهلية، وإلى الشعراء اليهود الذين كتبوا قصائد بالعربية, مثل السمؤال بن عادياء (شموئيل بن عديا)، من القرن السادس الميلادي، الذي أشار إليه عودة نفسه في كلماته. كذلك ابن وحفيد السمؤال اللذين كانا شاعرين هما أيضاً. يمكن العودة إلى ما هو معتاد تسميته "الجيل الذهبي"، مئات السنوات التي ازدهرت فيها ونمت ثقافة يهودية عربية في أسبانيا تحت حكم الإسلام.

ولكن يمكننا أيضاً العودة إلى الماضي القريب، إلى الثقافة العربية اليهودية التي كانت موجودة منذ عقود معدودة فحسب، إلى الشعر والأدب والمسرحيات والصحف المكتوبة باللغة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وفي النصف الأول للقرن العشرين على يد يهود في البلدان العربية المختلفة، ومنهم المسرحي والصحافي اليهودي المصري يعقوب جيمس صنوع، الشاعر، الصحافي والقضائي اليهودي القرائي مراد فرج (من مصر)، الأدباء والشعراء اليهود العراقيين أنور شاؤول، مراد ميخائيل، ويعقوب بلبل، وأدباء إسرائيليين كتبوا بالعربية، مثل سمير نقاش من العراق وموريس شماس من مصر. وهذا ليس إلا نذر يسير من قائمة طويلة، تمتد على مدار مئات السنوات وعلى حيز هائل.

هؤلاء، سواء أحببنا هذا التصنيف الهوياتي أو لم نحب، سواء اتفقنا معه أو انتقدناه، كانوا يهوداً عرباً. في العصر ما قبل الإسلامي بالتأكيد، ولكن يبدو أنه حتى في العصر قبل القومي أو حتى القومي في مهده، لم تكن هناك أي مشكلة مع هذا التصنيف.

كان هؤلاء مبدعون يهود كتبوا بالعربية، خاطبوا المسلمين، المسيحيين واليهود على حد سواء، وساهموا بكتابتهم وأفعالهم في تطور الشعر والأدب العربي كله. يمكن الزعم أن إسهامهم للثقافة العربية كان مهماً وجميلاً بشكل عام. ففي الزمان والمكان الذي لم يعرف فيه غالبية السكان القراءة والكتابة ظل تأثيرهم مقيداً نسبياً، محدوداً بأوساط المثقفين والمتعلمين، ولكن كانت هناك ساحات ثقافية أخرى، أكثر شعبية.

قبل أن يقام المسرح الحديث في العالم العربي، وبالتأكيد قبل اختراع السينما، يبدو أن الموسيقى، بما فيها القصائد الملحنة، كانت الساحة الثقافية الشعبية وشبه الحصرية التي عمل وأبدع فيها اليهود على مدار السنوات. التلصص على سلسلة كتب "طوائف إسرائيل في الشرق"، ليد بن تسيفي يرينا إسهام كل طائفة في ثقافة بلدها والثقافة العربية بشكل عام.

أسهم منشدون وموسيقيون يهود في المغرب، كما يكتب يوسف شطريت في كتاب عن يهود المغرب، كثيراً في تطوير تقاليد الموسيقى الأندلسية، "موسيقى الآلة"، المعدودة بوصفها الموسيقى الكلاسيكية للمغرب، بدءاً من القرن السادس عشر. وخاطب هذا كل السكان وليس فقط أبناء الطائفة اليهودية. فقصائد النساء اليهوديات في المغرب، التي انتقلت على مدار الأجيال من الأمهات إلى بناتهن، تأثرت كثيراً بمواضيع دينية إسلامية، بما فيها الإشارة إلى الحج لمكة أو للأعياد الإسلامية، من دون أن ترى النساء المغنيات في هذا داعياً للشعور بالعيب. بالنسبة إليهن، على ما يبدو، لم يكن في هذا أي تهديد لهويتهن اليهودية.

من نهاية القرن التاسع عشر فصاعداً، بفضل تطوير وسائل التوزيع الأكثر تقدماً (الجرامافون، الراديو، السينما وغيرها)، اتسع تأثير الثقافة الشعبية. مكان اليهود، وخصوصاً النساء اليهوديات، في إبداع وتطوير هذه الثقافة العربية الشعبية، مثير للاهتمام ومهم بشكل خاص، تحديداً لأنه أيضاً، وكتفاً إلى كتف، تطور الخطاب القومي الذي يقوم بالفصل والتصنيف.

على خطى توجو مزراحي

قبل سنوات، عندما بدأت في زيارة القاهرة بشكل منتظم، كنت أبحث عن أي مادة ممكنة، تسجيلات، أفلام، تقارير صحفية، أدب، عن المغنية والممثلة اليهودية الشهيرة ليلى مراد.

مثلما في عائلات يهودية مصرية كثيرة، فعندنا أيضاً تطايرت قصص عن قرابة عائلية بها، عن العمة التي كانت تخيط فساتين من أجل النجمة المحبوبة، عن أقارب كانوا عندها في البيت وعن جدة صديقة كانت تقرأ لها الفنجان. وبالفعل، لم يكن صعباً العثور على مواد في خصوصها، وتقريباً فكل مصري، سواء يهودي أو غير يهودي، كان يستطيع أن يحكي لي عنها.

لو كانت قصة ليلى مراد معروفة، كما كُتب عنها الكثير في إسرائيل، فمن خلال عمليات البحث هذه لم أستطع إلا الإعجاب بالدلائل على الوجود البارز لليهود في السينما، في المسرح والموسيقى في مصر. كانت مراد الأشهر بين الجميع، ولكنها بالتأكيد لم تكن الوحيدة.

هكذا، على سبيل المثال، فالمخرج الذي تسبب أكثر من الجميع في شهرة ليلى مراد كان يهودياً اسمه توجو مزراحي. ولد مزراحي في الأسكندرية عام 1901 لعائلة ثرية من أصل إيطالي. في مقال عنه نُشر قبل أسابيع في موقع الإعلام والأخبار العربي "رصيف 22"، كُتب أن مزراحي عُد المخرج المصري الأول الذي تعلم السينما في الخارج، ومن رواد صناعة السينما في مصر ومن أحجار الأساس فيها. أخرج مزراحي سلسلة من الأفلام قامت مراد ببطولتها في الأربعينيات، وحملت كلها اسم "ليلى"، مثل "ليلى بنت الريف"، و"ليلى بنت الفقراء". قبلها بعقد كان مزراحي المخرج المصري الأول الذي أخرج سلسلة أفلام، وقام ببطولتها جميعاً بطل محلي اسمه "شالوم". كانت هذه مجموعة من الأفلام الكوميدية، مثّل فيها ممثلون يهود، مسلمون ومسيحيون، هذا لجانب ذاك، مجسدين شخصيات من أبناء الطوائف المختلفة.

كان اكتشاف مزراحي بالنسبة إلي، كما أدركت فيما بعد، بداية رحلة: رحلة لاكتشاف طابور من الممثلين، خصوصاً الممثلات اليهوديات الأخريات اللائي مثلن في السينما المصرية، في الأساس منذ الثلاثينيات حتى الخمسينيات. ولكن بعضهن استمر أيضاً في الستينيات، السبعينيات وحتى الثمانينيات. ممثلون وممثلات لو كانوا جزءاً من صناعة السينما الهوليودية، فمن البديهي افتراض أن كثيرين في إسرائيل كانوا ليعرفون أسمائهم ويفخرون بهويتهم اليهودية. ولكن هؤلاء على ما يبدو كانوا عرباً أكثر من اللازم.

تحولت هذه الرحلة أيضاً إلى بحث محموم عن أقارب لهؤلاء الممثلين والممثلات، بعضهم يسكنون هنا في إسرائيل، يحتفظون في حقائبهم بألبومات صور وفيها يظهر أقاربهم إلى جانب نخبة ممثلي السينما والموسيقيين. وبشكل عارض وصلت حينها، قبل سنوات، إلى مزال مشولام، ابنة أخ مزراحي. في الفترة التي لم يكن فيها إنترنت أو فضائيات، جمعت كل أفلام عمها التي نجحت في العثور عليها.

سمع يهود من أصل مصري أنني بدأت في البحث عن الموضوع، واستدعوا من ذاكرتهم أسماء لمبدعين آخرين. بعضهم كانوا يعرف بوجود أقارب في مكان ما في العالم، وعرف آخرون هذا فعلاً وساعدوني على خلق علاقة بهم. هكذا وصلت أيضاً إلى ابن عم توجو مزراحي، جابي إشكنازي.

كان إشكنازي يبلغ أكثر من تسعين عاماً حين التقيته. استقبلني في منزله في عكا، وهو جالس في الفناء على كرسي يشبه كرسي المخرج، وكاسكيتة على رأسه. بدا لو كان هو نفسه يخرج مشهداً له في هذه اللحظة. واتضح أنه ليس فقط ابن عم، بل عمل كمساعد لمزراحي في 15 من الأفلام التي أخرجها.

حتى الآن ظل صعباً في مصر تتبع أحداث حياة الممثل، الذي لعب دور شالوم، ولم يكن واضحاً حتى اسمه الحقيقي. من قام بدور شالوم، كما حكى لي إشكنازي، كان ليون أنجل، يهودي بسيط عمل كموظف في بلدية الإسكندرية وضمه مزراحي إلى أفلامه. شخصية أخرى مهمة في الأفلام هي فيكتوريا، امرأة يهودية، قامت بدورها عمة مزراحي، فيكتوريا فارحي، التي تكلمت في الأفلام بالعربية المصرية الخاصة باليهود.

أخرج مزراحي ما يزيد عن 30 فيلماً مصرياً، بعضها يوضع في قائمة فخر السينما المصرية، وبعض الأفلام الأخرى باليونانية، بدعوة من الطائفة اليونانية في الإسكندرية. الفيلم الأخير الذي أخرجه كان "سلامة"، بطولة أم كلثوم، قبل أن يعتزل عام 1946 صناعة السينما. في المقال المنشور في "رصيف 22" كُتب أنه بعد إقامة دولة إسرائيل، اتُهم مزراحي بالميل إلى الصهيونية. ثم ترك مصر عام 1949 وهاجر إلى إيطاليا، ومات هناك عام 1986.

بفضل إشكنازي، اكتشفت ممثلاً يهودياً آخر في السينما المصرية، هو إلياس مؤدب، وعثرت على ابنة أخيه عن طريق الصدفة في شمال إسرائيل. ولد مؤدب في القاهرة لعائلة من أصل لبناني، وفي الأفلام الكثيرة التي مثل فيها، وكان بعضها إلى جانب الكوميديان المعروف إسماعيل ياسين، قام بدور اللبناني، ذي اللكنة الشمالية وطريقة الكلام الخنفاء. مات في سن صغيرة من السرطان ودُفن في القاهرة. مثل إشكنازي، كذلك يحتفظ أقارب مؤدب الذين يعيشون في إسرائيل بألبومات عائلية، فيها صور له مع نجوم السينما المشاهير، وهناك في مصر بالتأكيد من يقدرهم.

اليهودية الجديدة

يبرز بشكل خاص ويثير الاهتمام، المكان المركزي الذي احتلته النساء اليهوديات في الثقافة الشعبية العربية. يمكننا بالطبع إرجاع هذا لأنه لدى اللقاء بالتحديث وقيم الغرب، التي وصلت المنطقة سوياً مع الاستعمار، تحسن أيضاً وضع النساء في المجتمع. وببطء استطاعت النساء الحصول على التعليم، والعمل خارج البيت وما إلى ذلك.

في هذه الفترة نشر الأديب والمثقف المصري قاسم أمين كتابه "تحرير المرأة" (1899)، وبعده "المرأة الجديدة" (1901)، والمزيد والمزيد من الأديبات والصحفيات المصريات بدأن في الكتابة ونشر كتبهن.

مع هذا، فالعلاقة بالمرأة المسلمة، بمقارنتها بالعلاقة مع المسيحية واليهودية، ظلت أكثر تحفظاً. كان الأمر متعلقاُ بالطبع بالموضوع الاجتماعي والاقتصادي وبالتعليم. ولكن بشكل عام في هذه السنوات لم يكن من الشائع ظهور نساء مسلمات متزوجات على العامة من دون مرافقة رجل من العائلة، وبالتأكيد لم يكن شائعاً ظهورهن على المسرح.

على ما يبدو، المسلمات لم يظهرن على المسرح في مصر حتى بداية القرن العشرين، لكن المسرح المصري أقيم عام 1870 (على يد يعقوب جيمس صنوع)، وتطلّب ممثلات. وإن لم يكن مسلمات، فقد كانت هناك اليهوديات والمسيحيات. بدأت هؤلاء في الظهور على المسرح إذن منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

كانت الممثلة اليهودية الأبرز مريم سماط، المولودة في سوريا، واعتبرت إحدى الممثلات المصريات الأوائل، وشقت الطريق لجميع الممثلات اللائي جئن بعدها، مثل ميليا ديان، ألمظ إستاتي، سرينا إبراهيم، الأختان جراسيا وصالحة قاصين، إستر شطاح وأخريات.

ممثلتا مسرح عملتا في فترة أكثر تأخراً، هما نجوى سالم وفيفي يوسف. عرفتُ الأولى بفضل دورها في فيلم "حسن ومرقص وكوهين" (1954)، الذي قامت فيه بدور سمحة، ابنة كوهين اليهودي.

مثل ليلى مراد، اختارت نجوى سالم البقاء في مصر حتى بعد أن رحلت كل عائلتها. استمرت في الظهور على المسرح المصري، وفي أفلام سينما ومسلسلات تلفزيونية عدة. قرب نهاية السبعينيات عانت من أزمات نفسية، وأنفقت الحكومة المصرية على علاجها. عام 1978 مُنحت شهادة تقدير من الدولة، بمبادرة من الرئيس السادات نفسه على ما يبدو.

في لقاء مع ابن أخي نجوى سالم، إيلي سالم، الساكن في أسدود، اتضح لي أنه أيضاً يحتفظ في بيته بألبومات صور لعمته، وتحوي مجموعة صور مع نجوم السينما والمسرح المصريين. من بينها صورة مع نجيب الريحاني، كبير الكوميديين المصريين في القرن العشرين، ومع ماري منيب، الكوميدية المعروفة، والتي اشتهرت بدور الحماة العابسة الذي اعتادت تأديته.

في الحوار معه قال سالم، مثل إشكنازي ومثل جميع الأقارب الآخرين للمبدعين والمبدعات اليهود، إنه يشعر أنهم بالتحديد في مصر يذكرون عمته ويحترمونها أكثر مما في إسرائيل، دولة اليهود. مع هذا، فقد أزعجه أنهم في المصادر المصرية يشيرون إلى أن نجوى سالم أسلمت. في رحلتي التالية إلى مصر، التقيت بمن كانت رئيسة الطائفة اليهودية هناك، المرحومة كارمن وينشتاين، وأكدت أن سالم توفت ودُفنت كيهودية.

أما الممثلة الثانية فلم أعرفها أبداً. اعتاد صادق، وهو صاحب محل كتب مستعملة في القاهرة، على أن يجمع من أجلي مواداً أرشيفية، واتصل بي في أحد الأيام ليحكي لي أن صندوقاً قد يثير اهتمامي وصله. ذهبت إلى المحل، الموجود في حي السيدة زينب، وفتح الرجل أمامي علبة مكدسة، كانت تحوي كروتاً وخطابات وصوراً لممثلة يهودية اسمها زهرة يوسف نسيم، واسم الشهرة، فيفي يوسف.

صحيح أن يوسف، كما يبدو، شاركت في أفلام سينما قليلة، لكنها مثلت كثيراً في المسرح، في فرقة رمسيس ليوسف وهبي. سافرت على مدار السنوات مع فرقة المسرح لتعرض في العراق، تونس، المغرب، سوريا وبلدان عربية أخرى. ومنها جميعا كانت ترسل صورة أو كارت.

واصلت العيش والإبداع في مصر (آخر فيلم شاركت فيه عرض عام 1993)، والحيز العربي. ومن الصور يلوح أنها أيضاً تزوجت وأنجبت أطفالاً. مع هذا، حين ماتت في القاهرة عام 1995، لم يكن هناك تقريباً من يخرج ممتلكاتها من بيتها، ووصل صندوق الصور هذا إلى محل صادق. عندما نقبت في الصور التي في العلبة، وجدت من بين ما وجدت بطاقة تمثيلها، الصادرة عام 1991، وصوراً لها بصحبة يوسف وهبي وعبد الحليم حافظ، وصوراً من البلدان العربية، وكذلك من زيارة عائلية إلى القدس، يبدو أنها جرت في وقت ما في الثمانينيات. في الصورة تقف على خلفية مدخل المدينة "مرحباً في القدس".

لم أستطع منع نفسي من حيازة صندوق الصور هذا. اخترت صوراً عدة، وفي كل الفرص المتاحة لي عرضتها، على أمل العثور على أقاربها في إسرائيل. ولكن حتى الآن لم أجد من يطلب الصندوق، ويبدو أنه ليس هناك من يعرف شيئاً عن هذه الممثلة.

ممثلات يهوديات كثيرات أخريات ظهرن في المسرح والسينما المصرية. مثل راقية إبراهيم (واسمها الأصلي راشيل ليفي)، التي ارتابوا في الخمسينيات من نشاطاتها الصهيونية، ومع هذا تُعتبر في بلدها ممثلة مصرية وجزءاً من العالم الثقافي المصري في عصرها. كاميليا الجميلة، واسمها الأصلي ليليان كوهين، واستطاعت في أربع سنوات من العمل التمثيل في 18 فيلماً، قبل أن تُقتل في حادث طائرة في 1950. وهناك من يزعم أن الملك فاروق، الذي كانت لها على ما يبدو قصة غرام معه، هو من دبر تصفيتها.

ونجمة إبراهيم، التي مثلت أدوار النساء المتصلبات، وأحياناً النساء السيئات، وعُرفت بفضل دورها في فيلم "ريا وسكينة" (1953)، عن الأختين القاتلتين. بقيت إبراهيم هي أيضاً في القاهرة حتى موتها عام 1976، ومثلها أيضاً الممثلة فيكتوريا كوهين وأخريات.

 

لم يكن اليهود في السينما المصرية أكثرية، ولم يكن لجميعهم دور حاسم في تاريخ الصناعة هناك. ولكن بمقارنة نسبتهم في الإسكندرية، فإن حضورهم كان بارزاً بشكل خاص. حتى اليوم، حين لم يعد هناك تقريباً يهود في مصر، يثير الاهتمام اكتشافنا وجود أحفاد لليهود في السينما والإعلام هناك، وصحيح أنهم لم يبقوا على يهوديتهم، لكنهم أيضاً لا يخفون أصولهم: هكذا على سبيل المثال الممثلة والمذيعة بسمة، حفيدة المحامي اليهودي القرائي يوسف درويش، وهو من مؤسسي الحزب الشيوعي، والممثل الشاب كريم قاسم، ابن نادية هارون، أخت رئيسة الطائفة اليهودية اليوم، ماجدة هارون، وحفيد المحامي الشيوعي أيضاً، شحاتة هارون.

التعليقات

المقال التالي