القصور الصحراوية في تطاوين التونسية حيث صُوّر فيلم Star Wars

القصور الصحراوية في تطاوين التونسية حيث صُوّر فيلم Star Wars

كلما توجهت جنوباً في تونس فارقت الصورة النمطية لتونس "الخضراء". ففي أقصى الجنوب ترقد محافظات الصحراء في صمت بعيداً عن ضجيج المدن الصاخبة. هناك، لا تزال الحياة بسيطة والناس أقرب إلى الأرض، في طعامهم ولباسهم وسلوكهم اليومي. فقد اعتادوا منذ قرون التأقلم مع مناخهم القاسي، ومع حالة الندرة في كل شيء، حتى الماء والطعام. ويتجاوز سلوك التأقلم مع البيئة الصحراوية الغذاء إلى العمارة، فقيظ الصيف وزمهرير الشتاء يحتاج منهم تدبيراً محكماً لمساكنهم.

في هذه الظروف، ابتكر سكان الجنوب التونسي طابعاً معمارياً فريداً، هو القصور الصحراوية. وللوهلة الأولى يظن القارئ أنها قصور فخمة كتلك التي يسكنها الملوك والأمراء، غير أنها في الحقيقة مجرد قلاع بسيطة البناء لعبت دوراً أساسياً في استمرار وجود قبائل المنطقة منذ قرون حتى النصف الأول من القرن العشرين. وقد كانت تؤدي وظائف أمنية واقتصادية واجتماعية في مجتمع "شبه زراعي رعوي" متنوع الأعراق. هذه القصور تنتشر العشرات منها على امتداد المنطقة وعددها يساوي عدد القبائل.

القصور الصحراوية في تطاوين التونسية - صورة 1

خصائص العمارة

يمتد القصر الصحراوي أفقياً على مساحة تراوح بين الهكتار والهكتارين، ويرتفع عمودياً من طابقين إلى أربعة طوابق. تختلف القصور من حيث الارتفاع والمساحة بحسب كبر القبلية وتعداد أفرادها ومقدار إنتاجها الزراعي. وتتميز القصور الأمازيغية بوجود "معصرة زيت الزيتون"، كما هو الحال في "قصر شنني" و"قصر قطوفة".

الداخل إلى القصر، تستقبله البوابة الكبيرة المصنوعة من خشب النخيل والمحصّنة بقفل حديدي ضخم يحرسه خفير مكلف من مجلس القبيلة. بعد تجاوز البوابة، نجد "السقيفة" وهي ممر طويل مسقوف بخشب النخيل ويسمّى في اللهجة المحلية "سنور". يقود الممر إلى فضاء واسع مفتوح، أرضيته مرصوفة بالحجارة الملساء ويسمى "الصحن" وهو الساحة المركزية للقصر، وعليها تطلّ كل الغرف والطوابق، وفيها كان مجلس أعيان القبيلة يعقد جلساته التي تناقش شؤون القبيلة. ويتحول "صحن" القصر أحياناً إلى محكمة لفض النزاعات القائمة بين أفراد القبيلة.

أما الغرف فتُشيّد بعضها فوق بعض وبسقف على شكل قبة، وذلك لاعتبارات مناخية. فالغرفة معدة لتخزين المواد الغذائية ويجب أن تحافظ على درجة حرارة مناسبة لوظيفتها، ومن شأن القبة أن تعكس أشعة الشمس بعيداً عنها بخلاف السقف المسطح الذي يترك مجالاً لحرارة الشمس كي تستقر فوقه.

ويتم الصعود إلى الغرف العالية عن طريق أدراج مشيدة بينها، أو بتسلق أخشاب النخيل المثبتة في حيطان القصر. ولا يقل عدد الغرف في القصر الصحراوي عن الـ30 غرفة، وقد يصل إلى 500 غرفة. أما المواد المستخدمة في البناء فكلها مستخرجة من البيئة المحلية، كالجبس والحجارة وخشب النخيل، وتعكس تناغماً كبيراً بين سكان المنطقة وبين بيئتهم.

القصور الصحراوية في تطاوين التونسية - صورة 2

هرباً من الغزاة والجوع

نشأت القصور الصحراوية في سياق تاريخي يتسم بالصراع بين القبائل في المنطقة. بحسب المؤرخ التونسي، منصور بوليفة، يعود تاريخ بناء بعض القصور إلى 12 قرناً خلت. وقال لرصيف22: "ابتكرت القبائل الأمازيغية هذا الطابع المعماري وشيّدت قصورها على أعالي الجبال هرباً من الغزوات التي كانت تتعرض لها من القبائل العربية التي وصلت إلى المنطقة مع زحف قبائل بني هلال وبني سليم القادمة من المشرق العربي إلى شمال أفريقيا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي".

ولفت إلى أن "وظيفة هذه القصور تحوّلت إلى تخزين الطعام. فكانت الغرف تقسم بين عائلات القبيلة حيث تودع داخلها محاصيلها السنوية من القمح والشعير والتمور وزيت الزيتون. وفي القرون المتأخرة، توجهت القبائل العربية في المنطقة إلى محاكاة النموذج الأمازيغي في التخزين، فأنشأت لها قصوراً، غير أنها اختارت السهول لتشيدها. وقد ساعدت القصور الصحراوية القبائل العربية على التخلي عن حياة البداوة والتنقل بحثاً عن مواطن الرعي وسهلت لها أسباب الاستقرار".

القصور الصحراوية في تطاوين التونسية - صورة 3

وأضاف بوليفة: "شكل القصر ركناً مركزياً في إستراتيجية الأمن الغذائي لقبائل المنطقة، من العرب والأمازيغ. فالمناخ الصحراوي لم يكن يجود عليهم بكثير من الأمطار كل سنة. وكانت مواسم الخصب نادرة، والقبائل تستغلها لإنتاج أكثر ما يمكن من الحبوب والزيوت والتمور التي تستقر في غرف القصر العالية بعيداً عن الغزاة وحترازاً من مواسم القحط والجفاف. كان ذلك دأب الأهالي إلى حدود النصف الأول من القرن العشرين".

ولاحقاً، أصبح القصر الصحراوي يفقد قيمته الاقتصادية والاجتماعية شيئاً فشيئاً، في مواجهة عجلة الزمن وبناء الحواضر والمدن وتغير عادات العيش والغذاء لدى سكان المنطقة. وترافق ذلك مع نجاح الدولة الحديثة في تفكيك البنية القبلية ولو بشكل نسبي.

منتج سياحي وثقافي

قادت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المنطقة إلى تحويل وظيفة القصر من مجرد مخزن غذائي إلى موقع أثري يساهم في تطوير القطاع السياحي. فبعد الاستقلال (1956)، توجهت الدولة التونسية إلى التركيز على القطاع السياحي كإحدى الرافعات التنموية للبلاد، وعممت سياسة استغلال الإمكانات المحلية، الأثرية والمناخية والطبيعية، لمختلف الجهات.

في هذا السياق، تم استثمار القصور في السياحة الصحراوية، فرُمّمت العشرات منها واستُحدث مهرجان دولي يحتفي بها يقام خلال الربيع. بل إن بعضها قد تحول إلى استوديوهات تصوير لأفلام عالمية، لعل أشهرها الجزء الأول من فيلم حرب النجوم Star Wars للمخرج الأمريكي جورج لوكاس George Lucas الذي جرى تصويره سنة 1997 في قصر الحدادة، الذي بُني أواخر القرن التاسع عشر، شمال محافظة تطاوين. وقد حققت المنطقة من وراء ذلك شهرة واسعة جعلت منها قبلة لآلاف السياح كل عام، خاصةً بعد أن حولت السلطات المحلية مكان تصوير الفيلم إلى مزار، محافظةً عليه كما تركته الشركة المنتجة.

القصور الصحراوية في تطاوين التونسية - قصر الحدادة

بعد انتفاضة يناير 2011 وما تبعها من تدهور للوضع الأمني والاقتصادي في البلاد، تضرر القطاع السياحي التونسي بشكل كبير، وخاصة في المحافظات الجنوبية التي صنفتها سفارات عدة مناطق محظورة على رعاياها. تراجعت مساهمة القصور الصحراوية في المداخيل السياحية، حتى أن أحد المسؤولين المحليين في مديرية السياحة في محافظة تطاوين قال لرصيف22 في إجابته عن سؤال عن هذه المساهمة: "لا شيء، صفر مليم".

وفي المدة الأخيرة، تسعى مؤسسات ثقافية وسياحية رسمية ومدنية إلى محاولة إنقاذ هذا المنتج التراثي من خلال إلحاقه بالقائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو.

نشر الموضوع على الموقع في 03.06.2015

 

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
تونس سياحة سينما

التعليقات

المقال التالي