اليأس العربي: لحظة مناسبة لاستعادة السريالية المصرية

اليأس العربي: لحظة مناسبة لاستعادة السريالية المصرية

مارس 1941، وبينما كانت القوات النازية الألمانية تبسط سيطرتها على باريس، وتحرق لوحات الفن الحديث، أقيم في القاهرة، تحديداً في بناية الإيموبيليا في شارع شريف (المدابغ سابقاً)، المعرض الثالث للجماعة السريالية المصرية المعروف باسم الفن الحرية. وفي وقت يخيم شبح اليأس على العالم كله، يقدم المعرض 23 فناناً مصرياً وأجنبياً، منهم رمسيس يونان، كامل التلمساني، إيمى نمر، عايدة شحاتة، إيزاك ليفي، صادق محمد، وفؤاد كامل. وفي المنشور الدعائي يكتب جورج حنين، بارون الحركة السريالية عالمياً ومؤسس جناحها الشرقي في مصر: "رغماً عن الكوارث الظاهرة التي تتبدى في كل مكان اليوم، نثابر على التفكير في قوى التحريض والدفع التي تجذب الإنسانية نحو عرض البحر أي نحو المستقبل". يختم جورج حنين تقديمه للمعرض بفقرة تظل صالحة للحظتنا اليائسة الراهنة، وتعبر عن جوهر الحركة السريالية ومشروعها: "اليأس لا ينتظر أبداً. اليأس متدفق. اليأس يدفع الأبواب. اليأس يهز المدن. اليأس إعصار تنمو تحته العوالم الخارقة للخلاص".

الطاقة والإرادة اللتان امتلكهما جورج حنين وجماعته التي نشأت في بلد كان يصفها بأنها "قادرة على تبديد كل أمل وكل يأس"، هي جوهر المشروع السريالي. وربما لهذا في لحظة خراب مماثلة لما عاشه حنين، تغزوها المؤامرات العظمى الكونية، وداعش التي تهدم وتحرق المتاحف، وتصالح القوى الديمقراطية العظمى مع أنظمة فاشية بستائر دينية كإيران أو السعودية، تبرز الحاجة لاستعادة حنين وجماعته. إذ تعتزم  مؤسسة الشارقة للفنون، بالتعاون مع معهد دراسات الحداثة المقارنة في جامعة كورنيل، وبرنامج الثقافات البصرية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، تنظيم مؤتمر دولي بعنوان "السرياليون المصريون من منظور عالمي"، يعقد في 26  نوفمبر المقبل. كذلك يستضيف مركز بامبيدو الثقافي العام المقبل في باريس معرضاً ضخماً عن تاريخ الحركة السريالية المصرية من إعداد سام بردويلي.

صاحب النظارة السوداء

السريالية المصرية - صاحب النظرة السوداء جورج حنين

ولد جورج حنين في 20 سبتمبر 1914، لأم إيطالية وأب دبلوماسي مصري هو صادق حنين. تلقى الجزء الأكبر من تعليمه في المنزل، إذ كانت العائلة دائمة التنقل بين العواصم الغربية. وفي سن الخامسة والعشرين تخرّج من جامعة السوربون بثلاث شهادات: ليسانس في الحقوق، وفي الآداب، وفي التاريخ. في هذه الفترة كان جورج يجيد الكتابة بالفرنسية، والعربية، والإنغليزية، والإسبانية، والإيطالية أحياناً. لكنه سيختار الفرنسية في بداية حياته لغة تواصل مع الحركة الثقافية في باريس، والنخبة الفرانكفونية في مصر. سيعود حنين إلى مصر مرتدياً نظارته السوداء التي تحجب عينيه دائماً، سينجذب إلى الحركة السريالية، التي كانت توجهاً جديداً ضد محاكاة الواقع، فقد اتجه الفنانون إلى السيكولوجيا وعالم الأحلام، لإنتاج صور هزلية أو خيالية، بتعبير أندريه بريتون Andre Breton، أحد مؤسسي الحركة السريالية: "ليست السريالية وسيلة جديدة أو أسهل للتعبير، وليست بمثابة ميتافيزيقيا للشعر، بل هي وسيلة شاملة للتحرير الكامل للعقل ولكل ما يماثله".

السريالية المصرية - جورجحنين جورج حنين

سيراسل جورج حنين أندريه بريتون في يناير 1936، وسيتلقى رداً زاخراً بالحماسة منه في أبريل من العام نفسه. حماسة تجعل بريتون يقترح على جورج حنين أن يكون جناحاً للحركة السريالية في القاهرة. ستلتف حول حنين مجموعات متنوعة من الفنانين والفنانات والشعراء والكتاب، معظمهم من الطبقة الوسطى المتعلمة، ومن خلفيات سياسية متباينة، أحدهم أحمد راسم الشاعر وكاتب القصة القصيرة ونائب حاكم القاهرة آنذاك ومحافظ بور سعيد بعد ذلك، إلى جانب فنانين بوهيميين بأحلام كبيرة، ككامل التلمساني وفؤاد كامل.

ستتشكل هوية المجموعة في عدد من البيانات، كبيان "يحيا الفن المنحط" الذي سيصدرونه رداً على دعوات الفاشية التي أتت من أوروبا لتحاصرهم في القاهرة. وهي تتمثل في حركتين أساسيتين: مصر الفتاة، والإخوان المسلمين. وكمحاولة للمقاومة ستؤسس المجموعة في الأربعينيات من القرن الماضي مقراً لها في شارع شريف في وسط البلد، وستبدأ بعقد الندوات، وإقامة المعارض والانفتاح على العالم.

السريالية المصرية - لوحة فؤاد كامل لوحة لفؤاد كامل

وجهت الكثير من الاتهامات للحركة السريالية المصرية، في محاولة لطمس إسهاماتها، منها الاتهام"الانفصال عن الواقع"، أو كونها "حركة مستلبة ثقافياً". إلا أن المراجع لتراث المجموعة، يرى كيف كانوا فاعلين في المشهد المحلي، الذي لم يكن آنذاك يقتصر على اللغة العربية، إذ كانت الفرنسية والانغليزية من لغات الطبقة الوسطى. كذلك أقامت الجماعة عدداً من الندوات باللغة العربية، وأصدرت مجلة التطور التي كتب فيها حنين باللغة العربية، ودافعت عن المذاهب العقلانية ضد الخرافات، وحملت شعار "نحن نؤمن بالتطور الدائم والتغيير المستمر".

الانفصال عن السريالية دفاعاً عن الفرد

سارت حياة جورج حنين الخاصة في مسار لا يقل تعقيداً عن حياته العامة، فقد وقع في حب إقبال العلايلي أو "بولا" كما يناديها أصدقاؤها، وهى حفيدة أحمد شوقي. ولكون حنين مسيحي، استلزم ارتباطهما معركة صغيرة لتحدي القواعد الاجتماعية، انتهت بتمرد جورج على أبيه ومغادرته منزل العائلة في روض الفرج، والتوقف عن العمل مع والده في شركة المياه. عمل في وظيفة مدير لشركة جناكليس للسجائر، وهي الوظيفة التي بقي فيها حتى مغادرته مصر.

السريالية المصرية - Gulperie Eflatoun بعدسة جورج حنين Gulperie Eflatoun بعدسة جورج حنين

مع نهاية الحرب العالمية الثانية تلقت الحركة السريالية في مصر ضربات عنيفة من الحكومة، التي صنفتها جماعة شيوعية، وتم القبض على الكثير من أعضائها، وتعرض بعضهم للفصل من وظائفهم. في الوقت نفسه كانت الحركة عالمياً تواجه الكثير من الانشقاقات والصراعات. سافر جورج إلى باريس عام 1947، إذ حاول أندريه بريتون توريطه ليصبح سكرتيراً في الحركة السريالية عالمياً، في محاولة يائسة من بريتون للقضاء على الانشقاقات في الحركة. جوهر الخلاف في السريالية كان محاولة الأحزاب الشيوعية الأوروبية ذات الميول الستالينية، فرض سيطرتها على الحركة، وهو ما كان يرفضه بريتون وحنين، اللذان رآيا في ستالين "وحشاً جديداً لا يقل بشاعة عن وحوش الفاشية". لكن اختيار بريتون كان توحيد الحركة العالمية بشكل رأى حنين أنه قد يحولها إلى حزب سياسي، لا حركة فنية.

السريالية المصرية - كامل التلمساني بريشة جورج حنين كامل التلمساني بريشة جورج حنين

في 26 يوليو 1948 سيكتب جورج حنين لأندريه بريتون: "أكتب هذه السطور بلا ميل إلى الدعاية أو الغيظ،  قررت ترك الجماعة التي لا أنكر فضلها". سيتبدد بعد ذلك عقد الجماعة في مصر، وتغلق الحكومة مطابع ومكاتب ومقارٰ الجماعة.

وبعد ثورة يوليو تم طمس تاريخهم من التاريخ الثقافي المصري. كامل التلمساني، الذي انتقل إلى الإخراج السينمائي، لم يجد له مجالاً مع تأميم صناعة السينما في عهد عبد الناصر، فهاجر إلى لبنان، حيث عمل مع فيروز والأخوين رحباني في تنسيق وإخراج المسرحيات. بينما تقدم رمسيس يونان للحصول على منحة تفرغ، فرفض عباس العقاد وأم كلثوم طلبه بحجة أن ما يرسمه ليس فناً. وجورج حنين عاش في عزلة في منزله في الزمالك. وكتب حنين قصيدة بعنوان "ذو الوجه السينافوري" منتقداً جمال عبد الناصر، وكاد أن يتعرض لمضايقات، لكن صداقته مع جاره ثروت عكاشة، أحد الضباط الأحرار ووزير الثقافة بعد ذلك حمته. لكنه لن يتحمل أكثر، فيهجر مصر متنقلاً بين عدد من العواصم الأوروبية حتى وفاته.

أحمد ناجي

كاتب وصحفي مصري، يعمل في مجال الصحافة الثقافية منذ 2004. صدر له روايتان، روجرز (2007) واستخدام الحياة (2014).

كلمات مفتاحية
ثقافة فن مصر

التعليقات

المقال التالي