عن الكهنة والكهانة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

عن الكهنة والكهانة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

اتخذهم عرب الجزيرة قبل الإسلام منبئين عن الغيب، كاشفين للأسرار، متنبئين بالمستقبل، ومحكّمين في ما غمض. إنهم فئة "الكهان" الذين تنكشف أمامهم الحقائق، بحسب معتقدات الناس آنذاك.

لم تكن قبيلة لتخلو من بعضهم، فقد كانوا ضرورة للحكم في المسائل التي تصل إلى طريق مسدود وتحتاج إلى حل غيبي، ولتنبيه القوم من الأخطار المحدقة. ونظراً إلى تكرار تحقق ما يقوله الكاهن، كان العرب يثقون به ويلجؤون إليه في مختلف الشؤون.

اعلان


مَن هم كهنة العرب القدماء؟

هم يختلفون عن فئة الكهنة في مصر وبابل واليونان. فكهنة هذه الحضارات القديمة كانوا مرتبطين بالآلهة والمعابد وكانت الكهانة منصباً دينياً بحتاً. بينما لم تقتصر كهانة العرب على طبقة معينة ولا ارتبطت بإله خاص. كانت موهبة تظهر عشوائياً عند بعض الأشخاص الذين يمتلكون حظوة لدى السماء والجن والكائنات الغيبية.

وكان الكاهن يمتلك مواهب خاصة، كالفراسة والحكمة والقدرة على صياغة أقواله في شكل أدبي مسجوع أنيق. ولهذا انتشر مصطلح "سجع الكهان". وكان يرتبط بكل كاهن "تابع" أو "ولي"، وهو جنّي يأتيه بالأخبار عن الغيبيات الماضية والحاضرة، أو بأخبار المستقبل وذلك من خلال استراقه السمع من السماء. لذا كان الكاهن في بعض الأحوال يقول لمَن يلجأون إليه: "موعدنا الغد حتى ألقى تابعي وأسمع منه". وسنقدم إليكم بعض نماذج كهان العرب الذين ذكرت أخبارهم كتب التاريخ العربي، مع العلم أن هذه الأخبار تمزج بين الحقيقة والأسطورة.

الكاهن الذي افتتح صراع بني هاشم وبني أمية

كان هاشم بن عبد مناف، جد بني هاشم، مثالاً للكرم والشرف ونجدة الملهوف، وكان سيداً في قومه. أثار ذلك غيرة أمية ابن أخيه عبد شمس، فدعا عمه للمنافرة، وهي عادة قديمة يقوم خلالها كلّ من الخصمين بذكر مكارمه ليرتفع عن الآخر ويقضي بينهما حكم يختارانه.

في البداية ترفّع هاشم عن المنافرة. ولكن إصرار أمية دفعه إلى الموافقة، فتوجها إلى الكاهن الخزاعي، واتفقا على أن مَن يخسر المنافرة عليه تقديم خمسين ناقة من ماله والرحيل عن مكة منفياً عشر سنوات.

ومن دون أن ينتظر الكاهن بدء المتنافرين بالكلام سارع وقال: "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أو منه وآخر". فغضب أمية وصاح به: "من انتكاث الدهر أن جعلناك حكماً"، ولكنه خضع للحكم وقدم الإبل ورحل عن مكة إلى الشام عشر سنوات كانت ذات أثر في تمهيد الأوضاع هناك لبني أمية لتصبح دمشق بعد ذلك عاصمة حكمهم. وكانت هذه بداية المنافسة المريرة بين بني هاشم وبني أمية.

الكاهن الذي وقف في صف عبد المطلب بن هاشم

وكما لعبت الكهانة دورها لمصلحة هاشم، لعبته مجدداً لمصلحة ابنه عبد المطلب. فعندما اختصم بنو ثقيف مع عبد المطلب حول بئر له في الطائف احتكموا إلى كاهن اسمه عزي. وليختبروا براعته، خبأوا رأس جرادة في خرزة مزادة معلقة بقلادة يرتديها كلب اسمه سوار، وقالوا للكاهن: "خبأنا لك شيئاً فأخبرنا عنه"، فأجاب: "خبأتم شيئاً طار فسطع، فتصوب فوقع في الأرض منه بقع"، فقالوا: "أوضح"، فقال: "هو شيء طار فاستطار، ذو ذنب جرار وساق كالمنشار ورأس كالمسمار"، ولما طلبوا توضيحاً أكثر قال: "خبأتم لي رأس جرادة في خرزة مزادة في عنق سوار ذي القلادة"، فاستشاروا الكاهن في ما اختلفوا فيه، فقضى لعبد المطلب بالحق في البئر.

الكاهن الذي أنقذ والد النبي من الذبح

عندما أراد عبد المطلب إعادة حفر بئر زمزم، وكانت قد ردمت، تصدت له قريش لأن حفره للبئر سيرفع من مقامه أكثر بين الناس. امتعض من ضعفه ونذر أن يذبح أحد أبنائه قرباناً للآلهة لو رُزق عشرة أبناء يكوّنون له عصبة. ولما تحققت أمنيته، ضرب بينهم القرعة فجاء اسم عبد الله، فتقدم به للإله هبل لينحره عنده.

وهنا ثار إخوة عبد الله وغضب أخواله من بني النجار، وحاول سادة قريش أن يثنوا عبد المطلب عن قراره فاتفقوا على الاحتكام إلى كاهن في يثرب. سألهم الكاهن "كم فدية الرجل منكم؟" فقالوا "عشرة من الإبل" فقدم المخرج من المأزق: "ارجعوا إلى بلادكم، وقرّبوا عشراً من الإبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم القداح فإن خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً، حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربُّكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداء". وهذا ما كان فأنقذ عبد الله.

الكاهن الذي تنبأ بملك معاوية بن أبي سفيان

كانت هند بنت عتبة بن ربيعة متزوجة من رجل اسمه الفاكه بن المغيرة كان يفتح في داره مضيفة لعابري السبيل. وذات مرة جاء عابر سبيل وكان الفاكه خارج البيت فأدخلته هند إلى المضيفة، ولما جاء زوجها اتهمها بالزنا مع الرجل.

ولأن توجيه اتهام كهذا لابنة سيد قريش لم تكن لتمرّ مرور الكرام، كان لا بد من الاحتكام إلى كاهن. أخذ عتبة ابنته إلى أحد كهنة اليمن، ولما اقتربوا من داره بان الاضطراب على هند وقالت: "إنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب فلعله يخطئ فيضيع شرفي"، فقرر عتبة أن يختبر الكاهن فخبأ حبة قمح في العضو الذكري لفرسه وسأل الكاهن عما خبأه فأجاب: "حبة من بر في أحليل مهر". فأدخل عتبة هند وجلست بين بعض النساء، فتقدم الكاهن وصار يضرب كتف بعضهن قائلاً: "قومي" حتى وقف أمام هند وقال: "قومي غير زانية، ولتلدين ملكاً اسمه معاوية". فلما تأكد الفاكه من براءة زوجته تقدم معتذراً فدفعته قائلة: "إليك عني! إني لأرجو أن يكون هذا من غيرك"، وفارقته لتتزوج أبا سفيان، وتنجب معاوية، وتدور الأيام لتتحقق النبوءة.

الكاهنة التي تنبأت بانهيار مملكة سبأ

يقال إنها كانت زوجة ملك سبأ اليمنية، ويقال إنها كانت كاهنته فقط. تقول قصة الكاهنة طريفة إنها كانت نائمة فجاءها في المنام مَن يسألها إن كانت تفضل ابناً تفخر به أم علم غيبي تشتهر به، فاختارت العلم، فمسح مَن جاءها رحمها فأصيبت بالعقم، واستيقظت لتصبح أشهر كهنة عصرها.

وفي ليلة حلمت أن سحابة ضخمة غطت أرض اليمن وانطلقت منها الصواعق لتحرق كل الشجر، فلما استيقظت فسّرت هذا الحلم بخراب الدولة وانهيارها، فرحلت الطبقة الحاكمة عن اليمن وتفرقت، وأشارت طريفة لكل فئة منها بنبوءاتها، فتوجهت الأولى إلى منطقة ماء غسان في الشام وأقامت دولة الغساسنة، وأقامت الفئة الثانية دولة المناذرة في العراق، بينما توجه الآخرون إلى يثرب ليقيموا قبيلتي الأوس والخزرج. ثم تحققت النبوءة بانهيار سد مأرب وسقوط دولة سبأ، وقامت بعدها دولة حمير اليمنية.

شق وسطيح، وارثا كهانة طريفة

عندما شعرت طريفة بدنو أجلها أمرت جواريها بأن يبحثن عن رضيعان ولدا تواً في يوم احتضارها. وكان قد ولد مولودان مشوّهان، أحدهما اسمه "شق" وكان نصف مكتمل، أي كان له عضو واحد فقط مما يكون للمكتمل منه اثنان، والآخر اسمه "سطيح" وكان بلا عظام في جسده عدا الجمجمة، فكان يقال أنه يطوى كما يطوى الثوب.

جيء بالوليدان إلى الكاهنة فنفخت في فم كل منهما، وقالت للنساء ألا يرضعنهما فقد كفاهما هذا. وهكذا كانت مراسم انتقال الكهانة من طريفة إلى خليفتيها. ومع الوقت، صار شق وسطيح أشهر كهنة اليمن بل وجزيرة العرب، ووصلت شهرتهما إلى كسرى ملك فارس.

وفي أحد الأيام، حلم الملك بأن حمماً بركانية تخرج من صخور سوداء فتحرق كل شيء، وعندما استيقظ كان قد نسي تفاصيل حلمه. فاستدعى كلاً من الكاهنين على حدة وسأله عن حلم رآه فأفزعه فنساه. أنبأ كل منهما الملك أنه رأى حمماً تخرج من حجارة سوداء، وعندما طلب الملك التفسير كان ردهما واحداً: "ستغزو الحبشة اليمن".

أفزعت الإجابة الملك فطلب منهما أن يعطياه تفاصيل أكثر عن هذه النبوءة، فزادا نبوءة شخصية بأن الأحباش سيغزون اليمن في عهد ملك قادم غير صاحب الحلم، وأنهم سيبقون فيها عقوداً ثم يطردهم أحد أبناء رجل اسمه ذي يزن. وتدور الأيام، ويتسبب اضطهاد الملك الحميري يوسف ذو نواس للمسيحيين في استفزاز مملكة الحبشة فتغزو بلاده وتسقط دولته، ثم بعد عقود يخرج سيف بن ذي يزن ثائراً ويتحالف مع الفرس لطردهم.

نهاية الكهانة

تداخلت الكهانة مع مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية لعرب شبه الجزيرة ولكن وظيفتها بدأت تنحسر تدريجياً مع مجيء الإسلام الذي حرّمها باعتبارها خروجاً على الإيمان، خصوصاً أن أعداء الرسول خلطوا بين نبوّته والكهانة. وتقول بعض التفسيرات الدينية إن الأتباع من الجن فقدوا القدرة على استراق السمع من السماء.

ولكن رغم مرور نحو 14 قرناً على تحريم الإسلام هذه الممارسة، فقد عرفت طريقها إلى المجتمعات المسلمة في أشكال أخرى كـ"الشيخ المبروك" و"صاحب الاطلاع على عالم الجن" و"فاتح المندل" وغيرها.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

التعليقات

المقال التالي