كيف يعمل مزاج الجمهور؟ أبلة فاهيتا نموذجاً

كيف يعمل مزاج الجمهور؟ أبلة فاهيتا نموذجاً

أخيراً حصلت قناة "سي بي سي" المصرية وشركة "جاي دابليو تي" على جائزة التيتانيوم من مهرجان كان ليونز الأشهر في صناعة الإعلانات، بسبب إبداع شخصية أبلة فاهيتا. وذلك بعد عرض موسم كامل من برنامجها "أبلة فاهيتا لايف من الدوبلكس"، على شاشة القناة وعبر شركة الإنتاج. لكن قبل ذلك بسنوات، شقت الدمية طريقها الخاص عبر عالم الـSocial Media.

كانت بداية الدمية في العام 2010 بمقطع حمل عنوان "أبلة فاهيتا". بعد خمس سنوات وصل عدد مشاهداته إلى 615 ألفاً. كانت هذه النسخة، وما تلتها من نسخ، منتجة بروح الهواة، وحملت تحذيرات بأن المنتج "غير مصنف لجميع المقاسات من الجنسين، مع الاحتفاظ بجميع حقوق الإنسان والنشر". كذلك حملت بعض النسخ تحذيرات أخرى مثل: "هذه النسخة تم تصديرها من الخارج دعماً لهوجة تبادل الثقافات وتصفح الانترنت"، وغيرها من الأهداف التي لن يفهمها إلا مستخدمي الانترنت.

اعلان


كان المنتج غير مصنف بالفعل، فالدمية ليست جزءاً من فقرة ساحر، أو صانع دمى. بل كان حضورها كشخصية، مثلها مثل أي مستخدم للانترنت، لديها حساباتها المختلفة على مواقع التواصل المختلفة Twitter ،Facebook ،YouTube ،Instagram.

لأبلة فاهيتا حكايتها الخاصة، أرملة تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المصرية، في حي مصر الجديدة الراقي في القاهرة. لها ابنة واحدة هي كارولين، ورضيع اسمه بودي. تورد مصطلحاتها الأنثوية الخاصة، وتضيف التاء المربوطة إلى جميع الأسماء لتؤكد خصوصية لغوية، وصارت الدمية تتمتع بحضور طاغ. لكنها مع دخولها إلى الوسيط الجديد، بدأت تفقد جاذبيتها لدى جمهورها القديم، إذ بدأت الشكوى من أداء وحضور الأبلة في التلفزيون، بعد أن أصبحت الدمية نجمة "الدوبلكس".

دراما التحول

كان للتحوّل حكاية درامية، إذ ظهرت بداية مع الملحن المصري حسن الشافعي لتروي عبر مقطع فيديو  تعرضها لحادث سقوط مروحة السقف عليها، وهذا ما جعل فاهيتا تخضع لجراحة تجميلية. بعد ذلك ظهرت بشكل جديد يناسب تحوّلها لأيقونة تجارية جاذبة.

الدمية أبلة فاهيتا

فرض التحوّل ضوابطه، وشروطه ورقابته، حتى أن ما يبث الآن على حسابات فاهيتا في الـSocial Media، يكون في صيغته المتلفزة، وهو لا يتفق مع مزاج من تعوّد النسخ الإلكترونية القديمة من فاهيتا مثلاً!

حين بدأ الموسم الأول من برنامج "الدوبلكس" في أبريل الماضي، ظهرت الدمية خلال 11 حلقة، كواجهة لبرنامج أبطاله ضيوف وشخصيات من مشهد الإعلام الواسع أو الفن. عدا أن حضور الدمية، عبر هذا الوسيط الجديد، جعل الصنّاع أكثر تورطاً في الشأن العام، كما تخلت الدمية عن دورها في صناعة عالم نخبوي وافتراضي جداً. لا نجد أرملة من البرجوازية المصرية في حي مصر الجديدة الراقي في العاصمة، بل نسخة مُعدلة وآمنة من باسم يوسف. كانت الأبلة نموذجاً يدافع عن أسلوب حياة محدد.

 من داخل مسرح باسم يوسف

ما سبق يفتح الباب للتساؤل حول وجود خسائر عند الانتقال من وسيط إلى آخر، غير توسع دائرة المشاهدة وزيادتها، مثل تنوع الفئات العمرية، خصوصاً من الجمهور البعيد عن الانترنت. لو تأملنا هذا الأثر في حالة الإعلامي المصري الساخر باسم يوسف، نجد أن صوت الصافرة كان من علامات برنامجه "البرنامج" الذي يعرض على التلفزيون، لتبين فرق جديد بين Youtube الذي شهد الظهور الأول لباسم في 2011. الصافرة كانت مرادفاً لكل لفظ لا يسمح به على التلفاز، لكن بقي أن مادة البرنامج كانت تستفيد من نقاش مستخدمي الانترنت. الرابط مع عالم الـSocial Media ظل قائماً، لكن لم يفكر يوسف في العودة لإنتاج برنامجه على Youtube خصوصاً بعد تأزم موقفه مع مجموعة "سي بي سي" المصرية في الموسم الثاني من برنامجه أو مجموعة أم بي سي السعودية، في موسمه الثالث والأخير.

علماً أن تكلفة الظهور على وسيط مثل التلفزيون أكثر خطورة، فقد تردد أن أسباب توقف الموسم الأخير يعود لضغوط على المجموعة السعودية المنتجة، كما تحدث باسم عن تعرضه لتهديدات، وحدث ذلك بالتزامن مع ترشح عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة.

أبلة فاهيتا

أما في حالة الدمية فاهيتا، فقد تمّ تقديم الموسم الأول في مسرح راديو، الذي سبق أن قدم منه "البرنامج". تأمّل حلقات "الدوبلكس" يكشف عن نقد غير سياسي، يتناول موضوعات اجتماعية من دون التخلي عن النضج الخاص بأرملة لم تعد تتصنع الخجل، مثلما عودتنا فاهيتا. لكن يبدو أن باسم كان قد وصل إلى سقف هذا الوسيط، حين قدم برنامجه في المسرح. بينما لم ترفعه البطلة الجديدة، إذ لم يشعر رواد هذا المسرح من جمهور فاهيتا أن السقف كان ينخفض حلقة وراء أخرى، بينما كان الجمهور القديم متنبهاً لذلك، بتعليقاته الفاترة حول ما يحدث في الدوبلكس.

أن تكون غير عادي

لو أردنا وصف جمهور الـSocial Media أو الكتلة الأكبر منه، فإن هذا الجمهور لا يعبر عن مزاج سياسي محدد، قد ينتمي قطاع كبير منه إلى معسكر ثورة 2011، وما تلاها من احتجاجات. لكن السمة الجامعة له أنه مزاجي، وقد يدافع عن هذه المزاجية بشكل عنيف، لما يمنحه التفاعل عبر الانترنت من خصوصية وحرية، خصوصاً أن هذا الحضور يمكن صناعته وتضخيمه وحتى تزييفه.

جمهور قلق، والنقد هو السمة المحركة لهذا القلق. هناك عناية بوضع سمات تميز هذا الجمهور من غيره، ليكون غير عادي، يتميز من جمهور التليفزيون، والنخبة المشغولة بهموم الحراك الاجتماعي والسياسي، بخلاف الشعب المشغول بلقمة العيش. كما يهمه أن يتميز من العائلة والأكبر سناً، وليكون الأنشط ضمن حزب الكنبة فيما بعد. وهو حاضر في الأساس لأنه يستطيع التعبير عن نفسه، هذا القطاع الواسع لم يوجد إلا بفضل الانترنت. لهذا تعدّ السمة المميزة له أنه افتراضي، جمهور موجود إذا كان متصلاً، ولا يمكن توقع تصرفات أفراده إذا تم فصل هذه الخدمة عنه، مثل لحظة نزول الجماهير في 28 يناير 2011 بعد قطع خدمات الانترنت وإيقاف شبكات الاتصالات.

في حالة الحملات الإصلاحية على الانترنت لا تكون المعارك محسومة بالنجاح دائماً، فقد يخرج البعض عن الهدف المرجو ويتحول الأمر إلى السخرية المُرة، لأنه ليس قطيعاً أو تياراً مسيساً، ولا يمكن إغفال سمات مثل الذاتية أو الفردانية، خصوصاً أن حضوره عبر حسابات شخصية، أي لكل واحد طريقته وأسلوبه، لكنه يعبر عن أطياف متقاربة في المزاج إلى حد ما.

جمهور لا يخفي تململه السريع، ولا يتوقف عن البحث عما هو أحدث. لكن ما ينتقل من هذا الوسيط إلى آخر، مثل الأبلة فاهيتا، لا يعيش من دون وسيطه القديم، إذ لا يمكن الاستغناء عن معارك ونقاشات وتعبيرات صنّاع المزاج الافتراضي، لأن هذه الصلة أقرب إلى الحبل السري.

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
YouTube ثقافة مصر

التعليقات

المقال التالي