طريق اللؤلؤ، مشروع بحريني يوثّق لمهنة عمرها 40 قرنًا

طريق اللؤلؤ، مشروع بحريني يوثّق لمهنة عمرها 40 قرنًا

على مقربةٍ من العاصمة المنامة، تقع جزيرة المحرّق (أو كما سمّاها الإغريق أرادوس)، العاصمة والمركز السياسي القديم للبحرين. يربط هذه الجزيرة بالجزيرة الأم، عدا الجسور الثلاثة، تاريخٌ وحكايات تبقى شاهدة على عراقة أزقتها الضيقة، التي تحتفظ حتى يومنا هذا بشواهد للحياة في “خليج ما قبل النفط”.

“طريق اللؤلؤ”، الممتدّ على مسافة 3.5 كيلومترات بدءًا من هيرات (مغاصات) اللؤلؤ بالقرب من ساحل قلعة بوماهر وصولاً إلى قلب جزيرة المحرّق، يأخذ الزائر في رحلة توثق تاريخ حقبة زمنية في البحرين ومنطقة الخليج العربي كان اقتصادها يعتمد على اللؤلؤ. يوضّح طريق اللؤلؤ أيضاً للزائر المسار الذي يعيشه اللؤلؤ البحريني من لحظة خروجه من قاع البحر حتى وصوله إلى الأسواق العالميّة، وقد حاز لذلك موافقة «لجنة التّراث العالمي» باليونسكو في دورتها الـ36 عام 2012، لاعتباره ثاني موقع للتراث العالمي في المملكة (بعد قلعة البحرين التي تمّ تسجيلها ضمن القائمة في العام 2005). وقد اعتبرت اللجنة أن «الموقع هو ما تبقى من الماضي للتقليد الثقافي لصيد اللؤلؤ والثروة المتولّدة عن طريق الهيمنة على اقتصاد الخليج (من القرن الثاني إلى العام 1930 عندما صنّعت اليابان اللؤلؤ الصناعي). كما أنّه يشكل مثالاً بارزًا للاستخدام التقليدي للموارد البحرية والتفاعل البشري مع البيئة، ويشكّل أيضاً الاقتصاد والهويّة الثقافية للمجتمع في الجزيرة».

اعلان


طريق اللؤلؤ - قلعة بوماهر الساحليّة حيث يبدأ طريق اللؤلؤ (عام 1840)

قلعة بوماهر الساحليّة حيث يبدأ طريق اللؤلؤ (عام 1840)

شاهدٌ على اقتصاد الجزيرة

جاء أول وصف لعملية الغوص على اللؤلؤ في «ملحمة جلجامش» السومريّة، أي قبل ما يقارب 4000 عام، في جزئية زهرة الخلود التي يعتقد الباحثون أن المقصود بها هو اللؤلؤ، وذلك خلال الحديث عن أرض دلمون الأسطورية (التي كشفت البحوث الأثرية أنّها البحرين اليوم). وشكّل اللؤلؤ لسنواتٍ طويلة أساسًا لاقتصاد مجتمعات عاشت وتاجرت فيه.

طريق اللؤلؤ - الصائغ الفرنسي جاك كارتييه في البحرين أثناء رحلته إلى منطقة الخليج بحثاً عن اللآلئ النادرة (عام 1911)

الصائغ الفرنسي جاك كارتييه في البحرين أثناء رحلته إلى منطقة الخليج بحثاً عن اللآلئ النادرة (عام 1911)

يُسهم في سرد حكاية اللؤلؤ ثلاث "هيرات" ومركز للمعلومات، و17 موقعًا أثريًا تمّ إعادة توزيعها على 11 مجمعاً، يوضّح كلّ منها أحد فصول الحكاية، من حياة الغوّاص إلى تجارة اللّؤلؤ، مروراً بكلّ التّفاصيل الحيويّة التي تتّصل فيما بينها على طول ثلاثة كيلومترات.

انطلاقًا من شاطئ بوماهر، حيث مركز معلومات القلعة (يضمّ مجسّمًا يعرّف الزائر بكلّ المعلومات التاريخيّة والبيوت التي سيمرّ بها مسار طريق اللؤلؤ)، نمرّ ببيت الغوص، ثم بيت الجلاهمة وبيت بدر غلوم للطبّ الشعبي، ثم بيت يوسف العلوي، وبيت فخرو، وبيت ومجلس مراد، وبعض المحالّ والعمارات في سوق القيصريّة، كعمارة يوسف عبد الرحمن فخرو، وراشد فخرو، ثم بيت النّوخذة، ليحطّ أخيرًا ببيت ومسجد سِيادي. فيَروي بذلك أخباراً عن أشهر ألقاب العاملين في إنتاج اللّؤلؤ كالطوّاش والغوّاص والنّوخذة والسِّيب وغيرهم، ويروي كذلك حكايات أخرى عن صور الحياة البحرينيّة القديمة، كمرآةٍ تعكس هوية المجتمع المتأصّلة.

طريق اللؤلؤ - بيت الغوص الذي يكشف للزوّار تفاصيل حياة الغوّاصين خلال عصر اللؤلؤ المتأخر

بيت الغوص الذي يكشف للزوّار تفاصيل حياة الغوّاصين خلال عصر اللؤلؤ المتأخر

“حان وقت العمل!”

بعد طول انتظار، اعتمد مجلسا النوّاب والشورى منذ أيام مشروع القرض الميسّر من البنك الإسلامي للتنمية، وذلك لاستكمال مشروع طريق اللؤلؤ الذي تعمل على إنجازه هيئة البحرين للثقافة والآثار. وقد أتى ردّ الهيئة سريعًا، بـ“حان وقت العمل!”، بعد ترتيبات وخطط زادت مدّتها على أربع سنوات.

بالإضافة لكونه يحافظ على الخصوصية الأثرية والتراثية للموقع، سيُسهم المشروع بشكلٍ كبير في تنمية مدينة المحرّق وإعادة الحياة إليها عبر إدارة المشهد الحضري فيها، إذ تحتوي الاتفاقية بين مملكة البحرين والبنك الإسلامي للتنمية على مجموعة من المخرجات، منها ترميم 15 مبنى تاريخياً مسجّلاً على قائمة التراث العالمي ضمن طريق اللؤلؤ، وترميم 12 مبنى آخر فائقة القيمة من أجل إعادة تأهيلها في وظائف تنموية مجتمعيّة، وتحسين واجهات 750 منزلاً مطلاً على الطريق وإنشاء 19 ساحة عامّة مفتوحة.

طريق اللؤلؤ - بيت ومسجد سيادي

بيت ومسجد سِيادي، آخر محطات المسار ومن المقرّر أن يكون المتحف الرئيسي للّؤلؤ

تراثنا ثراؤنا

جرت العادة أن تحتفي البحرين سنويًا بلقب أو شعار معيّن، فبعد أن كانت عاصمة للثقافة العربية في العام 2012، وعاصمة للسياحة العربية في 2013، وعاصمة للسياحة الآسيويّة في 2014 بالإضافة لتخصيصها العام نفسه للفن تحت شعار “الفنّ عامنا”، أعلنت أنّ عام 2015 تم تخصيصه للاحتفاء بالتراث البحريني تحت عنوان “تراثنا ثراؤنا”.

وكمبادرة إضافية، أُطلق “جواز عبور السياحة الثقافية” لتشجيع المواطنين والمُقيمين والزائرين على اكتشاف حضارة وإرث البحرين، وهو دليل يتضمّن 21 محطة ثقافية تتيح للزوار التعرّف على أبرز المواقع التاريخية والتراثية في المملكة، ومسابقة ثقافيّة سياحيّة سيكون الفائزون فيها على موعدٍ مع جوائز تنتقل بهم إلى مواقع ثقافية في بلاد عربية أو عالمية أخرى.

طريق اللؤلؤ تأكيدٌ آخر على رغبة المملكة الخليجيّة الصغيرة في لعب دور أكبر في ميادين الثقافة والسياحة الثقافيّة، ليس محليًا فقط… بل إقليمي أيضًا. ومع أن البعض يعتبر أنّ التوقيت غير مناسب للبدء بالمشروع، في ظل وجود عجز بالميزانية العامّة للدولة ودَينٍ عام وصل لمرحلة خطيرة، ونظراً لتكلفة المشروع التي تصل إلى ما يقارب 70 مليون دولار أمريكي، يؤكد البعض الآخر أنّ للمشروع عائدات اقتصادية كبيرة تتحقّق من خلال قيمته السياحية العالمية، بالإضافة لكونه أحد أبرز المشروعات الحيوية في مدينة المحرّق القديمة.

التعليقات

المقال التالي