مراجعة لرواية “طقس”

مراجعة لرواية “طقس”

يُدخل الكاتب السوداني "أمير تاج السر" قارئ روايته الجديدة "طقس" إلى صلب عملية الإبداع الروائي، من خلال شخصية روائي شهير عمل مدرّساً للرياضيات ثم استقال متفرغاً للكتابة.

تبدأ الرواية بعودة الروائي من رحلة في "ماليزيا" إلى بلاده مختزناً الكثير من الحكايات والشخصيات التي التقاها وينوي توظيفها في عمل روائي جديد. فيبرز "تاج السر" من خلال أفكار الكاتب - راوي الرواية - عملية الخلق في الكتابة، والصعوبات التي تعترضها، وكيف يستفيد الكاتب من الشخصيات الواقعية فيعاود خلقها في رواياته بعد إضافة توابله إليها، وكيف يوظّف المدن التي يزورها والثقافات التي يتعرف عليها، والمواقف التي تحدث معه أو التي يسمع بها، في نصوصه. "عدت بذكرياتي تلك إلى بلادي مبتهجاً، أحس بفوران في الدم، وحموضة في المعدة، وأتوقع أن يسرقني نص جديد في أي لحظة من حياتي اليومية المعتادة، حين أكون بلا كتابة ولا إيحاء، ويكون مدعماً بتلك الذكريات، وقد هيأت نفسي لذلك بالفعل”.

اعلان


غير أن حماسه ذلك لا يلبث أن يضيع، إذ يفاجأ أن روايته السابقة المسمّاة "أمنيات الجوع" لا تفارق رأسه، بل تطارده تداعياتها باستمرار. هذه الرواية تتحدث عن رجل أربعيني يدعى "نيشان حمزة نيشان"، يعمل ساعياً في مدرسة ابتدائية، مصاب بمرض الفصام الذي يصيبه لشهر أو شهرين في العام، ثم تغيب أعراضه فيعود إلى حياته الاعتيادية.

يروي بطل رواية "طقس" وراويها حكاية رواية "أمنيات الجوع" وتفاصيلها وشخصياتها وأجواءها في ما يشبه رواية داخل رواية، مشيراً إلى الكيفية التي اختار بها اسم بطل الرواية، "لم أكن أستخدم الأسماء الثلاثية قط، ولا أدري لم استخدمت اسم "نيشان حمزة نيشان" ثلاثياً في هذه الرواية، لقد تنتبّهت إلى ذلك أثناء الكتابة المندفعة (...) لم أكن أعرف شخصاً اسمه نيشان على الإطلاق، ولا صادفني في قراءاتي أو أسفاري المتعددة، داخل الوطن وخارجه، شخص يحمل ذلك الاسم".

يكتب "تاج السر" روايتيه المتداخلتين بلغة بسيطة، مكتظة بالشخصيات التي يرد ذكر بعضها في لمحات سريعة ساخرة، ويرد ذكر البعض الآخر في أكثر من موضع، ويكون لها تأثيرها على سير الأحداث. تضفي هذه الشخصيات حس الطرافة على العمل، خصوصاً أن الروائي يبرز بعض المواقف التي يتعرض لها معها بأسلوب فكاهي ساخر.

غير أن ما سيشكّل نقطة التحوّل في الرواية، هو ظهور شخص يدعى "نيشان حمزة نيشان" في حياة صاحب رواية "أمنيات الجوع"، ليخبره أنه لا يمتلك اسم بطل الرواية فحسب، بل هو مصاب بالفصام مثله أيضاً، وحياته تتطابق مع حياة بطل الرواية، والفرق الوحيد هو أنه غير مصاب بالسرطان، لكنه يخشى حدوث ذلك في الواقع كما حدث في نهاية الرواية!

يغرق الكاتب في حلّ هذا اللغز، ينفجر في رأسه الكثير من الأسئلة، يتحرى عن هذا الشخص، يتأكد أنه حقيقي، وأنه يمتلك اسماً في سجلات الدولة، وبطاقة هوية، ويمتلك مكاناً يقيم فيه وجيراناً وأصدقاء، ولديه حبيبة تركته وسافرت كما حدث في الرواية التي كتبها. كل هذا سيجعله يكره روايته ويكره الورطة التي أوقعته فيها، "لقد بتّ أكره تلك الرواية بشدة، أتمنى لو لم تبع أي نسخة إضافية، وتوقف حد انتشارها عند تلك النسخ التي بيعت بالفعل من قبل، ولو أنني أمتلك طريقة لألمّها من مراكز التوزيع فسوف أفعل!”.

كل ذلك لن يجدي نفعاً، فالشخصية موجودة وحقيقية، والرواية قد طبعت ووزعت، وعليه أن يكتشف السر، هل هربت الشخصية من الرواية وتجسدت واقعاً؟ هل كتب قصة حياة "نيشان" من وحي خياله فعلاً أم أن "نيشان" هو من أرسل له القصة عبر التخاطر وكان دوره مقتصراً على كتابتها بطريقة مناسبة؟ هذه الأسئلة وغيرها سترد إلى ذهنه، وفي سبيل البحث عن الإجابة، يغوص "أمير تاج السر" من خلال راويه في عالم الأحياء الهامشية والفقيرة من المدينة، حيث يعيش بطل "أمنيات الجوع"، وحيث تعيش ثلة من الناس البسطاء المسحوقين، فيعرض حكاياتهم وحكايته مع بطل روايته.

أمير تاج السر روائي سوداني من مواليد 1960، يعمل طبيباً للأمراض الباطنية في قطر. كان يكتب الشعر في بداياته، ثم كتب روايته الأولى "كرمكول" عام 1987، وانقطع عن الكتابة بعدها تسع سنوات، قبل أن يعود بروايته الثانية "سماء بلون الياقوت" عام 1996. توالت أعماله الروائية "نار الزغاريد"، "عواء المهاجر"، "صيد الحضرمية"، "مهر الصياح" وهي رواية تاريخية، يعتبرها "تاج السر" أهم رواياته. بلغ عدد رواياته حتى الآن 17، وصلت منها "صائد اليرقات" إلى القائمة القصيرة للبوكر 2011، ورواية "366" إلى القائمة الطويلة عام 2014، قبل أن تفوز أخيراً بجائزة "كتارا للرواية العربية" في دورتها الأولى 2015. ترجمت رواياته إلى عدد كبير من اللغات، منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبولندية. وكتب كتابين في السيرة الذاتية: "قلم زينب" و"سيرة الوجع"، تحدث فيهما عن ذكرياته وتجاربه الحياتية المتنوعة. كذلك نشر كتابين عن آرائه في الرواية والكتابة، الأول بعنوان "ضغط الكتابة وسكرها"، والثاني بعنوان "ذاكرة الحكائين".

الناشر: دار بلومزبري – مؤسسة قطر/ الدوحة

عدد الصفحات: 160

الطبعة الأولى: 2015

يمكن شراء الرواية على موقع أمازون

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
السودان رواية

التعليقات

المقال التالي