العلاقة بين Game of thrones، حريم السلطان والإمبراطورية العثمانية

العلاقة بين Game of thrones، حريم السلطان والإمبراطورية العثمانية

في هذا المقال المنشور بالأصل في مدونة "ورشة التاريخ الاجتماعي" بجريدة "هاآرتس" تحت عنوان "لعبة العروش في الإمبراطورية العثمانية"، تكتب الباحثة في جامعة تل أبيب جنيفر بولياكوف زوروف عن مسلسل Game of Thrones، "لعبة العروش"، وتضاهيه بمسلسل The magnificent century "حريم السلطان"، وتضاهي الاثنين بشكل الحكم في الإمبراطورية العثمانية لتصل إلى نتيجة: ربما لم يكن المسلسلان خياليين تماماً.

في الأسبوع الماضي انتهى عرض الموسم الخامس من "لعبة العروش” Game of Thrones، مسلسل الفانتازيا الأمريكي الذي أنتجته قناة HBO. الحبكة القائمة على سلسلة كتب الفانتازيا التي كتبها "جورج ر. ر. مارتين” George R. R. Martin، أصبحت حديث العالم منذ عرض الموسم الأول لها، في أبريل 2011. هذا المسلسل، الذي يستعرض قصة صراعات الميراث بين أبناء النخبة في الممالك السبع في ويستوراس Westeros، حافل بباقة من مشاهد العنف والجنس والمؤامرات. هذه المشاهد القاسية لم تكن فقط من نتاج خيال ر. ر. مارتين، وإنما تستلهم أحداثاً تاريخية، كما لاحظ عدد من النقاد. في ما يتصل بأحداث الإمبراطورية العثمانية يمكن القول أيضاً إن الواقع قد تجاوز الخيال الخصب لـR. R. Martin.

القتل والتنافس على كرسي السلطة: نهج التوريث العثماني في Westeros

لم تكن الصراعات الدموية بين أبطال المسلسل على كرسي السلطة، سواء بين الممالك المختلفة أو بين الإخوة والأخوات من بيت لانستر Lannister، لتفاجئ مشاهدي المسلسل لو أنهم تصفحوا

أوراق تاريخ السلالة الإمبريالية العثمانية. مبدأ الوراثة العثماني، الذي نظم تداول السلطة بين حكام الإمبراطورية، يرجع إلى التراث التركي- المغولي السابق على الإسلام. وفق هذا المبدأ، من حق كل أبناء العائلة الملكية المطالبة بالتاج، فقد كان مفترضاً أن يضمن الصراع بينهم أن الأفضل هو من سيمسك بالسلطة. الأمراء، الذين قاموا بأدوار القيادة والسلطة في المقاطعات الإمبرطورية منذ سن صغيرة، طولبوا في وقت الصراع على الوراثة بإظهار مهاراتهم السياسية والعسكرية. لم يعد النجاح في الصراع فقط شهادة على قدراتهم كقادة، وإنما شهد أيضاً على "حق سماوي" يبدو وكأنه مُنح لهم، فيما يشبه نظرية "الحق الإلهي" الصينية والمغولية.

التغيرات التي حدثت في هذا النهج في نهاية القرن السادس عشر تركت حتى مشاهدي Game of Thrones فاغري الأفواه. بسبب التغيرات التي حدثت في القصر وفي الحرملك، لم تعد تقام منافسة حقيقية بين الإخوة المطالبين بالتاج لأن أغلب الأمراء تُركوا في الحرملك، ولم يخرجوا بعدها للمقاطعات لاكتساب خبرة كقادة مستقبليين. في هذه الفترة حدثت عدة حوادث أمسك فيها الأمراء بالسلطة وقتلوا إخوتهم ببساطة، وكان بعضهم ما زالوا أطفالاً، من أجل تأمين سلطتهم من المطالبين المستقبليين بالتاج. مع هذا، فمنذ بداية القرن السابع عشر، توقف هذا النهج ومنذ ذاك انتقلت السلطة من السلطان المتوفي أو المبعد إلى ابن العائلة الأكبر (ابن السلطان أو أخيه).

الخصيان، العبيد وسلطة النساء

كان الأمير العثماني الذي نجح في التغلب على إخوته وقتلهم، يحتاج لشبكة مركبة من الداعمين، ولائتلاف يساعده في الإمساك بالسلطة. من بين ما يحتاجه، كان يحتاج شبكة من الجواسيس في بلاط السلطان ودعم رجال البلاط وعناصر من المجموعة الحاكمة في العاصمة الإمبراطورية. بين

الخصيان

هؤلاء، كان الوزير الأكبر والكبار في قصر السلطان، الذين سيطروا على شبكات التجسس وعلى العلاقات داخل القصر وخارجه. في Game of Thrones أمسك بهذه الشبكة فاريس Varys الخصي، المسمى "العنكبوت"، الذي كان واحداً من مستشاري البلاط في مجلس الملك في Westeros. تحكم Varys في أدق تفاصيل البلاط وحفظ في حقيبته أسراراً كثيرة، انكشفت له بفضل شبكة جواسيس ورجال ذوي صلات كانوا في خدمته، سواء في Westeros أو في أنحاء المملكة المتخيلة لـGame of Thrones.

وجود الخصيان الأقوياء مثل Varys لم يكن أمراً غريباً في بلاطات الحكام العثمانيين. انقسم بلاط السلطان بشكل تقليدي قسمين، قسم النساء وقسم الرجال. القسم النسائي، الحرملك، انفصل بشكل صارم عن قسم الرجال "السلاملك". تحرك الخصيان وربطوا بين هذين القسمين، وراقبوا الحركة وعمليات الاجتياز والفصل الصارم وكان مسموحاً لهم الوجود في القسمين لاعتبارهم ناقصي الهوية الجنسية.

في قسم النساء سيطرت بشكل عام وبيد عليا أم السلطان، التي اعتبرت إحدى الشخصيات المهمة في البلاط الإمبراطوري. ليس هذا فحسب، بل إن أمهات السلاطين ونساء الحرملك امتلكن قوة وتأثيراً على سياسة الإمبراطورية العثمانية، وأدرن شؤون الإمبراطورية بين القرنين السادس والسابع عشر، على مدى 130 عاماً سميت بفترة "السلطانات". المرأة الأكثر شهرة بين "السلطانات"، هي زوجة السلطان سليمان العظيم، روكسلانا/ ألكسندرا، أو باسمها التركي، هورم سلطان.

تشير الأدبيات والأبحاث التاريخية إلى أن هورم خُطفت في صباها من شرق أوروبا على يد قبائل التتار من سهول أسيا، كانوا حلفاء ورعايا العثمانيين، وبيعت كجارية في إسطنبول العثمانية. بيعت هورم لحرملك السلطان وأصبحت مع الوقت الجارية المفضلة لزوجته الشرعية الجديدة وحظت بقوة سياسية وافرة في البلاط العثماني وخارجه. خطوط مشابهة للقوة السلطانية للنساء يمكننا رؤيتها أيضاً في Game of Thrones على سبيل المثال في شخصية دينيريس تايجريان Daenerys Targareyn، وهي "أم التنانين"، التي تحاول إعادة عرش ملك Westeros لسلالة الـTargareyn.

شخصية "هورم" في مسلسل "حريم السلطان" (السلطانة هيام) شخصية "هورم" في مسلسل "حريم السلطان" (السلطانة هيام)

على نقيض دينيريس Daenerys، والتي تدفق الدم الملكي في عروقها، فهورم كما أسلف اختُطفت على يد التتار وبيعت كجارية في الإمبراطورية العثمانية. مصدر الدخل الأساسي للقبائل التترية كان بيع الأشخاص الذين استعبدوهم أثناء اجتياح أراضي شرق أوروبا بين القرنين الخامس والثامن عشر. نصيب الأسد من المخطوفين بيع للخلافة في الإمبراطورية العثمانية، ووفق تقديرات مختلفة للمؤرخين، فعدد الذين خُطفوا من شرق أوروبا على يد التتار تجاوز المليوني رجل وامرأة. يمكننا تشبيه شكل عمل التتار بالدوثراكيين Dothraki people، القبائل الرحل المحاربة التي تحركت في سهول أراضيها، يركبون الأحصنة، ويجتاحون المدن المزدهرة في ممالك الغرب في Game of Thrones.

الأنا والآخر

للمسلسل أيضاً معنى ذهني أكثر عمقاً. فـ"الجدار الكبير" في المسلسل على سبيل المثال مقتبس من "جدار أدريانوس"، ويردد صدى الحدود الفاصلة بين ما عُد حضارياً وما عد بربرياً، بين الشرعي وغير الشرعي. بل إن كيت هارنجتون Kate Harrington، الممثل الذي يقوم في المسلسل بدور جون سنو Jon Snow، شبهه أخيراً بالجدار الفاصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ظهرت تقاليد الخيال العلمي والفانتازية الأنجلو-أمريكية التي عمل وفقها R. R. Martin في القرن التاسع عشر كجنس أدبي مكن القراء من النقاش والتعامل مع أجناس مطروحة للنقاش، في سياق يبدو بعيداً ومنفصلاً عن الواقع السياسي والاجتماعي الحالي. تاريخياً، أتاح هذا النوع مناقشة أسئلة عن الاستعمار، الإمبريالية، واللقاء بين الثقافات بشكل محايد، وقد يكون هذا أحد عناصر سحره حتى اليوم. على سبيل المثال، في Game of Thrones، يمكن شرح العداء بين بيت لانستر Lannister وبيت ستارك Stark ليس فقط رجوعاً للمقابلة التاريخية بـ"حروب الوردتين” Wars of the Roses بين عائلتي لانكستر Lancaster ويورك York، وإنما كذلك في سياق العداوات بين القوى العظمى الحديثة في عصرنا.

السياق التركي المعاصر: "حريم السلطان" وGame of Thrones

تمدنا الحبكة في المسلسل الفانتازي Game of Thrones، إن كان الأمر هكذا، بما هو أكثر من التسلية الهروبية، وتردد صدى الماضي التاريخي أو المواضيع المشتعلة التي تشغل المجتمع

السلطان سليمان
الحديث اليوم. يمكننا العثور على سمات مشابهة، تجذب وتردع المشاهدين في الوقت نفسه، في المسلسل التركي "حريم السلطان"، الذي عرض في السنة التي عرض فيها Game of Thrones لأول مرة. هذا المسلسل الشعبي يركز على فترة حكم "سليمان القانوني" وتحول في يوم وليلة لتجربة عالمية. عُرض في حوالي أربعين دولة، من الولايات المتحدة حتى الصين، ووفق تقديرات مختلفة شاهده نحو مئتي مليون. حظى المسلسل أيضاً بمعدلات مشاهدة عالية نسبياً عندما عُرض في إسرائيل.

مثل Game of Thrones حظى "حريم السلطان" أيضاً بنقد حاد. كان الأقوى هو رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، الذي دان المسلسل وهدد باتخاذ خطوات قضائية ضد مبدعيه. شكا أردوغان من الجانب الغريزي، الجنسي والعنيف الذي عُرض به عهد سيطرة السلطان العثماني، مما يناقض، في نظره، الواقع التاريخي والقيم الإسلامية والتقليدية لحكام الإمبراطورية.

ربما يكون مبدعو المسلسل التركي، مثل مبدعي Game of Thrones، وربما أيضاً مسلسل "بيت أوراق اللعب" House of Cards، وهو كذلك حديث العالم الآن، قد لاحظوا أن المشاهدين يجفلون من سياسات البلاط ولكنهم أيضاً ينجذبون إليها. المشاهدون، المعتادون بدرجة كبيرة عروضاً بربطات عنق، والمذكرات ومؤتمرات صحافية تخفي أكثر مما تظهر، يتلصصون الآن على السياسة العارية، المتعددة المعاني، التي لا تحاول حتى أن تلبس رداء أيديولوجياً.

التعليقات

المقال التالي