#أدب_السجون | رواية "أنشودة البرد والحرية"

#أدب_السجون | رواية "أنشودة البرد والحرية"
يقارب "سمير قنوع" في روايته الأولى "أنشودة البرد والحرية" عالم السجن، وما يجري فيه، من خلال تجربة ذاتية قادته إلى دخول السجن مدة قصيرة جداً لا تتجاوز الأيام الثلاثة، لكنها رغم ذلك ملأى بالمفارقات والمواقف التراجيدية.

الكابوس الذي يكتب تفاصيله في صفحات الرواية، يبدأ بحلم رآه في صباح يوم سفره من السعودية حيث يعيش إلى سوريا وطنه، الذي سيزوره بعد غياب للاطمئنان على عائلته. في الحلم رأى نفسه يراقب نسراً كبيراً أبيض. بعد استيقاظه يروي الحلم لزوجته التي تسارع للبحث عن تفسير لدى "ابن سيرين"، وتخبره: "إذا رأيت في الحلم نسراً وحلق فابتعد ثم عاد، فصاحب الحلم سيقع في مكروه لكنه يخرج منه سالماً، وإذا ابتعد النسر ولم يعد فصاحب الحلم يموت، والله أعلم".

حبكة الرواية كلها تبدأ بعد وصوله إلى سوريا، إذ يذهب مع أمه وأخيه لزيارة بلدته، وأثناء طريق السفر تصطدم بسيارته سيارة أخرى. سرعان ما يتبيّن للجميع أن سبب هذا الحادث هو حادثٌ حصل قبله، بين "صهريج" مازوت وشاحنة كبيرة، ما أدى إلى انقلاب الصهريج وتدفق المازوت منه ليغمر كل الطريق المبتل أصلاً بماء المطر، هذا ما جعل الطريق زلقاً مسبباً للحوادث.
رواية انشودة البرد والحرية - ملف رصيف22 عن التعذيب
وبعد مجيء الشرطة للتحقيق في حادثة انقلاب الصهريج يتم كتابة "محضر" في الحادث، ويكتب في المحضر نفسه قصة الحادث الآخر الذي جرى، فتحتجز جميع السيارات ويتوقف كل السائقين المسجلين في المحضر، ريثما يجري التحقيق مع الجميع.
يمضي الكاتب ثلاثة أيام متنقلاً من المخفر إلى السجن إلى المحكمة وكأنه مجرم خطير من دون أن تجدي محاولاته في جعلهم يصححون خطأهم ويعيدون كتابة الحادثين في محضرين منفصلين. "صاح المساعد كمن قوربت مقدساته بأذى: لا يمكن، بل من سابع المستحيلات، دفتر المحاضر هذا يا سادة كالقرآن لا يمكن حذف أي كلام كتب فيه، والأمر الآخر نحن لسنا هنا من دون شغل لنكتب لكل مواطن محضراً منفصلاً باسمه، الشغل لفوق راسنا، وغمز بعينه إلى شرطي كان يقف بباب الغرفة".
يسلط الروائي الضوء على الفساد المستشري في مؤسسات وزارة الداخلية، فيذكر بدايةً كيف جذب عناصر الشرطة ما تبقى من "بنزين" في سيارته، ثم يصف كيف أن كل خدمة يقدمها أي عنصر لأي موقوف، حتى لو كانت بسيطة أو حقاً من حقوقه، لا يقدمها إلا بعد الحصول على "إكرامية". فتتحول الرشوة في هذه البلاد إلى الوسيلة الوحيدة ليدبّر الشخص بها أموره. كذلك يذكر الكاتب أنه حين تم نقل الموقوفين من المخفر إلى المحكمة، فوجئوا بأن عملية النقل على حسابهم، وعليهم أن يدفعوا لسائق المركبة التي نقلتهم ضعفٓي المبلغ، وذلك لأن نصفه يذهب إلى عناصر الشرطة التي رافقتهم حسب اتفاق مسبق بينهم وبين السائق. لا يتوقف الأمر عند هذه الحدود، إذ بعد أن صار في السجن اكتشف أموراً أخطر وفساداً أكبر. إذ علم أن هناك جمعيات تابعة لمنظمة حقوق الإنسان تدعم السجناء، وزعماء هذه الجمعيات من كبار تجار سوريا، لكن هذه الجمعيات كانت "واجهات جميلة تخفي كمّاً كبيراً من القبح خلفها، ووسيلة احتيال ذكية لإدخال أي شيء عبر الحدود تحت بند المساعدات. أما المساعدات الفعلية ومن ضمنها المساعدات الطبية فبالقطارة".
يصوّر الكاتب الذل الكبير والإهانة النفسية التي يتعرض لها السجناء، بدءاً من ربط معاصمهم بسلسلة طويلة وجرّهم إلى السيارة التي ستقودهم إلى السجن، ثم كيفية تفتيشهم لدى وصولهم بتعريتهم ومصادرة كل ما يدل على شخصيتهم، وانتهاء بتوزيعهم على المهاجع القذرة والمكتظة والمظلمة، والتي لا تناسب كائناً بشرياً كي يبقى فيها ساعة واحدة، لا عمراً بأكمله!
ومن جديد يعود "قنوع" لفضح سيرة الفساد، فيسرد كيف قام برشوة الشرطي طالباً منه أن ينام في مهجع نظيف، فاقتاده إلى مهجع آخر، وهناك هاله ما رأى. المهجع كان نظيفاً جداً، وفيه كل وسائل الراحة والتسلية: تلفاز، هاتف خليوي، أسرّة نظيفة، قهوة وأطيب المأكولات. والأهم أنه لم يكن مكتظاً كبقية المهاجع، بل لم يكن فيه إلا أربعة أشخاص، وهو يتسع لأكثر من عشرين، وكأنه "سجن خمس نجوم". أما زعيم هذا المهجع ومموّله الرئيس فهو "سلمان" المحكوم بالمؤبد، بسبب جرائم قتل عدة. هكذا يصبح المجرم بفضل نقوده امبراطوراً في السجن، ويصبح معتقل الرأي – على سبيل المثال – محشوراً في أكثر الأقبية إعتاماً، فيغدو الوطن سجناً كبيراً، ويصير المواطن "نسراً بلا أجنحة"!
الناشر: دار الآداب/ بيروت
عدد الصفحات: 135
الطبعةالأولى: 2013
يمكن شراء الرواية على موقع نيل وفرات أو على موقع أرابيك بوك شوب

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي