بعض من تاريخ مدفع بيروت الرمضاني

بعض من تاريخ مدفع بيروت الرمضاني

عندما تقودك اقتناعاتك لتختار أن تكون علمانياً أو لادينياً، لا يعني أنك تقطع الصلة مع الشق التاريخي للعادات الدينية، ولا أن تنكر أن للديانات فضلاً ما في تطور الشق التراثي لشعب المدينة، وبيروت، مدينتي التي أعشق، لا تشذ بتاريخها وتراثها عن هذه القاعدة، فتراث بيروت الرمضاني يدخل إلى قلب عاشقها دون أي اعتبار للمعتقدات الدينية.

من تراث بيروت الرمضاني، كما في أغلب المدن العربية، فكرة "مدفع رمضان"، هذا التقليد الذي بدأ في بيروت مع الوالي العثماني ابراهيم باشا عندما أمر في العام 1859 بتثبيت مدفع كبير يتجه نحو الشرق في رابية تطل على بيروت، حيث يقوم اليوم مبنى مجلس الإنماء والأعمار، وعين له مدفعياً هو شيخ من آل الزغلول لقب "الميقاتي" نسبة إلى توليه ضبط مواقيت الإفطار والإمساك، إضافة إلى قيامه بإطلاق 21 طلقة مدفعية إعلاناً عن حلول شهر رمضان عند ثبات رؤية الهلال. كان يطلق المدفع أحياناً في عيد الأضحى، أما حشوته، فكانت عبارة عن قطعة قماش مغمسة بالزيت ومزودة بكمية من البارود.

اللافت أن الشيخ الزغلول "الميقاتي" يرجع إليه فرع العائلة الطرابلسي، وهم آل الميقاتي اليوم، ومنهم رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي. بعد رحيل العثمانيين، وبداية الانتداب الفرنسي، انتقلت إدارة مدفع رمضان إلى مفوضية شؤون الإفتاء والأوقاف، ولأن هذه المفوضية اعتبرت في عداد مؤسسات الدولة الرسمية، انتقلت إدارتها إلى الفرنسيين، وعُين المايجور المتقاعد غيناردي مسؤولاً عنها.

كانت مدينة بيروت آخذة بالتوسع خارج أسوارها القديمة، فلم يعد موقع المدفع مناسباً، فارتأت سلطات الانتداب الفرنسي العام 1935، وبعد مشورة مشايخ بيروت، أن تنقله إلى منطقة تلة الخياط المرتفعة نسبياً وتشرف على أغلب أحياء بيروت الإسلامية، ولما كان هناك حاجة لحماية المدفع من العبث، ارتأت السلطات أن تجعل له مكاناً قرب مقهى يفتح حتى السحور، فكان أن جعل للمدفع مكان قرب مقهى الكوسا.

لم يكن تغيير مكان المدفع التحديث الأول لنسخته العثمانية، بل جرى أيضاً الاستغناء عن خدمات أبناء "الميقاتي"، وأوكلت المهمة إلى فوج القناصة اللبناني في جيش الشرق. استمر مدفع رمضان في آداء مهمته إلى ما بعد الاستقلال، عندما انتقلت إدارته إلى الجيش اللبناني تحت إشراف دار الفتوى، لكن السلطات اللبنانية وبعد بداية الحرب الأهلية، ارتأت أن تغير موقعه، لينتقل للمرة الثالثة إلى تلة رملية قرب دار الأيتام الإسلامية، تعرف بتلة زريق، إلى أن استسلم المدفع القديم لمدافع الحرب، فخفت صوته.

بعد نهاية الحرب الأهلية العام 1990، أصدرت الحكومة اللبنانية قراراً قضى بإعادة العمل بمدفع رمضان في الأول منه العام 1995، ولأن المدافع الحديثة يجب إبعادها عن تجمعات السكان كون مساحة بيروت وضواحيها قد تضاعفت، جرى استحداث مربض خاص لأحد مدافع الجيش اللبناني قرب السفارة الكويتية في بئر حسن، وتم توجيه المدفع ناحية البحر.

في السنوات التي تلت، تغير موقع المدفع بضع مرات، وأوكلت المهمة أحياناً إلى الجيش السوري الذي كان موجوداً في لبنان في مربض قرب طريق المطار، إلى أن عادت إدارته إلى الجيش اللبناني عام 2003 في الموقع نفسه تقريباً.

يبقى أن مدفع الإفطار والسحور هو المدفع الوحيد الذي يأنس اللبنانيون إلى صوته، ويألفون موعده، ومن يدري، ربما يدعون في صومهم وصلاتهم أن يطغى صوته على ضجيج المدافع الأخرى.

عماد بزي، مدون وإعلامي، مؤلف كتاب "خلف أسوار بيروت".

عماد بزي

ناشط اجتماعي وإعلامي، وخبير في تقنيات المناصرة، مؤسس نظرية Empower للتدريب على كسب التأييد، له كتابين بعنوان "خلف أسوار بيروت" و"فوق أرض لبنان".

التعليقات

المقال التالي