من الصحافة العبرية: مسرحية فلسطينية تفضح أزمة الرقابة في إسرائيل

من الصحافة العبرية: مسرحية فلسطينية تفضح أزمة الرقابة في إسرائيل

اندلعت عاصفة ثقافية في إسرائيل بسبب تهديدات وزيرة الثقافة ميري ريجف بإعادة النظر في إعطاء موازنة مالية للعروض المسرحية التي تمس الدولة الإسرائيلية. التهديدات جاءت رداً على الممثل الفلسطيني نورمان عيسى الذي رفض عرض مسرحيته "الزمن الموازي"، في غور الأردن أمام المستوطنين، وهي المسرحية الذي أصدر وزير التعليم نفتالي بنت قراراً بإلغائها. توحد الوسط الثقافي الإسرائيلي ضد ريجف وبنت، الآتيين من خلفية ليكودية والمعروفين بتصريحاتهما العنصرية ضد اليساريين والعرب. وبرغم أن القضية حُلّت في لقاء بين ميري ريجف ونورمان عيسى، وصدر إشعار من مكتب ريجف يؤكد أن مسرح الميادين الذي يعمل فيه عيسى سيقدم عروضاً في غور الأردن، إلا أن القضية كشفت عن بضع حقائق مهمة عن الرقابة والاحتلال والقبضة العسكرية لدولة إسرائيل.

 

اعلان


كتب موقع "بوشام" في افتتاحيته التي حملت عنوان "من يقاطع يقاطع نفسه"، عن خطر ممارسة الرقابة على المناخ الفني في إسرائيل، ومما جاء في الافتتاحية: "أحد مشاكل الثقافة الإسرائيلية هي اعتمادها في غالبيتها الكاسحة على الموازنة الحكومية. هكذا يكاد لا يكون هناك أفلام، عروض مسرحية أو عروض راقصة لا تمولها وزارة الثقافة بشكل أو بآخر. هذا الوضع وجد بسبب طابع السوق الإسرائيلي، الصغير والذي يتحدث العبرية، ويهدف لدعم الثقافة المحلية. الوزيرة، الرقيبة العسكرية سابقاً، تستخدم بلا تردد أساليب التخويف، التهديد والمقاطعة".

وتطرقت الافتتاحية إلى ريجف: "مع تقلدها الوظيفة أثارت الوزيرة فضائح قليلة ترجع كلها إلى الرغبة في التحكم في الأعمال الفنية. أعلنت أنها لن تتردد في ممارسة الرقابة، ولن توافق على تمويل أفلام تمس الدولة. وهذا الأسبوع هددت الممثل نورمان عيسى الذي رفض المشاركة في عرض بمسرح حيفا في غور الأردن (الضفة الغربية) وردت الوزيرة بتهديد موجه لموازنة المسرح. مسرح عيسى مخصص للأطفال اليهود والعرب في يافا ويهدف للتعايش. الوزيرة، التي تحدثت ضده في معهد سفير عن التعايش وناقضته بشكل أبله، جرى استقبالها بهتافات احتقارية لدعوتها إلى تقييد الأعمال الإسرائيلية التي تمس الدولة. تهديداتها الفظة هي موضوع في ذاته".

وزير التعليم اليميني نفتالي بنت هو بطل من أبطال القصة. قالت الافتتاحية عنه: "هذا الأسبوع انضم أيضاً نفتالي بنت إلى المقاطعين عندما أمر بإلغاء عرض "الزمن الموازي" لمسرح الميادين، من سلة الثقافة. العرض قائم على قصة حياة "وليد دقة" الذي خطف وقتل الجندي الإسرائيلي موشيه تمام. الوزير بنت، صاحب الابتسامة المزدوجة، لم يستجب للجنة المهنية في وزارته التي قررت أنه ليس هناك شيء محرض في العرض، وأخذ قراراً سياسياً تعسفياً، يضر بالعالم الثقافي للتلاميذ في إسرائيل".

 

حكومة نتنياهو كلها مدانة من وجهة نظر موقع "بوشام"، والحل هو استقلال الأنشطة الثقافية عن الدولة: "لن تتهاون ريجف في القبض على المبدعين اليساريين. نفتالي بنت لن يسمح بإقامة عروض تجعل التلاميذ غير مرتاحين على كراسيهم ونتنياهو لن يسارع إلى مشاهدة فيلم يعظ ضد الاحتلال... يبدو أن الثقافة الإسرائيلية لن تجد إمكانات أخرى للتمويل. المبدعون سيضطرون للجوء إلى الخارج، إلى رعاة أمريكيين ليسوا على شاكلة شلدون أدلسون. سيضطرون للتوقف عن طلب الدعم من وزارة الثقافة والتوجه إلى الأثرياء أمثال حاييم سيفن أملاً في إقامة صندوق ثقافي غير مشروط. وماذا في هذا؟ الأثرياء الأمريكيون هم جزء لا يتجزأ من الواقع الإسرائيلي، وعالم الثقافة ليس استثناء".

 

العرض، كما سلف، يحكي قصة قاتل الجندي الإسرائيلي موشيه تمام، الذي قتل عام 1984. هذا الموضوع شديد الحساسية بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، لدرجة أن أورتل تمام، ابنة أخ الجندي القتيل، كانت في طليعة من يطالبون بإلغاء العرض، وبحسب شبكة والا، فقد انفجرت في البكاء خلال اجتماع مئات المثقفين والفنانين، الذين ناقشوا موضوع الرقابة. قالت أورتل لـ"والا": "عندما بدأت في الكلام بدأوا فجأة جميعاً في السعال ثم أصروا وهم يصرخون أن أنزل من على المنصة، بدأت في البكاء ونزلت... كانت أمسية صعبة، ذهبت للاجتماع لأني أردت التعبير عن موقفي وعن مشاعر العائلة، ولكن رئيس المنتدى (إيتامار جورفيتش، رئيس منتدى مؤسسات الثقافة) قال إنه لا يحتاج فعلاً للتطرق لكلماتي".

 

وقالت أورتل إنها مصرة على إيقاف العرض: "صراعنا شرعي. من قبيل الاحتقار أن ينطلق عرض يقدم قاتل جندي في الجيش الإسرائيلي كبطل. هذه مقولة ثقافية ينبغي أن تخرج من كل أطراف الحيز السياسي. ليس منطقياً أن تكون هذه الدولة التي تمول عرضاً عن قاتل جندي فيها. حرية التعبير غير مرتبطة بالتمويل الحكومي".

 

يمكن النظر إلى هذا الصراع بوصفه صراعاً بين اليمين، الذي تمثله حكومة نتنياهو الحالية، واليسار، الذي يمثله حزب العمل. ففي مقابل اليمين صاحب المقولات العنصرية ضد العرب، يأتي اليسار ليدين هذه المقولات، ويغيب عن كليهما صوت الفلسطينيين.

 

في موقع "سيحاه مكوميت"، كتبت الممثلة الفلسطيني رائدة آدون، مقالاً بعنوان "قبل مهاجمة ميري ريجف في المسرح، فليقبلوا أولاً الممثلين الفلسطينيين". المقال يقلب الطاولة على الصوتين، اليميني واليساري، في ما يتصل بقصة موازنة وزارة الثقافة والمسارح العربية. بدأت أدون مقالها بالرد على أورتل تمام، ابنة أخ الجندي القتيل: " أشعر بالأسى والفقد اللذين عانتهما أورتل تمام، وأريد قبل أي شيء أن أرد عليها، وضعك يؤلمني يا أورتل، ولكن يؤلمني أيضاً الجانب الآخر، في غزة ورام الله، فكل يوم نفقد شخصاً من عائلتنا. في نظرك من قتل عمك هو قاتل، ولكن في نظر فلسطينيين كثر هو جندي، مثل جنودكم، لكن بدون بزة عسكرية. هذا وضع مركب جداً ليس له الآن أي حل".

 

وقد أعادت الممثلة الفلسطينية سريعاً التذكير بمحاولات إنقاذ المسرح العربي: "قبل سنتين، بالضبط، أقمنا في هذا المكان اجتماعاً طارئاً من أجل المسرح الفلسطيني (الحكواتي)، في القدس الشرقية، بعد أن قررت الدولة إلغاء مهرجان الأطفال الدولي الذي كان من المفترض أن يقام هناك. في مثل هذا اليوم جلس كبار أصحاب المسارح في البلاد وتعاطفوا كلهم مع المسرح المقدسي. الجميع تحدثوا عن ظلم الثقافة العربية، التي ليست لديها موازنات ولا حرية تعبير ولا أماكن للعرض ولا متحف ولا معرض ولا برامج تلفزيونية. ولكنهم بعد المؤتمر عادوا كلهم لعاداتهم وأشغالهم ولم يتغير شيء. عيون الأطفال الذين يعيشون في القدس الشرقية، والتي كانت معلقة بنا على أمل أن يتغير شيء ما، ويقام المهرجان حتى يتمكنوا مرة واحدة من الخروج لمشاهدة العروض، هذه العيون لم تحظ برؤية النور وبقيت في الظلام".

 

تذكر أدون أن الوضع، اليوم، ليس مختلفاً: "وها نحن في اجتماع طارئ مجدداً، يأتي كبار أصحاب المسارح مجدداً ويجلس الممثلون ويتكلمون عن ظلم المسارح مجدداً وعن ميري ريجف التي تهدد الموازنات. ولكن هل هناك واحد من هذه المسارح فتح بابه من أجل ممثلين عرب يحملون المواطنة الإسرائيلية؟ فها هي أبوابهم هم أنفسهم مغلقة أمامنا. إذن لماذا تتكلمون عن ألمنا وعن ظلمنا وعن نقص الموازنة في الوقت الذي ليس لديكم ممثل عربي واحد؟ أين هم كل الممثلين العرب"؟

 

الممثلون الفلسطينيون غير معروفين إطلاقاً في الحيز الإسرائيلي، بسبب انغلاق هذا الحيز على نفسه. تقول أدون هذا الكلام على نحو لا يخلو من القسوة: "هل يعرفنا أحدكم أصلاً؟ أين ممثلونا الرائعون أمثال مكرم خوري ومحمد بكري وغيرهما، وأين الممثلون الذين مثلت معهم في مسرح الكامري في عرض “ لونتر"؟ أين هم؟ إنهم خارج المسرح الإسرائيلي. أغلبهم تركوا البلاد لأن كل الاحتمالات مغلقة في وجوههم هنا. خذوا أشرف برهوم نموذجاً، إنه ممثل عظيم. هل يعرفه واحد من الإسرائيليين؟ لا! الثقافة الإسرائيلية غارقة كلها في نفسها وفي ألمها ولا ترانا".

 

وتختتم مقالها بالقول: "إذن فتهديد ميري ريجف لم يعد يهزنا، لأننا تعودنا العيش في ظل المقاطعة أغلب الوقت، بدون موازنة دائماً. ولكننا لم نيأس تماماً بعد. نحن نبدع ونحاول، بأقلّ موازنة موجودة، أن نشتغل متملين على أنفسنا. ولكن رجاء لا تلزمونا بالعرض في مكان ضد ضميرنا، في مكان ليس مناسباً، ولا تهددونا. لأن تهديد ميري ريجف لنورمان عيسى، ومطالبته بالظهور في غور الأردن فقط لأجل القول إنها انتصرت عليه، لا يدل إلا على الضعف".

التعليقات

المقال التالي