حين ترتدي شخصيات شكسبير دشداشة وعمامة وتسكن صعيد مصر

حين ترتدي شخصيات شكسبير دشداشة وعمامة وتسكن صعيد مصر

أن تشاهد الملك لير King Lear من مسرحية الكاتب الإنجليزي الأشهر شكسبير يتحدث بالعربية ويطل عليك عبر التلفاز في رمضان، ليس بالأمر الشديد الغرابة. لكن أن يرتدي الملك لير بجلالة قدره دشداشة وعمامة ويسكن صعيد مصر، فهو ما لا تتوقعه بتاتاً.

هو نتاج تعريب السيناريست كمال عبدالرحيم والمخرج شادي الفخراني للمسرحية التراجيدية الشهيرة وتحويلها لمسلسل "دهشة" المصري الذي عُرض العام الماضي وكان من بطولة يحيى الفخراني ويسرا اللوزي.

اعلان


"دهشة" ليس أول عملي درامي يُقتبس من عمل أدبي، عربياً كان أم عالمياً. فقد أطل الكثير من أبطال الروايات علينا، بعضهم ملوك وبعضم أقل من ذلك شأناً، في "رمضانات" سابقة.

تعود هذه العلاقة بين الأدب والمسلسلات إلى بدايات الإنتاج التلفزيوني في مصر، فكان لكتابات الأديب المصري نجيب محفوظ والروائي إحسان عبدالقدوس تأثير على مسلسلات تلك الحقبة. ثم توطدت العلاقة وازدادت قوة في الثمانينيات حينما شهد التلفزيون طفرة درامية.

وقد اقتبست الشاشة الذهبية في مصر أكثر من 10 أعمال لنجيب محفوظ، لعل أشهرها ثلاثيته بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، والتي تم تحويلها إلى مسلسل "بين القصرين" ، أُنتج عام 1987، ليصبح الأشهر في عالم الاقتباسات.

التسعينيات

لاقى مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" الذي أنتج عام 1995 والمقتبس عن رواية تحمل الإسم نفسه للكاتب إحسان عبد القدوس، انتشاراً كبيراً في العالم العربي، وحوله حينذاك للتلفزيون الكاتب مصطفى محرم وأخرجه أحمد توفيق.

أما في الدراما السورية، فكان من أوائل الاقتباسات ولعله من أهمها على الإطلاق مسلسل "نهاية رجل شجاع" عن رواية حنا مينة التي تحمل الاسم نفسه، وقد أنتج عام 1993، وأخرجه نجدة إسماعيل أنزور.

يقول الفنان وكاتب السيناريو السوري رافي وهبة لرصيف22: "تربطني علاقة قوية بروايات حنا مينة، ولقد ترك مسلسل نهاية رجل شجاع بصمة مهمة وكان انطلاقة لنا".

مسلسلات عربية مقتبسة عن اعمال ادبية - رافي وهبة

ويرى وهبة أن العلاقة بين الأدب والنِتاج التلفزيوني في التجربة السورية، خاصة في التسعينيات، مختلفة بعض الشيء. فقد عاشت الدراما السورية نهضة في تلك الفترة، وقدمت مسلسلات اتسمت بالواقعية الشديدة، وكان أساسها كتاب أكاديميين هم جزء من الوسط الثقافي، ولديهم مرجعيات أدبية. فكاتب السيناريو هو كاتب روايات ومسرحيات، كالروائي السوري خالد خليفة. لذا أخذ تأثير الأدب في المسلسلات السورية شكلاً خاصاً، وإن لم يكن اقتباساً بشكل مباشر، ولكنه عمل على تشكيل الهوية الدرامية السورية الشديدة الواقعية.

اليوم

مسلسلات عربية مقتبسة عن اعمال ادبية - اليوم

أما اليوم، فترى الفنانة المصرية يسرا اللوزي، بطلة مسلسل "دهشة"، أن ظروف الكتابة للتلفزيون تجعل الاقتباس حالة ضرورية، لأن عدد كتّاب السيناريو الجيدين قد شح، في حين بئر الأدب لن تنضب أبداً. تقول: "من الصعب العثور على سيناريو جيد، لكن حينما يؤخد العمل الدرامي من رواية يكون فيها هيكل معين، تكون الفكرة واضحة. لذلك فأي مسلسل يبنى على عمل أدبي، يكون السيناريو فيه أقوى بكثير".

مسلسل "بنت اسمها ذات"، 2013

لعل أحد أنجح تجارب الاقتباس الحديثة هي مسلسل "بنت اسمها ذات" الذي حولته الكاتبة مريم نعوم والمخرجة كاملة أبو ذكري بحرفية أشاد بها الكثير من النقاد إلى مسلسل تلفزيوني عرض في رمضان عام 2013. وتحكي رواية الأديب المصري صنع الله إبراهيم، "ذات"، قصة تدحرج إمرأة كادحة مهمشة إلى الوراء في مجتمع يحطم بشكل يومي أحلامها.

وقالت الفنانة المصرية نيلي كريم وبطلة المسلسل لرصيف22: "وقع صنع الله إبراهيم في غرام اقتباسنا، وهو شعور رائع أن تعرف أن صانع الرواية أحب المسلسل".

مسلسلات عربية مقتبسة عن اعمال ادبية - نيلي كريم

وتلفت إلى أن بعض الأحداث تختلف عن الرواية، إلا أنها هي والمخرجة والكاتبة تذوقن روح الشخصية فاستطعن تقديمها بصدق شديد وببساطة، هما على حد قولها سبب نجاح العمل. تقول: "شعرنا أن معظم النساء اللواتي يمشين في الشارع هن ذات. ذات هي السيدة والأم والجدة في كل عصر وفي أي دولة…".

تجربة أقل نجاحاً

يقول كاتب السيناريو السوري يزن الأتاسي أنه قرأ مدونات الكاتبة المصرية غادة عبد العال التي تم تحويلها إلى قصة "عايزة اتجوز" ثم إلى مسلسل يحمل الاسم نفسه من بطولة هند صبري وإخراج رامي إمام. تروي القصة تجارب فتاة مصرية في البحث عن فارس الأحلام، والمفارقات التي تتعرض لها بسبب ضغوط الأهل والمجتمع.

مسلسلات عربية مقتبسة عن اعمال ادبية - يزن الاتاسي

يرى الأتاسي أن المسلسل لم ينقل حس الفكاهة والسخرية والصدقية التي أعطت الكتاب شعبية كبيرة لدى القراء. وقال: "هي حالة غريبة بالفعل، لأن مؤلفة الكتاب هي التي كتبت السيناريو، لكن هناك عنصراً ما، لا أدري ما هو، مفقود في المسلسل، وهذا العنصر هو الأهم".

اقتباسات هذا العام

يقدم كاتب السيناريو السوري رافي وهبة هذا العام مسلسلاً مقتبساً عن رواية "العراب" للكاتب ماريو بوتزو Mario Puzo، يحمل إسم "العراب - نادي الشرق". وقد بدأ وهبة الكتابة مستنداً إلى العمل الأساسي، إلا أن خط سير المسلسل بدأ بالتشعب ليأخد هويته الخاصة.

كيف ينجح الاقتباس؟

المعادلة السليمة في رأي وهبة الذي كتب مسلسل "حلاوة الروح" ومسلسل "سنعود بعد قليل" هي أن تفهم خلفية الرواية، خاصة إذا كانت أجنبية، وأن تجد في المسلسل خلفية محلية تشبهها. يقول وهبة: "إذا نظرت لرواية العراب على أنها صراع بين عصابات، فسأكون أقتبست الشكل فقط. لكن مضمون الرواية أعمق من ذلك بكثير. هي حالة تغيير اقتصادي وسياسي خطيرة تطرأ على المجتمع الأمريكي. إذاً، ليتم الاقتباس لا بد من وجود مقاربة تخلق أرضية مشابهة (حالة تغيير مشابهة في المجتمع السوري) تحمل الأحداث، ويكون صراع العصابات ثانوياً ومبرراً، فتخلق العلاقة بين الشكل والمضمون. هكذا ينجح الاقتباس".

والتغيير الذي يلقي مسلسل "العراب - نادي الشرق" الضوء عليه هو التغيير الذي شهده الاقتصاد السوري في مشارف الـ2006، والذي أنتج طبقة جديدة من رجال الأعمال.

متى تصلح الرواية لأن تكون مسلسل؟

لا تصلح كل رواية أو مسرحية لأن تكون عملاً تلفزيونياً. يرى الأتاسي أن طريقة السرد هي التي تحدد مدى سهولة اقتباسها. فتحويل الروايات السردية التي تكثر فيها الشخصيات والحوارات والأحداث والتوصيف إلى سيناريو أكثر سهولة من الروايات "الوجدانية"، أو التي تغوص في العوالم الداخلية لشخصياتها القليلة. "قد يكون هذا النوع من الروايات أعمق وأكثر متعة عند القراءة لكنه أصعب عند الاقتباس".

ويضيف: "حينما تقرأ روايات الكاتب المصري علاء الأسواني مثلاً، والتي تميل إلى وصف المشهد والشخصيات، وطريقة حركتها والحوار الذي يدور في ما بينها، تشعر أنك تشاهدها. إنها وصف لمشهد، وهي تصلح لأن تصبح عملاً درامياً".

إذاً، هل تفرح حينما تتحول رواياتك المفضلة لمسلسل رمضاني؟

ترى الفنانة يسرا اللوزي أن ذلك يعتمد على القيمين على العمل، فهي لن تُقدم على متابعة روايتها المفضلة على التلفاز إلا إذا كانت تثق بأبطال العمل والمخرج والمؤلف، لأنها تخشى على علاقتها الحميمة بالرواية وارتباطها بها من أن يخدشها عمل خفيف.

أما وهبة فيفضل أن لا يشاهد الرواية إذا كانت مسلسلاً، ويقول: "أعتقد أن أدوات التلفزيون قاصرة ويتحكم به الكثير من العوامل، كالرقابة والتوزيع والتمويل، لذلك أفضل أن أشاهد الرواية سينمائياً، لا في المسلسل". تشاركه نيلي كريم في الرأي، وتقول ممازحةً: "الفيلم تتفرجي عليه في ساعتين، بس المسلسل عايزله 20 ساعة".

هالة دروبي

صحافية ومدونة، عملت في النيويورك تايمز وموقع ياهو مكتوب. تحمل إجازة في علم النفس، وماجستير في الصحافة المكتوبة من جامعة كولومبيا في نيويورك.

التعليقات

المقال التالي