من الصحافة العبرية: تعلّمنا جيداً كيف نصف الاحتلال لا مقاومته

من الصحافة العبرية: تعلّمنا جيداً كيف نصف الاحتلال لا مقاومته

في مقالها "صحيح احتللنا نابلس في 67، ولكننا دمرنا يافا في 48"، المنشور في موقع "سيحاه مكوميت"، تصوّب الكاتبة الإسرائيلية من أصل إيراني، أورلي نوي، سهامها نحو اليسار الصهيوني الذي يرى 67 كأنها النقطة التي انحدر فيها مسار الدولة الإسرائيلية، وتقول إن العنصرية الإسرائيلية تقع في نقطة أعمق كثيراً، في عام 48، أي قبل 67 عاماً.

في هذا العام صادفنا تشابكاً مثيراً، إذ نشير إلى 67 عاماً على 48، و48 عاماً على 67. انتبهت إلى أنه في اللحظة التي أدركنا هذا اللقاء شبه الشعري بين التواريخ، أثار الأمر مشاعر واضحة لدى الكثيرين، فانتبهوا فوراً إلى مُتع الأرقام والنكات المختلفة.

اعلان


ولكن، في الواقع، بعد 48 عاماً، قلنا فعلاً كل ما يمكن قوله عن الاحتلال، إنه مفسد، ومستعبِد، ومميت. بعد 48 عاماً، أصبحنا نعرف جيداً كيف نصف الاحتلال. نحن فقط لا نعرف كيف نتوقف عن التعامل معه كمصير قدري.

ولكن لقاء المصادفة هذا بين 67 و48 فرصة جيدة أيضاً للوقوف مجدداً على الصلة العميقة والجوهرية بين هذين التاريخين، وللتذكير مرة أخرى أنه لا يمكن فهم فظاعة احتلال 67 بدون فهم نكبة عام 48.

على مدى 48 عاماً جرت محاولات مستمرة من قطاعات واسعة من اليسار الصهيوني لتقديم 67 كنقطة حدث فيها الانحراف عن المسار، فالانحدار. وها نحن أيضاً – وفي الغالب لا نرى أنفسنا كصهاينة – نقف ونشير إلى 48 عاماً على الاحتلال، كأن العدّ بدأ من هنا.

لسنا هنا بالمصادفة. 67 تشير لعلامة طريق أخرى، ذات مغزى، في أخبار أيام القمع والسرقة. صحيح أن 67 هي التي ولدت المسيحانية Messianism الجوش إيمونيمية [نسبة للحركة اليهودية المتطرفة، جوش إيمونيم]، ولكن علينا ألا ننسى أن 48 ولدت المسيحانية البن جوريونية، وصحيح أن 67 هي الحواجز، والاعتقال، والإذلال في الضفة الغربية، ولكن 48 هي الحكم العسكري الذي لم ينزح عن كاهل المواطنين الفلسطينيين، وهي ولادة الإذلال والقمع، وصحيح أن 67 هي خنق نابلس وبيت لحم ورام الله وسلوان، ولكن 48 هي تدمير يافا وعكا وبيسان والقدس.

نقف هنا اليوم لأن مشاهد القمع العسكري العنيف، اليومي، القسري جداً في أراضي ما بعد الخط الأخضر، هي مشاهد يجفل منها العقلاء. قبل أسبوعين رأيت أنه على بعد عشرات الأمتار من هنا، أمام باب العمود [في القدس الشرقية]، أرسلت الدولة قواتها المسلحة من الرأس حتى أخمص القدمين، للدفاع عن الاستفزازات العنيفة والحادة لليمين، عبر القمع القاسي للسكان الفلسطينيين.

نشير إلى 67 لأنها الوجه الواضح، غير المقنّع، لـ48. التفكير المجنون في هندسة الحيز بقوة الذراع والعنف العسكريين اللذين يغذيانه، لم يولد في 67.

لهذا، كابنة لهذا الحيز ترفض فكرة الانعزال الاستعماري داخل فيلا متخيلة في غابة [تخيلها] إيهود باراك. أعرف أن حل مشكلة 67، أي العودة للخط الأخضر، لن تفيد بشيء ما دمنا غير متحمسين للعمل لتفكيك الطبقية التي تأسست هنا في 48 من أساسها، والتي تصنف أبناء هذه البلد وبناته في الدرجتين العليا والسفلى، في تراتبية رهيبة، وتحرض هؤلاء على هؤلاء. هذا هو الخط الأخلاقي والالتزام السياسي لي كشرقية، يهودية، بنت هذا الحيز.

أنا أستقي هذا الإلهام الأخلاقي وأيضاً السياسي من حي مصرارة غير البعيد عن هنا، والذي نشأ فيه الفهود السود [حركة من اليهود الشرقيين الذين احتجوا على التمييز ضدهم في القدس في السبعينيات] الذين قدموا بشجاعة حلماً آخر لهذا المكان، وأُسكت هو الآخر عبر صخب طبول الحرب.

هاجرت إلى هذه الدولة في سن التاسعة. استغرق الأمر سنوات لأفهم أنه منذ سن التاسعة، منذ المرة الأولى التي تخطو فيها قدماي على هذه الأرض، كانت لديّ حقوق أكثر من تلك الخاصة بأبناء المكان الذين عاشوا هنا مئات السنوات. استغرق الأمر سنوات غير قليلة لأفهم أن حقوقي الزائدة التي أعطيت لي كيهودية، هي جزء من المنظومة نفسها التي تقمعني كشرقية وتمحو هويتي كابنة لهذا المكان.

أتضامن اليوم مع إخوتي وأخواتي الفلسطينيين احتجاجاً على فظائع 67. ولكني أعرف أن معالجة الجذور التي يحتاجها هذا الواقع المريض تعيدنا للخلف مسافة 67 سنة، وليس 48 فحسب. هناك تكمن الفرصة الوحيدة لنحظى بأن نتنفس هنا أخيراً الهواء النقي للكرامة والعدل والمساواة.

التعليقات

المقال التالي