تراجعت الثورة المصرية فتوقف مهرجان "الفن ميدان"

تراجعت الثورة المصرية فتوقف مهرجان "الفن ميدان"

مساء 2 أبريل 2011، انطلقت أولى فعاليات مهرجان "الفن ميدان" في ميدان عابدين بوسط القاهرة، في مشهدٍ انبثق من مشهد تظاهرات ميدان التحرير. لكن التطورات السياسية التي شهدتها مصر أخيراً، والنقد العنيف الذي طال ثورة يناير، وضعا هذه التظاهرة الثقافية في قفص الاتهام مثلها مثل الثورة التي ولّدتها. وهذا ما أدى إلى توقف المهرجان في أغسطس الماضي. الآن، يتكرر الحديث بين فترة وأخرى عن عودة المهرجان، ولكن يبدو أن ذلك ليس ممكناً في ظل النظام المصري الحالي.

بعد الثورة المصرية، حفّز المناخ الجديد الطاقات الإبداعية على الخروج إلى الساحات التي كانت محرمة عليها في زمن قانون الطوارئ السيىء السمعة. وكانت فعاليات ثقافية وفنية تقام تحت اسم "الفن ميدان" في السبت الأول من كل شهر أمام قصر عابدين، أحد قصور رئيس الجمهورية، بالاعتماد على تطوع الفرق الفنية والمسرحية وعلى تبرعات مالية.

مهرجان الفن ميدان

"الفن ميدان" لم يكن مجرد تظاهرة ثقافية وفنية خارج إطار المؤسسات الثقافية الرسمية، بل شكّل حالة ثورية استثنائية كانت الأكثر تعبيراً عن الحراك الثوري، إلى حد أن كثيرين اعتبروه المكسب والانتصار الحقيقيين لثورة 25 يناير. رصيف22 التقى رواد "الفن ميدان" وأخبروه عن حكاياتهم مع هذه التظاهرة التي باتت ذكرى.

بدايات الفن ميدان

شاعر العامية زين العابدين فؤاد رأى أن "الفن ميدان" هو ثمرة 25 يناير الثقافية، ومساحة استثنائية من الحرية شكلت ثقافة جماهيرية حقيقية، لكنها "أزعجت النظام الحالي، فعصف بها لتخلو له الميادين، وليمارس سيطرته على الفضاء العام من جديد".

استذكر فؤاد بدايات المهرجان وكيف نبتت الفكرة، قال: "ثورة 25 يناير اتسمت بطابع ثقافي وإبداعي متميز. طوال الـ18 يوماً امتلأ ميدان التحرير باللوحات التشكيلية ورسوم الكاريكاتور، وكانت تقام العروض المسرحية والمشاهد التمثيلية التلقائية، وتشارك الفرق الغنائية والشعراء الشباب. كل هذا جعلنا نفكر في كيفية الربط بين الفن والميدان. وبعد أن تشكل ائتلاف الثقافة المستقلة الذي ضم أكثر من 80 جمعية غير حكومية، اتفق الأعضاء على تنظيم فعاليات ثقافية وفنية تحت اسم الفن ميدان".

وجاء اختيار ميدان عابدين لأهميته التاريخية، فمنه انطلقت الثورة العرابية. وفي 2 أبريل 2011 انطلقت أولى الفعاليات: في مدخل الميدان كانت هناك فنون الأطفال المختلفة من ورش رسم وسيرك ومسرح عرائس، وبجوارها الرسوم الكاريكاتورية لكبار الرسامين، واللوحات التشكيلية. وكان الفنان علي الحجار أول من غنى على المسرح، هذا بالإضافة إلى العروض المسرحية التي قدمتها فرقتا "الشنطة"، و"حالة". وكان للشعر والفرق الغنائية الشابة مساحة خاصة، إذ شارك عدد كبير جدّاً من الشعراء الشباب، واكتُشفت فرقة "الأولة بلدي" التي تقدم تراث الشيخ إمام.

وواصل فؤاد حديثه عن أهم الفعاليات والأنشطة الثقافية التي أقيمت على أرض عابدين: "قدمنا فرق الأندر جروند والراب، واستضفنا فنانين وفنانات مثل غالية بن علي، وريم بنا، وفرقة مصابيح السورية. كذلك قدمنا الكثير من الأفلام التسجيلية والوثائقية عن الثورة، منها "عسكر كاذبون، وإخوان كاذبون". ولم تقتصر الفعاليات على القاهرة فقط بل امتدت إلى 16 محافظة مصرية، اكتشفنا خلالها الكثير من الفنانين والمبدعين المغمورين لبعدهم عن القاهرة.

كلمة حرارة تزعج النظام

خاض "الفن ميدان" معارك كثيرة مع الجهات الأمنية للحصول على التصريح. وبدأت أولى المعارك مع تولي الرئيس المعزول محمد مرسي الحكم، إلَّا أن الفعاليات لم تتوقف في تلك الفترة، بل كانت تُقام مستندة إلى ضغط المنظمين.

لكن صعود الناشط السياسي وأحد أبرز رموز ثورة 25 يناير، الدكتور أحمد حرارة، على منصة ميدان عابدين، في يوليو 2014، وانتقاده للنظام الحالي أمام أكثر من 4000 مواطن مصري كان كفيلاً بـ"اقتلاع جذور تلك الظاهرة"، بحسب تعبير فؤاد الذي أوضح: "بعد الكلمة التي ألقاها حرارة، واجهتنا مشاكل كبيرة في الحصول على تصريح شهر أغسطس، وأقمنا الفعالية الأخيرة بصعوبة بالغة. وفي أكتوبر، تصاعدت وتيرة الخلافات مع الجهات الأمنية فرفضت منحنا التصريح. يُرجعون الرفض إلى أسباب أمنية، لكننا نعرف أنهم أرادوا القضاء على "الفن ميدان"، آخر ما تبقى من ثورة يناير، لأسباب سياسية".

شائعات التمويل جزء من الحرب

ترددت شائعات كثيرة حول مصادر تمويل "الفن ميدان". فهناك من قال إن مؤسسة المورد الثقافي موّلته، وآخرون أكدوا تلقي القائمين على هذا المهرجان تمويلاً من مؤسسات أجنبية تسعى إلى تخريب مصر.

ويرد صاحب "وش مصر"، زين العابدين فؤاد، على هذه الشائعات بقوله: "الفن ميدان اعتمد بشكل أساسي على التبرعات. وبعد كل فاعلية كنا ننشر كشف حساب على موقع فيسبوك، يتضمّن أسماء المتبرعين. وحصلنا مرتين على تمويل حكومي في عهدي الوزيرين السابقين للثقافة عماد أبو غازي وجابر عصفور. وغير ذلك لم نحصل على أيّ تمويل. هذه الشائعات جزء من الحرب على الفن ميدان، وجزء من تشويه ثورة يناير".

إحراج الثقافة الرسمية

وقدم الشاعر الشاب حازم حسين قراءة سوسيوثقافية لظاهرة الفن ميدان، وقال: "مشروع الفن ميدان كان حلقة من حلقات الخروج المعنوي والتأصيل الثقافي لفكرة الثورة، وعليه فقد قادت تظاهرات وفعاليات الفن ميدان موجة جارفة خارج النسق الرسمي للثقافة المعتمدة من دوائر السلطة، ومن ثمّ يمكن اعتباره إحراجاً للثقافة الرسمية، وخصماً من حصتها وحظها لدى المبدعين والفاعلين الثقافيين، باعتبارها لم تكن تمتلك رصيداً كبيراً لدى العامة والجمهور من الأساس".

مهرجان الفن ميدان - إحراج الثقافة الرسمية

وأضاف حسين: "ولكن الأمر الأكثر لفتاً للانتباه في فعاليات الفن ميدان كان الحضور الإبداعي لأجيال أول الألفية الثانية وما بعدها، ولشرائح وقطاعات الشباب الفاعلين في الحراك الثوري، مع غياب نسبي لمثقفي جيلي الثمانينيات والتسعينيات، وغياب كامل للأجيال الأقدم. ولا يقلل من أهمية هذه الملاحظة أن نلحظ اسماً أو اثنين أو أكثر قليلاً من قوائم هذه الأجيال، حاولوا إعادة إنتاج خطابهم الإبداعي ذي النكهة الثورية بآليات الثورة الحديثة".

برغم ذلك، لاحظ حسين "أننا مع الفن ميدان كنّا أمام حالة من الازدواجية والتناقض بين خطاب يستهلك الثورة وقيم الحرية فنّاً وإبداعاً، ولكنه لا يعيد إنتاجها على مستوى الفعل وبرامج العمل".

الدولة الشمولية والثقافة

وأوضح حسين موقف الدولة من الفن ميدان، وأسباب منعه: "الدولة المصرية دولة شمولية الطابع، ولو تدثّرت ببعض الآليات والتفاصيل الديمقراطية، ومن الطبيعي أن تعمل الدول الشمولية وفق رؤى إرشادية مركزية، وهو المنطق الذي أنتج وزارات الثقافة في الدول العربية تحت مسمّى "وزارة الإرشاد القومي". وبعد عقود من تدشينها، ما زالت وزارات الثقافة تعمل وتتحرك وفق مسمّاها القديم ومنطق عملها الأول، فترى أنها حارس الرؤية الرسمية".

مهرجان الفن ميدان - الدولة الشمولية والثقافة

من هنا، اعتبر حسين أنه "من الطبيعي أن ترفض الدولة أيّة محاولة لإنتاج وتسويق خطاب ثقافي ومعرفي خارج الأطر الرسمية، لأن جانباً من عصمة ومنعة ومركزية هذه المؤسسة مرتبط بالاحتكار. وإذا أضفنا إلى هذا السبب كون الفن ميدان تحرّكاً ثقافيّاً وإبداعيّاً وجماليّاً طالعاً من رحم الحراك الثوري والاجتماعي، فسنجد أنفسنا أمام تفسير منطقي لموقف الدولة من الفن ميدان ومن كل التحركات والمبادرات الشبيهة والمشروعات الثقافية الأهلية ذات الطابع المستقل".

وقال القاص والناشط الثقافي طه عبد المنعم: "إن السبب الرئيسي وراء توقف فعاليات الفن ميدان، يعود إلى رغبة الدولة في استعادة سيطرتها على الفضاءات العامة"، مؤكداً أن هذه التجربة قدمت دليلاً على سهولة العمل الثقافي في الشارع، و"لكن الأمر يحتاج إلى مساحة خاصة من الحرية".

طمس آخر ملامح الثورة

ورأى الموسيقي أيمن حلمي أن الفن ميدان كان التغيير الوحيد الملموس على الأرض بعد ثورة يناير، في ما يخص الفن والثقافة، مشيراً إلى أن أغلب التغييرات الثقافية التي حدثت بعد الثورة تمت السيطرة عليها، وكان آخرها السيطرة على مهرجان الفن ميدان.

وتابع: "كان الفن ميدان أشبه بغرافيتي على جدران الثورة، أحد ملامحها الخاصة التي تُعرّف بها. لهذا سيكون من الطبيعي أن يحاول من لا يحب أن يتذكرها أحد طمس هذه الملامح، مثلما طُمس غرافيتي الثورة المنتشر على الحيطان، أو استُبدل بغرافيتي آخر".

كلمات مفتاحية
القاهرة فن مصر

التعليقات

المقال التالي