التراث الموسيقي المصري مهدد بالضياع بسبب إهمال الدولة والسرقات

التراث الموسيقي المصري مهدد بالضياع بسبب إهمال الدولة والسرقات

الرحلة التي قطعتها الموسيقى المصرية، راكمت تراثاً غنياً فريداً اكتملت فيه عناصر هويتها، بعد ترحال طويل في عوالم نظيراتها اليونانية والفارسية والتركية. لكن هذا التراث تعرض للإهمال والسرقات العشوائية واللامبالاة. رصيف22 التقى عدداً من الخبراء وجامعي التراث الموسيقي للتعرف على هذا العالم عن قرب.

في عصر النهضة، الممتد من 1800 إلى 1930 تقريباً، لمع عدد من المطربين الرواد أمثال: عبده الحامولي، محمد سالم الكبير، سلامة حجازي، محمد عثمان، محمد عبد الرحيم المسلوب، عبد الحي حلمي، يوسف المنيلاوي وغيرهم. ثم كان سيد درويش الذي صاغ ألحانه في تراكيب حديثة وإيقاعات رشيقة فاتسمت موسيقاه بالحيوية والبساطة، ليتأثر بها وينهل منها الموسيقيون الكبار من بعده: محمد القصبجي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي.

اعلان


تراثنا المنهوب

يرصد المؤرخ والناقد الفني بشير عياد عمليات سرقة وإتلاف أهم مكتبتين لحفظ التراث الفني في العالم العربي، مكتبتي الإذاعة المصرية وماسبيرو. وأكّد لرصيف22 أن نهب وتدمير محتوى المكتبتين جرى عبر مراحل عدة: المرحلة الأولى بعد ثورة يوليو 1952 التي فتحت باب التخلص من "آثار العهد البائد" حين أُتلفت وسُرقت تسجيلات فنية نادرة. والمرحلة الثانية أتت عقب إنشاء

قصة "سيد زبالة"

عن أخطر عمليات السرقة التى جرت بماسبيرو، ذكر عياد قصة "سيد زبالة"، عامل النظافة والمسؤول عن التخلص من المخلفات والقمامة بماسبيرو، الذي "كان لصوص التراث من العاملين بالمبنى يسربون له أشرطة التسجيلات النادرة، ليقوم بتهريبها إلى خارج المبنى"، مؤكداً أن "عشرات الآلاف من التسجيلات النفيسة نُهبت بهذه الطريقة".

مبنى ماسبيرو الحالي، ونقل معظم الأرشيف الصوتي إليه، حين جرت سرقات كثيرة أيضاً، وكانت تسجيلات حفلات أمّ كلثوم على رأسها. والمرحلة الثالثة كانت مع حرب 1967 التي اضطرت العاملين بماسبيرو إلى التسجيل على الشرائط المتوافرة آنذاك، فنحروا مئات التسجيلات النادرة، ووقعت موجة جديدة من السرقات العشوائية. والمرحلة الرابعة، وهي الأسوأ على الإطلاق، جاءت بعد العام 1980 حين تكونت مجموعات إجرامية بماسبيرو مهمتها تسريب الأعمال المرموقة. ومن رحم هذه المرحلة ولدت المرحلة الخامسة، مع بدء ظهور الفضائيات العربية التي حرّضت صغار المخرجين وموظفي مكتبة التلفزيون على السرقة لحسابها، ومعظم عمليات السرقة كان يشرف عليها كبار رؤساء القطاعات، لذا مرت مرور الكرام.

ومع التطور التكنولوجي، تصاعدت وتيرة السرقات. آلاف التسجيلات النادرة التي نجت من أيدي "الحرامية الكبار"، رؤساء القطاعات، نُقلت على اسطوانات مدمجة أو فلاشات أو هاردات محمولة.

يقترح عياد استعادة التراث المنهوب. وعن مقترحه هذا قال إنه "على مسؤولي اتحاد الإذاعة والتلفزيون أن يطلبوا من جميع الإذاعات والتلفزيونات الناطقة بالعربية أن تقنّن حق استغلال ما في متناولها، مما وصل إليها بطرق غير مشروعة، وذلك بإعادة الأصول إلى مكتبتي الإذاعة والتلفزيون"، مضيفاً أنه "لا مانع من استعمال نسخ من هذه التسجيلات، وما يخالف ذلك يعد سرقة تخضع لقوانين حقوق الملكية الفكرية".

وأضاف عياد: "يمكن أن نستغل كذلك حالة التقارب العربي القائمة في طرح فكرة ميثاق شرف، نستعيد عبره ما هُرّب إلى توابع الاتحادات الأخرى بشكل غير مشروع، على أن ينسحب ذلك على جميع القنوات الخاصة التي لا تتبع الاتحادات، ويكون ملزماً لها".

في البدء كان سيّد درويش

عبد الحي المسدي، 56 عاماً، سوري يقيم في مصر، هو أحد أبرز المهتمين بجمع التراث في الوطن العربي. بدأت رحلته مع التراث منذ نحو 45 عاماً، كوّن خلالها ثروة ضخمة من التسجيلات الغنائية والموسيقية، يرجع أقدمها إلى نهايات القرن التاسع عشر، وتحديداً تسجيلات الرائد الموسيقي الكبير عبده الحمولي.

اهتمام المسدي بالتراث بدأ بجمع أدوار الموسيقار المجدد سيد درويش بصوته. وبحث طوال سنوات عدّة عن النسخ الأنقى فتبدلت ملفات درويش لديه ٦ مرات. كما حرص على جمع تسجيلات رواد الطرب في عصر النهضة فحصل على تسجيلات صوتية لنحو 120 مطرباً ومطربة. هذه الثروة الموسيقية بلغ حجمها نحو 3 آلاف جيجا بيت.

Hussein-Alazaat_Flickr

ويقسم عبد الحي ما يملكه من تراث غنائي وموسيقي إلى أربعة أقسام رئيسة:

القسم الأول، يضم تراث سيدة الغناء العربي أم كلثوم، من حفلات وتسجيلات استوديو، تشمل كل القوالب الغنائية الموسيقية، من قصائد وأدوار ومونولوجات وطقاطيق ومواويل وأناشيد وطنية وموشح واحد. وحرص المسدي على جمع الحفلات المختلفة للأغنية الواحدة من أغاني كوكب الشرق، فضمت مكتبته مثلاً 28 حفلاً غنّت فيها أغنية "يا ظالمني" التي كتبها أحمد رامي ولحنها رياض السنباطي، وغنتها أم كلثوم 32 مرة.

القسم الثاني مخصص لرواد الغناء العربي، ويشمل تسجيلات كبار المطربين حتى عام 1930، كعبده الحامولي، وسيد الصفتي، وعبد الحي حلمي، ويوسف المنيلاوي، وصالح عبد الحي، وغيرهم.

القسم الثالث في مكتبته مخصص لتلاوات كبار القراء، وتسجيلاتهم النادرة، لا سيما أعلام القراء المصريين، أمثال الشيوخ مصطفى إسماعيل، كامل يوسف البهتيمي، عبد الفتاح الشعشاعي، محمد صديق المنشاوي، وغيرهم. ويرى المسدي أن الشيخ مصطفى اسماعيل هو الصوت الأهم في التلاوة المصرية. ويمتلك من تسجيلات القارئ الراحل داخل مصر وخارجها نحو ألف ساعة، منها تلاوات في المسجد الأموي في سوريا وأخرى في حمص وحلب وبيروت وبغداد وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

القسم الرابع يضم تراث الإنشاد الديني، لمشاهير هذا الفن أمثال: علي محمود، طه الفشني وإبراهيم الفران ومحمد الفيومي.

بالإضافة إلى هذه الأقسام، يمتلك المسدي مكتبة ضخمة لمغنّين من حقبة أحدث كعبد الحليم حافظ، إذ جمع من تراثه نحو ألف ساعة. ويشير باعتزاز إلى امتلاكه سهرة خاصة أحياها عبد الحليم في دمشق، ولا يعرفها كثير من المهتمين بالغناء، ولا يملكها إلا أشخاص معدودون.

وجمع المسدي أيضاً مختارات من تراث السيدة فيروز يقدره بنحو 400 أغنية، وتسجيلات صوتية لمسرحياتها، كما يحتفظ بكل ما يراه جيداً من الأعمال الغنائية الحديثة.

وروى المسدي لرصيف22 أنه وغيره من الهواة يدفعون أثماناً باهظة لشراء هذه التسجيلات. وقد اشترى مكتبة صوتية كاملة، بأجهزة تسجيلات نادرة، كان يملكها أكبر هواة جمع التراث في حمص، بنحو عشرة آلاف دولار عام 1996.

ورأى المسدي أن الإذاعات العربية تتحمل بدرجة ما مسؤولية حجب تراثنا الموسيقي عن الأجيال المعاصرة، وطالب بتخصيص أوقات محددة لبث هذا التراث والتعريف به، "ارتقاءً بذائقة المستمعين، وتشجيعاً على التواصل مع تراثنا المنسي".

اسطوانة وجرامفون

د. محمد الباز، أستاذ طب الأطفال في جامعة القاهرة، هو من أبرز المهتمين بجمع التراث الغنائي في مصر والعالم. تحتوي مكتبته على كثير من النسخ الأصلية لاسطوانات جيل الرواد التي جمعها عبر رحلة امتدت 25 عاماً، أسفرت عن اقتنائه أكثر من 3 آلاف اسطوانة أصلية، لأعلام الطرب أمثال: عبد الحي حلمي، ويوسف المنيلاوي، وسيد الصفتي، وسليمان أبو داود، وصالح عبد الحي، وعلي عبد الباري.

وقال الباز لرصيف22 إن الاسطوانات الأصلية للرواد أصبحت شحيحة جداً. وبرغم ذلك تمكن أخيراً من شراء مجموعة نادرة، لمطربين أقباط، يقدمون غناءً كنسياً قديماً، بأسلوب وطرائق غناء عصر

النهضة. ويمتلك الباز عدداً كبيراً من أجهزة التسجيل المختلفة، أهمها أجهزة جرامفون أصلية (32 جهازاً) يعود بعضها إلى العهد الملكي. ويوضح أن هذه الأجهزة تختلف تماماً عن مثيلاتها المعروضة في الأسواق، كالتي تباع في متاجر التحف والأنتيكة، ويشير إلى أن مَن يتقنون صيانة وإصلاح هذه الأجهزة أصبحوا عملة نادرة ولم يبقَ منهم إلا شخص واحد يعيش في منطقة الوراق بالقاهرة.

وعن سبب ندرة المعروض من اسطوانات الرواد وارتفاع ثمنها، قال الباز إن كثيراً من الهواة، خاصة الخليجيين، يدفعون أموالاً طائلة للحصول على التسجيلات النادرة والاسطوانات الأصلية، وذكر أن الاسطوانة في التسعينيات من القرن الماضي كان سعرها ٥٠ جنيهاً ووصلت اليوم إلى ثلاثة آلاف جنيه.

تدرب الباز في إنكلترا على تقنيات تحويل الإسطوانات إلى نسخ رقمية. وبواسطة هذه التقنية استطاع تحويل آلاف الإسطوانات، ورفعها على شبكة الإنترنت لتكون متاحة للمهتمين.

وأشار إلى أن بعض الهيئات الحكومية تمتلك ثروة كبيرة من الاسطوانات الأصلية مثل دار الكتب والوثائق القومية، التي تضم مخازنها نحو 4 آلاف اسطوانة تتعرض للإهمال والتلف.

وأبدي الباز استعداده للمساهمة في الحفاظ على هذا التراث، وتحويل هذه التسجيلات إلى نسخ رقمية، وإتاحتها للهواة والمستمعين، إذا يسرت له الدولة هذه المهمة، وسمحت بدخول الأجهزة اللازمة للتحويل إلى دار الكتب.

في منزله في منطقة الهرم، خصص الباز مكاناً واسعاً لحفظ الإسطوانات وشرائط البكر الأصلية وأجهزة الجرامفون. ويرى أن هذه الثروة سيكون مصيرها التلف والضياع، إذا لم تهتم جهة ما بالحفاظ عليها. فأفراد أسرته - كالدولة - لا يكترثون كثيراً لهذا التراث.

ويتفق الباز مع بشير عياد وعبد الحي المسدي على مسؤولية الدولة عن جمع وصيانة ونشر التراث الغنائي والموسيقي بين الناس، ويعتبرون أن تقصيرها في هذا الجانب أدى إلى إهدار الكثير من الكنوز الفنية. ويطرح الباز مثالاً بيع مكتبة المؤرخ الموسيقي الراحل عبد العزيز عناني، عام 1996، بنحو أربعين ألف دولار، وهو في رأيه سعر زهيد لمكتبة ضخمة ومهمة لواحد من أبرز مؤرخينا، و"كان الأولى أن تسارع الدولة أو إحدى مؤسساتها المعنية، إلى شراء هذه المكتبة والحفاظ عليها".

كلمات مفتاحية
التراث موسيقى

التعليقات

المقال التالي