أربعة أسئلة ضرورية لفهم ترجمة الكتب إلى العربية

أربعة أسئلة ضرورية لفهم ترجمة الكتب إلى العربية

"أن تقول تقريباً الشيء ذاته" هو العنوان الذي اختاره أمبرتو إيكو Umberto Eco لكتابه المخصص لتوجيه ومساعدة المترجمين على تطوير عملهم، معلناً منذ عنوانه أن الترجمة التامة مستحيلة، وأن جل ما تقوم به الترجمة أن تقول "تقريباً الشيء ذاته". ولكن أحياناً، لا يكون الهامش الذي تشمله هذه الـ"تقريباً" بالضيق الذي يبدو عليه، فيصبح الكتاب كتاباً مختلفاً تماماً، ويصبح من الصعب التمييز في أجزاء الكتاب المتنوعة، إن كانت هذه العبارة أو تلك بشكلها المترجم هي من إبداع الكاتب أم المترجم.

ما الذي يجعل الكلمة نفسها تترجم إلى "المسخ" تارة وإلى "الدودة الهائلة" مرة أخرى؟

من أكثر الكتب التي يرجع إليها بخصوص الآلهة اليونانية، ملحمة "التحولات" Metamorphoses لأوفيد Ovid. والتي ظهرت لها ترجمتان عربيتان، الأولى لثروت عكاشة وعنونها "مسخ الكائنات"، والثانية لأدونيس، وعنونها "التحولات". الأمر نفسه في رواية  Metamorphosis للروائي التشيكي (ألماني اللغة) فرانز كافكا Franz Kafka، ففي حين يترجمه منير البعلبكي إلى "المسخ" الأكثر رواجاً، ترجمه أخيراً الشاعر المغربي مبارك وساط إلى "التحول"، وترجمه سابقاً الدسوقي فهمي إلى "الدودة الهائلة" (نُقل في نسخ لاحقة إلى "المسخ").

رنا حايك، المترجمة، والمحررة في دار هاشيت أنطوان اللبنانية الفرنسية، تجيب على السؤال بأن الناشر الذي ينقل الرواية إلى لغته "قد يضطر إلى تغيير العنوان أحياناً، للأسباب نفسها التي قد يغير فيها المترجم عبارة داخل النص تبدو عبثية إذا ما تُرجمَت حرفياً"، وتجد هذا النوع من الاستبدالات في النصوص مبرراً، فهي "تؤنسن النص وتجعله أكثر حميمية وقرباً من روح وثقافة المتلقي". ولكن ذلك سيف ذو حدين، فعلى المترجم أن يكون "غاية في الدقة عندما يرتأي القيام باستبدال من هذا النوع"، ولكنها تؤكد أن "ترجمة عنوان رواية كافكا إلى (الدودة العملاقة) لا تبرر في هذا الإطار".

هل يكفي أن يكون المترجم متضلعاً من اللغتين اللتين يتعامل بهما؟

حايك، التي ترجمت سابقاً رواية "مجهولات" Des inconnues لباتريك موديانو Patrick Modiano آخر الفائزين بنوبل، ترى أن ذلك قد يكون ممكناً، ولكن "بما أن الترجمة تتعلق إلى حد بعيد بالثقافة العامة للمترجم، فإنه كلما أتقن لغات أكثر كان مترجماً أكثر ألمعية"، فكثيراً ما تتضمن النصوص عبارات وكلمات أخرى، قد يحتاج المترجم "لبعض الثقافة العامة كي يترجمها بشكل جيد". مثلاً عند ذكر شخصية إبنزر سكروج Ebenezer Scrooge من رواية "ترنيمة الميلاد" A Christmas Carol للإنكليزي تشارلز ديكنز Charles Dickens، في كتاب "اعترافات روائي ناشئ" Confessions of a Young Novelist لأمبرتو إيكو Umberto Eco، ينقل سعيد بنكراد في الحاشية اسم الرواية بالفرنسية Le Chant de Noel ويترجمها إلى "ترنيمة نويل"، واسم الكاتب يصبح "شارل"، مختاراً القراءة الفرنسية.

وإن كان المترجم في المثال السابق لا يحتاج لأكثر من ثقافة بسيطة بتاريخ الرواية، فإنه لا يحتاج أكثر من معرفة باللغة الإنكليزية في الفصل الأول من كتاب "ربيع أسود" Black Spring للأميركي هنري ميللر Henry Miller، والذي يحكي في بعض مقاطعه عن روب رامسي Rob Ramsay، ابن القس الذي يقيم في الحي الرابع عشر حيث ترعرع ميللر، إذ يختار أسامة منزلجي أن يترجم كلمة Minister إلى "وزير" بدلاً من "كاهن" أو "قس"، تاركاً القارئ غير الملم بالإنكليزية حائراً في شأن سبب سكنى وزيرٍ في الحي الفقير الذي يصفه الكاتب.

هل يمكننا الوثوق بالترجمة المنقولة عن غير اللغة الأصلية للكتاب؟

الترجمة عن لغة وسيطة ليست دائماً خياراً ممكن الاستبعاد، فهناك "لغات كثيرة من النادر أن نجد مترجماً يتقنها لينقل عنها مباشرةً"، الأمر الذي ينطبق مثلاً على اللغة اليونانية، فترجمات نيكوس كازنتزاكيس Nikos Kazantzakis العربية السائدة نقلت جميعاً عن ترجمات وسيطة، باستثناء كتاب "تصوف - منقذو الآلهة" The Saviors of God الذي نقله سيد أحمد علي بلال عن اليونانية مباشرة.

اختيار الكثير من دور النشر ترجمة الكتاب عن اللغة الإنكليزية وليس اللغة الأصلية للكتاب ينطوي على مخاطر جمة، فقد يختار مترجم إنكليزي "إيجاد معادل معين في اللغة الإنكليزية لعبارة من نص روسي، معادل قد لا يناسبنا لأنه موغل في الثقافة الإنكليزية"، في إشارة إلى الاستبدالات المذكورة سابقاً. يمكن فهم هذه الإشكالية حين نجد عبارة "ياما في الحبس مظاليم" في المجلد الثاني من أعمال تشيخوف Chekhov المختارة، ونتخيل ما قد يختاره شخص يترجم أعمال تشيخوف عن العربية بدل الروسية لترجمة هذه العبارة. تضيف حايك أن من الحلول الممكنة ما تقوم به دار هاشيت أنطوان التي تعمل لحسابها، وتعتمد مثلاً نسختين بلغتين مختلفتين من الكتاب، وتطلب مترجماً يتقن اللغتين، ليقوم بالمقارنة بين النصين "لاستشفاف المعنى الأدق".

هل تتدخل دار النشر في المضمون المترجم وفقاً لآرائها الخاصة؟

الأمر قد يحصل بالاتجاه المعاكس برأي حايك، فدور النشر "لا تمارس ضغطاً بالمعنى الدقيق، إنما هي من تتعرض للضغوط". مضيفة أن هاشيت أنطوان كما هي حال معظم دور النشر "تتحفظ على تلميحات بازدراء الأديان أو جماعات معينة مثلاً (وأمور أخرى) احتراماً للقراء وأحاسيسهم"، ولكن رغم ذلك لا يتصرف المترجم دون الرجوع إلى دار النشر الأجنبية "وبالتالي إلى الكاتب نفسه"، وتضيف أن الملكية الفكرية في هذه الحالات تأتي في المقام الأول، وقد يصل أثر الضغط الذي تخضع له دار النشر إلى الامتناع عن ترجمة الكتاب "إذا لاحظنا عدم مواءمة محتوى النص للعالم العربي". ورغم التفاؤل الذي تبديه حايك بهذا الخصوص، فإنه من الممكن إيجاد مئات الأمثلة عن تدخلات في الترجمة، خصوصاً مع وجود الكثير من القضايا الإشكالية، بالنسبة للعرب والمسلمين، في الكثير من أعمال عالمية لا غنى عن ترجمتها.

في ترجمة د. عبد المنعم الحفني لكتاب (الحب والحرب والحضارة والموت) لسيغموند فرويد Sigmund Freud، يزخر الكتاب بالحواشي التي تشرح بعض المصطلحات التي قد تكون غامضة على غير المختصين، إضافة إلى حواش أخرى تدافع عن الاشتراكية وجمال عبد الناصر والإسلام، في وجه "رأسمالية" فرويد و"يهوديته" و"غربيته". فيردّ على كتابة كلمة "الطبيعة" بالحرف الكبير بأن فرويد كان في آرائه الفلسفية "متخلفاً كثيراً عن عصره"، ويشكك في صدق أقواله، إذ إن فرويد وفقاً للحفني "كثيراً ما كان يباهي بإلحاده، ولكنه في حياته الخاصة كان شديد الاعتزاز بيهوديته". حايك تجد هذا النوع من التدخل مرفوضاً تماماً، فوجود المترجم "في أي سطر بغير صفته الحيادية جرم بحق الملكية الأدبية"، مضيفة أن المترجم يجب أن يكون وسيطاً حيادياً واجبه نقل أفكار غيره بأمانة لا أفكاره الخاصة، "وإلا فليؤلف كتابه الخاص ويضمنه ما يريد".

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي