أين الموديل العاري في كليات الفنون في العالم العربي؟

أين الموديل العاري في كليات الفنون في العالم العربي؟

الجسد العاري حاضرٌ في الفن العربي، متمرّداً على كل الأفكار المسبقة الرافضة له. فنانون كثر، من معظم الدول العربية، استخدموا (وما يزالون) العري في لوحاتهم. مع ذلك، يبقى الموديل العاري "محرّماً" في كليات ومعاهد الفنون الجميلة العربية، على الرغم من كونه مادةً أساسية لا نقاش حول أهميتها في أسس تعلم الرسم وتقنياته.

قد يبدو الحديث عن الموديل العاري، للوهلة الأولى، أمراً يحمل بعض التكلّف، اليوم، حيث يأخذ قمع الحريات العامة مجرى متصاعداً في بلدان اعتدنا فيها هامشاً من الحرية الفنية. ولكن الانطلاق من فكرة الموديل العاري، تحديداً، ليست إلا محاولة لإلقاء الضوء على نوعٍ من النفاق العام الذي يمارس برضاً عام. لم تُلغ مادة الرسم الحي لجسد الإنسان، بطبيعته الأولى، من الجامعات بأي قرار إداري أو حكومي مباشر في أي من الدول العربية. ولم تفرض أي "سلطة" فعلية هذا القرار على مدارس الفنون علناً. لا معلومات مفصلة ودقيقة اليوم عن الظروف المباشرة التي أدت الى توقف اعتماد الموديل العاري. ولكن ذلك أصبح أمراً واقعاً، وأصبحت المؤسسات التعليمية محكومة بسلطة "الرقابة الذاتية" التي ارتضتها لنفسها. هو تواطؤ غير مباشر، يفضل أستاذ مادة الرسم في معهد الفنون الجميلة في بيروت، عادل قديح، أن يسميه "خضوعاً". ولكن أليس من هنا بالذات، يبدأ التحرر؟

فلنبدأ من السياق التاريخي للمسألة. لقد كان العري الأكاديمي مباحاً مع نشأة معاهد الفنون في العالم العربي، فيما يشبه انعكاساً للمناهج التعليمية الأوروبية. أواخر القرن التاسع عشر، أو ما يعرف بعصر النهضة العربية، انتقل عدد من اللبنانيين والمصريين والسوريين إلى الدول الأوروبية لدراسة الفن، وعادوا محمّلين بتقنيّاته الغربية. أُدخلت مادة الموديل العاري إلى المناهج الدراسية مع إنشاء كلية الفنون الجميلة في مصر في عام 1908. لم تلغ المادة بقرار إداري أو حكومي، بل مُنعت على يدي أحد أساتذة الكلية، ثم استمر الوضع على حاله بشكل تلقائي، بتأثر من البيئة الاجتماعية المحيطة وبالمدّ الديني الذي عرفته مصر في تلك الفترة. في كتابها "نساء حسن سليمان"، تتوقف الكاتبة عبلة الرويني في مقابلة تجريها مع الفنان المصري، الذي يحمل الكتاب إسمه، عند موضوع الموديل العاري، والنظرة المجتمعيّة له، لا سيما الربط الذي كان يجمع في نظر العامة بين "المومس" والموديل، لكونها تعرض جسدها مقابل مبلغٍ من المال. هذه الملاحظة تحمل دلالة كبيرة. ففي الحقيقة، مهنة الموديل العاري لم تكن يوماً مقبولة إجتماعياً، لا سيما في السابق، غير أن ذلك لم يمنعها في ذلك الوقت من أن تكون، كما يُفترض بها، جزءاً من المناهج الدراسية.

في سوريا، لا فترة زمنية محدّدة لغياب الموديل العاري. ويرجّح أن يكون قد بدأ يختفي تدريجياً مع تقليص الميزانية المخصصة لهذا الدور من قبل إدارة كلية الفنون الجميلة. ترافق هذ الاختفاء التدريجي مع تقلص ظهور العري في الأعمال الفنية السوريّة بشكلٍ عام. أما في لبنان، فأول موديل عار عُرف في الأربعينيات، في الأكاديمية اللبنانيّة للفنون الجميلة، ثم في معهد الفنون الجميلة الذي تأسس منتصف الستينيات، مع تطور الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة. في كتاب "حكاية جسد"، تسرد ناديا النمار مقابلة طويلة مع مريم خيرو، أول امرأة لبنانية امتهنت الموديل العاري وشكّلت النموذج الذي ارتكز عليه روّاد الحركة الفنية اللبنانية في لوحاتهم. تبعت مريم نساءٌ عديدات، كانت آخرهن ميشلين ضو، التي توقفت عن العمل قبل 10 سنوات تقريباً. المثير للاهتمام في التجربة اللبنانية، هو ذلك الانقسام الذي شرذم معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. بدأ التضييق على المعهد مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في التسعينيات. مُنع حينها الموديل العاري بتأثير من الأحزاب السياسية- الدينية، وجرى استبداله بموديل غير عار. سرى الأمر لاحقاً على بعض فروع الجامعة فقط، بينما ظل أحد فروعها (الثاني) يستقبل ميشلين ضو حتى اعتزالها. اليوم، يصعب، بحسب مارون الحكيم، رئيس قسم الرسم في الفرع الثاني، إيجاد موديل ترتضي التعري أمام جمعٍ من الطلاب، والموديل الوحيد العامل في الجامعة هو رجل يبقى بلباس البحر. "نظرة المجتمع غلبت الجرأة. علينا ألا ننسى أن التعرّي أمام عدد كبير من الناس، في وضعيات مختلفة، أمرٌ يتطلب جرأة كبيرة جداً".

لكن على الرغم من كل ذلك، ما يزال يُنظر إلى العُري، من وجهة نظر غالبية المعنيين بالموضوع، بوصفه جزءاً أساسياً في مسار تعلم الرسم. طلاب الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية يستخدمون بعضهم بعضاً كموديل، أو يستعينون بأشخاص يلتقون بهم. يعتبر الحكيم أنه ما دام الطلاب في النهاية يتدبرون أمورهم في ما بينهم ويصلون بأنفسهم إلى النتيجة المرجوة، فـ"لا داعي بالتالي لتحدي المجتمع المحيط". قد لا يكون الأمر مشابهاً في كل كليات ومعاهد الفنون في الدول العربية، غير أن العري يبقى متاحاً لكل الذين يرغبون باستخدامه في رسوماتهم، على النطاق الخاص فقط. والدليل، هو العري الذي ما زال يطل برأسه في أعمال فنية عدة عبر العالم العربي. في ذلك نوعٌ من الانفصام الأكاديمي. ففي النهاية، غالبية الكادر العامل في كليات الفنون اليوم، أكان في لبنان أو مصر أو سوريا، أو تونس، يتضمن مسؤولين وأساتذة، هم تلاميذ تلك الحقبة "الذهبية" التي كان الموديل العاري فيها مباحاً. هم أنفسهم دخلوا إما لعبة التحريم الضمني، أو واقع التسليم بسطوة "الفرائض" الاجتماعية، طوعاً أو كراهية.

يعتقد إيلي بو رجيلي، وهو أستاذ في مادة الرسم، أن الواقع يكون أقوى من قدرة الأستاذ على التمرد عليه. "الأوضاع تفرض نفسها، وهناك مراحل عدة من التاريخ، فرضت على الفنانين الرضوخ، بطريقة أو بأخرى، لسلطة غير مباشرة". في ظروف عدة، كان يواجه بالعنف من يحاولون إدخال الموديل العاري إلى أحد صفوف الجامعة اللبنانية. يذكر مارون الحكيم أن رينيه ديك، وهي ممثلة موهوبة وإحدى أشهر الموديلات في لبنان، "كانت قد تعرضت مرة للضرب في الفرع الأول لمعهد الفنون الجميلة". ويركز إيلي بورجيلي على مدخل مهم للمسألة، هو كون منع إدخال الموديل العاري إلى المناهج الدراسية أمرٌ "غير قانوني" استناداً إلى قانون الجامعة اللبنانية، وعلى الأرجح، إلى قوانين كليات أخرى في العالم العربي تدرج ضمن منهاجها مادة النماذج الحيّة. "هذه المادة تتضمّن، بقوّة العرف، رسم الموديل العاري، لا سيما إذا ما استندنا إلى أن نظام معهد الفنون مستوحى من النظام الفرنسي".

إنها ازدواجية تكرّس سلطة التابو في المجتمعات العربية، تصدر عن مؤسّاسات يفترض بها أن تكون محفزة ودافعة إلى الابتكار، وإلى عدم الرضوخ للسائد. من كليات ومعاهد الفنون الجميلة تبدأ خطوات الفنانين الأولى إلى مجتمعاتهم، فكيف يمكن لهذه الأمكنة الأكاديمية، من دون غيرها، أن تكرس دور الرقابة الذاتية الراضخة لدى هؤلاء الشباب؟

الصورة: لوحة للفنانة اللبنانية "هوغيت كالان"

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 20.01.2015

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي