“رحلة في الرحيل”: وثائقي صريح عن فشل الثورة الفلسطينية

“رحلة في الرحيل”: وثائقي صريح عن فشل الثورة الفلسطينية

يشهد نهار الجمعة 3 نيسان الانطلاقة الأوروبية للفيلم الوثائقي الثوري: "رحلة الهجرة الجماعية" الذي يعرض للمرة الأولى في العاصمة البلجيكية، بروكسيل.

في أحد أيام شهر مارس الماضي، قالت لي هند شوفاني: "يوماً ما سأخبرك عن الملحمة المنزلية التي عشتها في دمشق". كنت في عملي، وهي كانت في منزلها تعدّ القهوة، وكنا حينها نتبادل الرسائل النصية بشكل متقطع لما يقارب نصف ساعة.

اعلان


اقترحت عليها أن نلتقي نهار الخميس المقبل في ملهى ليلي في دبي يديره أحد أصدقائنا المشتركين، فتخبرني القصّة بينما نستمع إلى أغاني "البانك". أجابتني وهي تضحك: "تريدينني أن أخبرك القصة وأنا أصرخ". لم تكن تحب الكلام بصوتٍ مرتفع ولم تكن تحب هذا النوع من الموسيقى أيضًا.

انتصف الليل عند وصولها ولم يكن لدينا الوقت الكافي للحديث. كانت الحانة تضج بأنغام الموسيقى وممتلئة بدخان السجائر، وأضواؤها خافتة. استطعنا العثور على مقعدين فارغين فجلسنا وبدأنا نتكلم بصوتٍ مرتفعٍ جدًا. أخبرتني أنها تقوم بعملية تعديل الألوان على فيلمها، كما أنها أمضت معظم أوقات العام الماضي في بيروت تعمل من دون كللٍ أو مللٍ على وثائقي تعلم أن أحدًا لن يعرضه. عندها تحديداً، سألتها عن دمشق. فقالت لي: "آه دراما الكتب في سوريا هي في ذاتها رواية". 70 صندوقًا من الكتب التي تعود إلى والدها الياس شوفاني، القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية والأكاديمي والكاتب واليساري المثقف، بقيت عالقة في سوريا، بالإضافة إلى كتبٍ أخرى لوالدتها وأختها وبعض من كتبها المفضلة. لكن هذه ليست إلا البداية، فخلف تلك الكتب تكمن قصةٌ عن ثورةٍ فشلت، وعن المنفى، وعن عائلةٍ تشرذمت جرّاء الحرب، وعن رجلٍ شجاع مات وحيدّا في دمشق من دون أن يمتلك فلسًا واحدًا. كلها مواضيع سعت هند إلى التطرق لها في فيلمها الوثائقي.

عندما التقينا في شهر مارس من العام الماضي، كانت هند منخرطة في علاقةٍ غرامية مؤذية مع فيلمها، وذلك لمدة 3 سنوات. شعرت بأنها تتلقى الصفعات وتفقد الثقة بنفسها وتتعب من السباحة عكس التيار. كتبت في مقال منذ بضعة أشهر: "صناعة الأفلام هو أمر في منتهى الصعوبة. أكتب هذه الأسطر بعد قضاء 12 ساعة وأنا أحاول أن أصنع شريطًا زمنيًا فيه العديد من الطبقات. هو يوم نموذجي من بين مئات الأيام، وذلك بعد قضاء سنوات أجمع فيها مادة الفيلم في 5 بلدان. الوصول إلى المرحلة النهائية من الجانب التقني صعب جداً. ينجز العمل، ثم يعاد إنجازه، ويعاد إنجازه مجدداً، تبديلات، تغيرات، آلام حادة في اليدين وفي الظهر... الكم الهائل من الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية المطلوبة لصناعة فيلم كارثيٌ في بعض الأحيان".

في حديث لي مع المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد الذي رشح لنيل جائزة أوسكار عن فيلميه "عمر" و"الفردوس الآن"، قال لي إنّ كل فيلم يمثل حرباً على طريقته. "كل فيلم صوّر تحت سلطة الإحتلال أو صوّر في الولايات المتحدة أو في هولاندا، هو معركة من أجل صنع الصورة. إنّه معركة لإيجاد مصادر التمويل والحصول على التمويل في الوقت المناسب، معركة لإيجاد فريق عملٍ وممثلين مناسبين وتنظيم الأمور بالشكل السليم. حتى الطقس أحيانًا يعاديك. إن الفيلم معركة متواصلة، بعد ذلك يواجهك تحدّ من نوع آخر وهو التسويق للفيلم، تحدّ تضاهي صعوبته صعوبة مرحلة صناعة الفيلم".

إنّه التحدي الذي تواجهه المخرجة والشاعرة الفلسطينية هند، فبعد سنوات من الجهد والمعاناة نجحت في عرض فيلمها “رحلة في الرحيل” لأول مرّة في مهرجان دبي السينمائي الدولي في 12 ديسمبر من العام الفائت. كبح الخوف والذعر جماح حماسها، فكيف لها أن تظهر للعالم من خلال وثائقي تجريبي، تجربة 70 سنة من الكفاح الفلسطيني في الميدان السياسي هي حياة والدها؟ وكيف لها أن تجذب الجمهور لمشاهدة وثائقي يقوم على فشل صاحب القصة؟ تكمن الإجابة في المشاعر القوية والصافية التي سيقدمها الوثائقي للمشاهد.

“رحلة في الرحيل” الذي يعرض لأول مرّة في مهرجان "عين على فلسطين" في بروكسيل في الثالث من أبريل سيرفع عالياً صوت رجلٍ عارض السياسات المتماشية مع الاستيطان والتي تبناها ياسر عرفات في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. كان شوفاني في مقدمة الخلاف الحاد الذي نشب عام 1983 داخل صفوف حركة فتح، عندما حاولت الفصائل المدعومة من سوريا وضع حدٍ لسيطرة عرفات على منظمة التحرير الفلسطينية. أعلن ثوار فتح، مدعومين من الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والشيوعيين الفلسطينيين الذين يتخذون من دمشق مركز إقامةٍ لهم، أن سياسات منظمة التحرير الفلسطينية المتماشية مع سياسة الإستيطان هي سياساتٌ فاسدة وتنوي بيع القضية الفلسطينية لمصالح شخصية. وقد قاد التمرّد إلى سنوات طويلة من النزاعات المفتوحة، وإلى عشرين سنة من معارضة الشوفاني لعرفات.

“رحلة في الرحيل” في جوهره معاينةٌ للكلفة العاطفية والعائلية للثورة والتمرّد، وهو أيضًا رحلةٌ بدأتها شابة لكي تتعرف وتفهم والدها. من كان هذا الرجل الذي تخلّى عن حياته في الولايات المتحدة في جامعة آيفي ليغ؟ لماذا انضم إلى الثورة الفلسطينية في السبعينيات؟ ولماذا اتخذ قرارات يمكن أن يكون لها تبعات صعبة المنال على حياة هند وعائلتها؟

قد يكون هذا الفيلم فرصةً للتنفيس، فهو وليد الحزن والخسارة. إنّه فيلم لربما يجب أن ينظر إليه من منظار هند نفسها: أمرأة قويّة، جميلة وصريحة، ولكنها تعاني في الوقت نفسه من أزمة انتماء، من القلق، وأحيانًا من شعور طاغ من الحرمان.

كتبت هند في أول ديوانٍ شعري منشور لها أنّها لا تستطيع الكتابة عندما تكون سعيدة، وها هي تكتب طوال الوقت. لقد كانت هند الحاصلة على منحة "فول برايت" Fulbright للدراسة في الولايات المتحدة وعلى شهادة ماجستير في الفنون الجميلة من جامعة نيويورك، تعيش "بين الخوف والإحباط، بين الحقيقة وتبعاتها، بين الكرامة وغريزة البقاء على قيد الحياة، بين هنا وهناك، بين المال والحب". هذا ما اكتشفته في الأشهر التي تلت حديثنا الأول.

تعيش هند أيضاً في عالمٍ يقارن فيه الفن بالمال والراحة والأمان بالنشاط السياسي. هو ليس بمكانٍ يسهل العيش فيه خصوصاً بالنسبة لكاتبة لديها مجلدان من الشعر الصريح الغاضب غير الخاضع للرقابة. ومع ذلك، ووسط الوحدة والحالة الحائرة لكل تلك التركة، تكمن روحٌ طاهرة لا تتعب، روحٌ خلقت قصيدة سينمائية عن أهلها وعن فلسطين تكاد تكون أسطورية.

من خلال علاقتي بهند عرفت أنه بإمكاننا أن نتكلم عن الثورة الفلسطينبة بأجمل الطرق عبر تجربة عائلة واحدة. عرفت أيضاً كيف لعائلة أن تمثل تضحيات شعب كامل ومأساته، وكيف لرجلٍ متفانٍ أن يكون التجسيد الأمثل لا لفشل الثورة الفلسطينية وحدها، بل العالم العربي كله خلال السنوات الخمسين الماضية.

يعرض "رحلة الهجرة الجماعية" في KVS Bol في بروكسيل في الثالث من أبريل في إطار مهرجان "عين على فلسطين”.

كلمات مفتاحية
سينما فلسطين فن

التعليقات

المقال التالي