من الأندلس إلى بيروت: هؤلاء ترجموا الكتاب المقدس

من الأندلس إلى بيروت: هؤلاء ترجموا الكتاب المقدس

يُجمع معظم الباحثين على أن العرب لم يملكوا نسخة عربية كاملة من الكتاب المقدس أو من الإنجيل قبل الإسلام. فمن هم الذين ترجموا العهدين القديم والجديد إلى العربية؟

لم تُكتب أي من أسفار الكتاب المقدس باللغة العربية. فأسفار العهد القديم (ما يسمّيه العامة "التوراة") كتبت باللغة العبرية، وما زالت حتى اليوم تُقرأ في المعابد اليهودية بها. أما أسفار العهد الجديد (الإنجيل) فكتبت باللغة اليونانية، أو على الأقل وصلتنا أقدم مخطوطاتها بهذه اللغة التي كانت لغة العلوم والآداب في ذلك العصر.

ومع انتشار المسيحية في أوساط مَن يسمّيهم اليهود بالأمميين (أي غير اليهود)، بدأت تظهر ترجمات مختلفة للكتاب المقدس، ومنها العربية التي تأخرت نسبياً عن باقي اللغات في المنطقة. فظهرت قبل الإسلام تراجم محدودة لأجزاء من الكتاب المقدس تتمثل في أجزاء متفرقة من المزامير، وبعض أسفار الأنبياء من العهد القديم، إضافة إلى البشارات الأربع المترجمة عن الدياطسرون (نسخة سريانية من البشارات الأربع أنجزها تاتيان السوري في القرن الثاني الميلادي)، ولا يعرف بالضبط مَن ترجمها.

يتفق معظم الباحثين على أن العرب لم يمتلكوا نسخة عربية كاملة من العهد القديم أو من الإنجيل قبل الإسلام. وظهرت أولى الترجمات الكاملة في عهد الدولة الإسلامية مع نهضة اللغة العربية، والكتابة العربية خصوصاً، ثم ظهرت ترجمات أخرى في عهد نشاط الإرساليات المسيحية في المنطقة العربية. ولكن من هم الذين تولوا مهمة ترجمة كامل الكتاب المقدس أو أحد عهديه؟

يوحنا أسقف إشبيلية

كان يوحنا أسقفاً (مطراناً) في مدينة إشبيلية في عهد الدولة الأموية في الأندلس. ولا نعرف الكثير عنه سوى أنه ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة العربية لمنفعة مسيحيي الأندلس والمغرب العربي، وذلك بين عامي 724 و750. ولم يعتمد في ترجمته على اللغات الأصلية للكتاب المقدس، وإنما اعتمد على نسخة "الفولجاتا"، وهي ترجمة لاتينية للكتاب المقدس على يد القديس جيروم، وتستخدم اللاتينية السهلة.

وهب بن منبه

ولد وهب بن منبه بالقرب من مدينة صنعاء سنة 654، وتوفي بين سنتي 725 و737. ولم يُعرف هل كان يهودياً وأسلم، أم أن أباه هو من أسلم فولد مسلماً. عُيّن قاضياً سنة 717 في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، وكان من طليعة أدباء الإسلام، واهتم في كتاباته بالاقتباس من الكتب اليهودية والمسيحية، وهذا ما دفعه إلى ترجمة أجزاء كبيرة منها في كتبه، خصوصاً في "قصص الأنبياء" و"الإسرائيليات".

حُنين بن اسحق

هو أبو يعقوب حنين بن اسحق العبادي. ولد في الكوفة سنة 809 وتوفي في بغداد سنة 877. كان طبيباً وفيلسوفاً مسيحياً من أتباع الطريقة النسطورية التي عدّتها الكنيسة هرطقةً. وكان يعرف اللغتين السريانية واليونانية، وترجم الكثير من الكتب عنهما، بينها ترجمته الكتاب المقدس معتمداً على الترجمة السبعينية (يونانية).

سعد جادعون

ولد في الفيوم بمصر سنة 892 وتوفي في العراق سنة 942 ويعرف أيضاً باسم سعيد بن يوسف الفيومي. كان يهودياً، وترجم العهد القديم إلى اللغة العربية لمنفعة يهود مصر. واعتمد في معظم ترجمته على الترجمة السبعينية. أما في ترجمة الأسفار الأولى من العهد القديم فقد اعتمد على النص الماسوري (عبري).

أبناء العسال

وهم الصفي أبو الفضائل بن العسال، والأسعد أبو الفرج هبة الله بن العسال، والمؤمن أبو اسحق ابراهيم بن العسال الذي عمل، إضافة إلى خدماته للكنيسة القبطية، مع الدولة الأيوبية، و"كان مصاحباً لرجالاتها في الشام". قدم أبناء العسال ترجمة عربية كاملة للكتاب المقدس نقلاً عن النسخة القبطية وذلك في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ثم، في أواخر القرن الثالث العشر، تم تبسيط هذه النسخة لتحمل اسم ابن العسال السكندري أو "الفولجاتا الإسكندرية"، وقد اعتمدت معظم الترجمات العربية في ما بعد عليها.

سركيس بن موسى الرزي

وقد كان أسقف (مطران) دمشق وما حولها، بدأ ترجمته سنة 1620 بعد أن حصل على نسخة من الكتاب المقدس من الفاتيكان. استغرقت هذه الترجمة حوالي 46 عاماً، وطبعت منها أول نسخة في روما سنة 1666، ولكن هذه الترجمة لم تستخدم بشكل واسع بسبب ضعف اللغة المستخدمة فيها، وما تضمنته من أخطاء لاهوتية تتناقض وإيمان الكنيستين الكاثوليكية والأورثوذكسية، وما أدت إليه من غموض في الكثير من التعاليم الدقيقة، خصوصاً الواردة في العهد القديم.

فارس الشدياق

ولد فارس الشدياق سنة 1805 في لبنان لعائلة مارونية، ثم اعتنق البروتستانتية وانضمّ إلى الإرسالية الأمريكية. بعد سفره وعمله في الكتابة والنشر بين مصر ومالطا، انتقل إلى إنكلترا سنة 1848 ليساهم في ترجمة العهد الجديد. وقد أنجز هذه الترجمة بمساعدة صمويل لي وتوماس جارث سنة 1851. وفي سنة 1857 طبع الكتاب المقدس بعهديه باللغة العربية، وظلت هذه الترجمة هي الأفضل للكتاب المقدس حتى سنة 1861، السنة التي ظهرت فيها ترجمة فان دايك.

إيلي سميث وكرنيليوس فان دايك

قدم إيلي سميث Eli Smith إلى سوريا بناءً على طلب الإرسالية الأمريكية (البروتستانتية) لتكليفه ترجمة الكتاب المقدس. وعمل مع بعض العلماء والأدباء العرب وشكل لجنة لترجمة الكتاب المقدس. لم يوفق سميث في إتمام ترجمته بسبب وفاته سنة 1857. لذلك قدم الطبيب الأمريكي الهولندي الأصل، كرنيليوس فان دايك Cornelius Van Dyck، ليتمّم عمل سلفه، بعد أن تعلم العربية على يد بطرس البستاني وناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير. أنجز فان دايك ترجمة الكتاب المقدس سنة 1864. وبين سنتي 1865 و1867 نقّح من أمريكا الترجمة وراجعها، ثم عاد إلى سوريا وتوفي فيها سنة 1895، تاركاً وراءه أكثر ترجمات الكتاب المقدس انتشاراً في العالم العربي، والتي باتت تعرف بترجمة فان دايك أو الترجمة البروتستانتية.

الرهبان اليسوعيون

إلى البروتستانتية، تعدّ الترجمة اليسوعية من أكثر الترجمات انتشاراً للكتاب المقدس بعهديه. وقد أنجزتها مجموعة من الرهبان اليسوعيين، منهم أوغسطين روديت Augustin Rodet وجوزيف روز Joseph Roze وفيليب كوتشي Philippe Cuche وجوزيف فان هام Joseph Van Ham. عمل هؤلاء بالتعاون مع الأديب اللبناني الشهير ابراهيم اليازجي نجل ناصيف اليازجي. وتمت هذه الترجمة على مراحل، انتهت آخرها سنة 1881. وصدرت في نسخة نهائية منقحة سنة 1890 وتتميز بفصاحتها اللغوية وعدم تقيدها بحرفية النص. وقد صدرت نسخة ثانية منها في الربع الأخير من القرن الماضي، ولم تلاقِ سعة الانتشار كما النسخة الأولى.

أمثلة عن الفروقات في ترجمة الكتاب المقدّس

ترجمة الكتاب المقدس للغة العربية - الفروقات

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي