هل تتجّه البحرين نحو تأسيس سياحة ثقافيّة في منطقة الخليج؟

هل تتجّه البحرين نحو تأسيس سياحة ثقافيّة في منطقة الخليج؟

من المقرّر أن تشرع هيئة البحرين للثقافة والآثار في إنشاء 6 متاحف في الأعوام المُقبلة، تفعيلاً لخطة “الاستثمار في الثقافة” التي أُطلقت قبل بضع سنوات. تهدف الخطة لخلق شراكة إستراتيجيّة مع القطاع الخاص من أجل دعم المشهد الثقافي البحريني، وذلك عبر تمويل مشاريع إنشائيّة وبرامج متجدّدة مثل المهرجانات والمعارض والأنشطة الثقافيّة الكبرى.

متاحف متنوّعة

حرصت الخطة على تنوّع المتاحف المنوي إنشاؤها، فشملت الجانب الأثري والفني والتعليمي: “متحف الفنّ الحديث”، “متحف سار الأثري”، “متحف معبد باربار”، “متحف عالي” (بجانب تلال المدافن الأثريّة)، “متحف المحرّقي” و”متحف الطفل”، بالإضافة إلى بعض الأعمال الجارية حالياً كترميم “مدرسة الهداية الخليفيّة” (أول مدرسة نظاميّة في البحرين) وتحوّيلها إلى متحف، عدا إنشاء متحف لمسجد الخميس (أقدم المواقع الأثريّة الإسلامية وأول مسجد شُيّد في البحرين) بعد ترميمه كله، وترميم مكتب بريد المنامة لتحويله متحفاً يستعرض أرشيف الخدمة البريديّة من خلال العروض التفاعليّة.

اعلان


ومن المُنتظر أن يُباشر ببناء متحف الفنّ الحديث، بعد قرار رئيس الوزراء البحريني بناءه في مدينة المحرّق، ليكون أول متحف تخصّصي في المملكة. المميّز في هذا المشروع، أن البحرين لن تنتهج سياسة الدول الخليجيّة في شراء لوحات لفنانين عالميين بمبالغ طائلة، بل ستعتمد على النتاج الفنّي المحلّي. وعليه، صرّحت رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار الشيخة "ميّ  آل خليفة" في وقت سابق بما مفاده أن الكثير من البلدان العربية قد أنفقت مبالغ ضخمة للحصول على أعمال فنيّة عالميّة، في حين تم إهمال الفنانين العرب، وأنه في البحرين، حين انبثقت فكرة إنشاء متحف للفن الحديث، قررنا الاعتماد على المشهد الفني المحلي. وقالت: “نفخر بتجربة الفنانين البحرينيين، وأتمنى أن أرى متحفًا للفن العربي الحديث في دولة عربية ما. وأنا أحاول التمهيد لمثل هذا المتحف في البحرين”.

هذه الحزمة من المشاريع الإنشائيّة تأتي لتؤكّد رغبة البحرين في أن تكون الوجهة الرئيسيّة للسياحة الثقافيّة في المنطقة، بالإضافة للسياحة العائليّة، خصوصًا بعد اتجّاه معظم الدول الخليجيّة للسياحة الترفيهيّة. وقد أعلنت رئيسة هيئة الثقافة والآثار أنّ الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، وإنما هو مشروع حقيقي يعود بالفائدة الكبيرة على المجتمعات.

متاحف عالميّة

تتمتع المتاحف المنوي إنشاؤها بتصاميم هندسيّة فريدة مستوحاة من روح المكان، وممزوجة بحداثة المعماريين العالميين، منهم المعماريّة البريطانية - العراقية "زها حديد" والمعماري الياباني "تاداو أندو" Tadao Ando. “متحف معبد باربار” على سبيل المثال، صُمّم تحت الأرض ليمنح الناس فرصة التنقل بين ممراته بطريقةٍ تحاكي الطقوس الدينية التي كانت تُمارس أثناء الحقبة الدلمونية 2000 عام قبل الميلاد، حيث بُني المعبد المخصص لعبادة “إنكي" (إله الحكمة والمياه العذبة في دلمون)، وهو الموقع نفسه الذي عُثر فيه على رأس الثور الدلموني الشهير، أحد أهمّ القطع الأثريّة المكتشفة في البحرين. أما “متحف الفن الحديث”، فقامت زها حديد بتصميمه مرتفعاً من مساحة ضيقة على ساحل المدينة، ومحنياً فوق الماء، وينفتح لصالات العروض الفنيّة تدريجيًا نحو المدخل الرئيسي، وكل ذلك مع مراعاة الفنون المعماريّة التقليديّة للتحكّم بدخول الضوء الخارجي إلى الداخل، فيبدو المتحف وكأنه معبر رمزي بين التاريخ والمستقبل.

صعوبات وعراقيل

أنجزت أولى ثمار المشروع، “متحف موقع قلعة البحرين” الذي افتُتح في فبراير 2008، بدعم من بنك أركابيتا. ثم تلاه “مسرح البحرين الوطني” الذي افتتح في نوفمبر 2012 بدعم من ملك البلاد، ليُصبح ثالث أكبر مسرح في العالم العربي بعد “دار الأوبرا المصريّة” و”دار الأوبرا السلطانيّة العُمانية”. ولكن مشروع “الاستثمار في الثقافة” يواجه عراقيل كثيرة منذ إطلاقه، معظمها تتعلق بالتمويل، بالإضافة إلى كون الفكرة جديدة على مجتمع خليجي لم يُدرك بعدُ مدى أهمية الثقافة.

تزداد مشكلة التمويل اليوم نتيجة الظروف، مع انخفاض أسعار النفط الذي تعتمد عليه دول المنطقة بشكلٍ شبه كلّي، والعقبات التي تواجه البحرين منذ العام 2011 سواء أكانت سياسيّة أو أمنيّة أو اقتصاديّة. فالبحرين اليوم في أمس الحاجة لإعادة ثقة السائح بها، وتنشيط القطاع السياحي في المملكة الخليجيّة الصغيرة، وجعله أكثر إسهاماً في الناتج المحلّي انطلاقًا من مبدأ تنويع مصادر الدخل، لا سيما أن البحرين تمتلك أقل مخزون نفطي مقارنةً بشقيقاتها الخليجيّات.

مرحلة حساسة

في وقتٍ  تُدمّر المتاحف العربية ومقتنياتها، وتُجرف المواقع الأثرية كما حصل في العراق، أو تكون تلك المواقع ضحيّة النزاعات والصراعات كما هو الحال في سوريا، أو تُقتحم المتاحف ويُقتل روادها كما في تونس، لا بد من الاستنتاج أن وضع المؤسسات الثقافيّة في العالم العربي حرج وفي خطر، وأن المطلوب هو أن تولي الدول العربية اهتماماً لتلك المؤسسات الهامة، وتُخصّص حصة أكبر من ناتجها القومي للثقافة والتعليم، بدلاً من التسلّح. فإن فرّقتنا السياسة، بقيت الثقافة هي الجامعة.

كلمات مفتاحية
البحرين فن متاحف

التعليقات

المقال التالي