العمارة الإسلامية وعلاقتها بالتاريخ

العمارة الإسلامية وعلاقتها بالتاريخ
داون تاون الجونة، مصر

لغة العمارة هي الشكل والمجسم والصورة، مجالها هو الحياة الإنسانية في محيطها المدني والبيئي، أما ملهموها فالحاضر المعاش والمستقبل المرجو والماضي الماثل بآثاره وكتاباته ودروسه: تلك التي نجحت وخلفت الأوابد والمباني، وتلك التي لم تتجاوز نظريات المنظرين واقتراحات المبدعين.

بحكم كوني مؤرخاً ومعمارياً متابعاً لما يجري في الساحة المعمارية العربية، لفت نظري اتجاه سائد في العمارة العربية المعاصرة جعلني أقرر أن أتخذه مدخلاً لإبداء رأي نقدي يتعلق بأسلوب تعامل العمارة العربية المعاصرة مع التاريخ. وهو أسلوب يضحي أحياناً بالنسبية التاريخية، وأحياناً بالمنهج، وأحياناً بالدقة والأمانة في الاستشهاد بالتاريخ نفسه من خلال استنساخه لعمارة الماضي استنساخاً كاملاً أو من خلال إدماجه الحس التاريخي بالحس القومي في معانيه ورمزيته.

اعلان


بدءاً، لا خلاف على أن علاقة العمارة بالتاريخ حميمية وشبه عضوية، فهي قريبة للفن في ارتباطها بالماضي وتعويلها عليه في عرضها لنفسها كتعبير عن تجربة واختزال لماضٍ وتشوف لمستقبل. أنا بالطبع وبالاختصاص من دارسي العمارة في التاريخ وعلاقة العمارة بالتاريخ، ولكنني أريد، بشيء من المشاكسة ولكن أيضاً بكثير من الجدية، أن أطرح السؤال التالي: أي تاريخ؟ وكيـف تُبنى هذه العلاقة بين العمارة والتاريخ؟

 

لن أدعكم تحتارون طويلاً في التساؤل عن موقفي شخصياً، وهو موقف أجده معبراً عنه أدق تعبير في مدخل رواية The Go-Between للكاتب هارتلي L.P. Hartley، حيث يقول "الماضي بلد أجنبي، إنهم يفعلون الأشياء بطريقة مختلفة هناك". من هذه المقولة البسيطة والعميقة المغزى بكل ما تحمله من دلالات البعد والمغايرة والغرائبية واستحالة التماهي التام مع الماضي، يمكننا أن نستخلص أن كل اتكاء على مفهوم مباشر للتاريخ في أي عمل إبداعي أو بحثي يفقده كثيراً من مصداقيته وعنفوانه وانتمائه لزمانه، وحتى من تاريخيته.

ففي البداية كانت العمارة ابنة بيئتها وزمانها تلقائياً وعفوياً. ذلكم كان الحال على الأغلب مع كل حضارات العالم القديم، وكذلك كان الحال في الحجاز على عهد الرسول: قليل اللقاء مع العالم الخارجي وأقل من ذلك التلاقح والتبادل. ثم انداح العرب المسلمون خارج شبه جزيرتهم يحملون دينهم وكتابهم وعصبيتهم وتاريخهم، التي اختزلتها أخبارهم وأشعارهم. تلاقت الثقافات، وكما نهل العالم القديم من رسالة الإسلام، نهل المسلمون من شعوب العالم القديم تجاربها وابتكاراتها وأذواقها. ظهرت عمارة جديدة فيها من كل مؤثر خصال ولكنها نسيج وحدها.

لم يكن الهاجس التاريخي بذي بال في العصور الأولى، فكل عمارة تختزل مجمل التجارب والإرهاصات والذكريات التي يحملها مبدعوها ومتخيلوها وممولوها ومشاهدوها مع قليل مشاحنة وتمايز، باستثناء بعض الحالات النادرة التي استخدمت العمارة فيها كموئل ووعاء إيديولوجي تجمعت فيه التأثيرات المعمارية الموروثة التي أعيد إحياؤها أو استنباطها، كما حصل في فترة الصحوة القومية الإيرانية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، مثلاً. ولكن الوضع بشكل عام كان أقل حدية: لكل عمارة امتدادها التاريخي الواضح والمحصور جغرافياً ومعنوياً وعقائدياً. ولم يكن الارتباط بالتاريخ موضع جدل وتمحيص، ربما لأن تحميل العمارة بالمعنى كان مفهوماً ضمناً دون كثير عناء، أو ربما لأن الكلمة، متلوة ومكتوبة ومنقوشة، كانت أكثر تعبيراً، وبالتالي أكثر ازدحاماً بالمعنى في المخيال العربي/ الإسلامي من الصورة أو الشكل أو الفراغ المعماري.

بقي الحال كذلك خلال كل العصور الوسيطة، مع بعض أخذ ورد حتى ظهور الحداثة في أوروبا ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر ودخولها لديارنا في القرن التاسع عشر من منبت غريب: جاءت وأدخلت معها الكثير، ثم حورت مما كان في ديارنا الكثير. من ضمن ما أدخلته المفهوم القومي للتاريخ، بكل عنجهيته واستئثاره بكل ما يدّعيه لنفسه. كذلك أدخلت الصورة المحملة بالتعبير لتنافس الكلمة في حملها للمعاني وشحنها للعواطف كما توجتها القريحة العربية لقرون عديدة. هكذا تلاقى الإثنان، التاريخ القومي المصنوع والمتباهي والتعبيرية المرئية، في أكثر من مجال، وكانت العمارة منها.

منذ تلك الفترة التي شهدت اهتماماً واسعاً بالتاريخ، خصوصاً التاريخ القومي الأوروبي المتعالي، ظهر تعريف واسع المضمون وفضفاض القالب للعمارة العربية - الإسلامية على أيدي منظرين أوروبيين من ضمن مجمل النشاطات الاستشراقية المختلفة. كان هذا التعريف مبتوراً ومسيساً ومؤدلجاً منذ نشأته. فالعمارة في البلاد العربية - الإسلامية، كسلسلة فعالة خلاقة ومبدعة، قد حُذفت بكل بساطة من سلسلة تاريخ العمارة العالمية التي أصبحت في الحقيقة محصورة بالعمارة الأوروبية وامتداداتها المتخيلة والصحيحة، عودة إلى اليونان ومصر الفرعونية. ولم تأت هذه الخطوة دفعة واحدة، وإنما أخذت وقتاً وجهداً بحثياً تركيبياً وتلفيقياً كبيرين بلغا أوجهما في عصر الغزو الأوروبي لمعظم الأراضي الإسلامية وهيمنة الحضارة الغربية الحديثة على العالم كله وسيطرتها شبه الكاملة على كافة أوجه الإنتاج الفني والثقافي فيه، ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

العمارة الإسلامية وعلاقتها بالتاريخ

بوابة بورتو أرابيا، اللؤلؤة، قطر

اعتباراً من هذا المنعطف الابستمولوجي، استعملت عبارة العمارة الإسلامية للدلالة بشكل رئيسي على إنتاج معماري محصور ومحدد بالثقافة الإسلامية الدينية. واختُزلت المساهمات المعمارية والإنشائية والعمرانية والزخرفية التي أنجزتها مختلف القوى الفاعلة اجتماعياً وسياسياً وإتنياً وتاريخياً في الحضارة الإسلامية إلى إرهاصات تعبر عن جوهر الإسلام الديني أو الغيبي فقط، وهُمّشت الاندفاعات الفنية أو المعمارية المبدعة التي خالفت الأسس التي نُسبت، حقاً أم اعتباطاً، للإسلام، أو حُذفت كلياً من الخطاب المعماري الإسلامي بحجة أنها لا تُمثل التوجه العام للإسلام. وأخيراً عُمّق حصر دراسة العمارة الإسلامية بالإطار التاريخي والحيز الجغرافي للإسلام - الذي فرضه أساساً إسقاطها من سلسلة تاريخ العمارة العالمية - أي بمعنى آخر أضحت العمارة الإسلامية عمارة الإسلام وحسب.

أما على صعيد العمارة نفسها في العالم العربي والإسلامي الحديث، فبعد فترة طويلة من الانغماس في الخطاب المعماري الحداثي ذي الصفة الدولية اللاتاريخية، عاد الاهتمام بالتاريخانية في العمارة للظهور في العقود الأخيرة تحت تأثير كل من التيار العالمي لما بعد الحداثة التي دعت للعودة إلى الاعتماد على الانتماء التاريخي للمنشأ المعماري شكلاً ومضموناً، وصعود مسألة الهوية الوطنية والقومية والثقافية إلى سطح اهتمامات المنظرين والسياسيين العرب في نفس الفترة واندفاعهم المحموم للتعبير عنها شكلاً ومعنى.

لكن هؤلاء المنظرين والمعماريين العرب المعاصرين، على صدق عاطفتهم وحرارة رغبتهم، لم يأتوا بجديد لم يقله جهاراً كل مؤرخي العمارة الأوروبيين اعتباراً من القرن الثامن عشر حتى سبعينات القرن العشرين، ويفترضه ضمناً كل المستشرقين الذين تصدوا أساساً لدراسة العمارة الإسلامية. فعمارتهم الإسلامية المعاصرة ما زالت حتى اليوم تتخذ تعريف العمارة الإسلامية الاستشراقية حجر الزاوية في مفهومها للانتماء التاريخي. وهي بذلك تغفل النظر في خلفيات هذا التعريف وارتكازه غير النقدي على أسس معرفية وتاريخية لا تعكس التطورات النظرية الحديثة في تجذير أي إنتاج ثقافي ضمن بيئته التاريخية. فهو، أي التعريف المعتمد، قاصر مثلاً عن إظهار الخلفية السياسية لتطور مفهوم العمارة الإسلامية، وهو كذلك عاجز عن الدخول في تحليل تاريخي حقيقي للعمارة الإسلامية نفسها التي أعيد إنتاجها على يد المدافعين عنها من المعاصرين، كعمارة تعبر عن جوهر الإسلام الديني اللازماني، وفي هذا الكثير من الإجحاف بحق تاريخيتها وبحقنا نحن كمستعمليها ومحبيها الحاليين.

على هذا لم ينجح، هؤلاء المعماريين المعاصرين المبدعين، تشكيلياً وبصرياً فعلاً في تحرير العمارة الإسلامية المعاصرة من قوقعة خصوصية ثقافتها ومحدودية بيئتها المفروضة عليها، ولم يتمكنوا من فتحها على تاريخ العالم الفني والإبداعي كعضو مساهم وفعال وأساسي في التراث المعماري الإنساني المشترك. فهم، من خلال تأكيدهم على خصوصية العمارة الإسلامية، في تحديدهم لتاريخانية عمارتهم ومن خلال اعتمادهم على سياق يكرس كل ما افترضته التراتبية المتسلسلة لتاريخ العمارة الغربية، لم يتمكنوا بعد من اختراق إسار التبعية التقليدية المسيطرة على الإنتاج الثقافي العربي المعاصر ككل، وسبر كل التجارب المتوافرة لهم لكي يصوغوها صياغة متفردة ثم يظهروها عمارة جديدة تخاطب الإنسان وتدغدغ كيانه، أياً كان هذا الإنسان ومن أي مكان جاء.

لكن هذا المنحى الإبداعي المأمول قد بدأ يظهر في عمل قلة من المبدعين العرب الشباب الواعدين، تعلن أعمالهم من خلاله، من دون ضجيج ولا ضوضاء، عن ولوج بعض طلائع الخلق المعماري العربي، في بداية القرن الواحد والعشرين، ساحة الثقافة العالمية وتعاملها معها من خلال عمليتي أخذ وعطاء مثمرتين، من دون عقد نقص ولا تبجح، أو كبرياء زائفة.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 14.04.2014

التعليقات

المقال التالي