158 من روائع الفن الحديث والمعاصر تحلّ ضيفة على دبي

"يتميز هذا المزاد بأنه مزاد أكاديمي قائم على الحداثة لا على المعاصرة العربية"، عبارة اختصرت بها هلا خياط، مديرة قسم المبيعات في دار كريستيز Christie’s مزاد الفنون العربية والإيرانية والتركية الحديثة والمعاصرة، الذي ينظم في 18 مارس الجاري في فندق أبراج الإمارات في دبي. يحاكي هذا المزاد، بحسب خياط، مقتني الأعمال الفنية المخضرم أكثر منه الجديد، حتى لو أن المنظمين يرحبون بكل مشترٍ "يحضر المزاد ويعشق عملاً فنياً ويقتنيه". ويعزى السبب، بالنسبة لخياط، إلى أن المزاد العلني يحتفي بأكثر من مئة عام من الفن العربي، لذا لا بد أن يكون المقتني مدركاً تاريخ الفن ومقدراً لقيمته.

وبعد أن شهد موسم مزادات كريستيز في دبي عام 2014 زيادة بلغت 50% من القيمة الاجمالية للمبيعات مقارنة بالموسمين السابقين، ارتفع عدد المزايدين والمقتنين الجدد المشاركين بنسبة 23%. وعلى الرغم من أن خياط تشدد على صعوبة إيجاد أعمال فنية عربية مميزة، فإن موسم مزادات كريستيز الثامن عشر يحتضن 158 عملاً من 20 مجموعة فنية شهيرة، وتشير خياط إلى أن المزاد الحالي يركّز على الأعمال العربية أكثر مما يركز على الأعمال التركية والإيرانية.

ترى خياط أن المزاد العلني تطوّر منذ تنظيم أول مزاد علني للدار في دبي عام 2006 ونجح في الاستحواذ على أعمال لم تُشاهد معظمها من قبل. ومن المرتقب أن يكون الأكبر قيمة في الشرق الوسط. تقول: "وجودنا مستمر وقد نجحنا في الحصول على ثقة العالم، ففي السابق، تردد الكثيرون في منحنا اللوحات وكانوا يتساءلون عما نفعله في دبي". وتروي: "اتصلت بأحدهم وسألني أي قطعة أريد؟ أنا أعرف ما يملكه من لوحات، فأجبته أنني أتمنى عرض لوحة لأوغيت كالان Huguette Caland ابنة رئيس الجمهورية اللبناني السابق بشارة الخوري، التي اعتبرت رائدة في عصرها، ووافق على الفور. قبل خمس سنوات، لم يكن ذلك ليحدث".

الفن الفلسطيني

قد يكون أبرز ما يميّز هذا المزاد تخصيصه قسماً للفن الفلسطيني للمرة الأولى على الرغم من بعض الأصوات المنتقدة. أرادت دار كريستيز أن تكشف مجموعة من الأعمال الفنية المعاصرة والحديثة مشددة على غناء الفن الفلسطيني ومسلطةً الضوء على الظروف الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي انعكست في أعمال الفنانين الفلسطينيين.

تصحبنا “ماسة الكتبي”، الاختصاصية في الفن العربي المعاصر والحديث في دار كريستيز دبي، في رحلة لاكتشاف الأعمال الفلسطينية التي اعتبرتها مزيجاً لأساليب فنية مختلفة تعكس تشتّت الفلسطينيين بين الخارج والداخل. وتشدّد على أنّ الكثير منها "مفاهمية" Conceptual أي أنها تحمل قصة.

دار كريستيز - الفن الفلسطيني

لوحة خالد حوراني التي تحمل عنوان "نسخة بطاقة الحمار الوحشي" Zebra Copy Card مثيرة للاهتمام برأيها، لأنّها تعكس الإستراتيجيات الخيالية التي يعتمدها الفلسطينيون للتأقلم مع الظروف. وتقول: "كانت حديقة الحيوانات في غزة تفتقر للكثير من الحيوانات الغريبة. فلم يكن على ابن صاحبها إلا أن يحضر حميراً ويحوّلها إلى حمير وحشية من خلال طلائها". يقدّر ثمن هذه اللوحة بين 10 إلى 15 ألف دولار. وتلفت الكتبي أيضاً إلى قصة منحوتة البقرة Pixelated Intifada للفنان الفلسطيني عامر شوملي الذي صممها عام 2012 في الذكرى الخامسة والعشرين للانتفاضة الأولى، وتقول: "هي قصة حصلت عام 1987 عندما أراد بعض الناشطين الفلسطينيين انتاج منتجات الحليب الخاصة بهم فاشتروا 18 بقرة. إلا أن الجيش الإسرائيلي اجتاح المرزعة واعتقل الناشطين وأمر باغلاقها وذبح الأبقار. فلم يكن على الناشطين إلا أن أخفوا الأبقار التي اعتبرها الاسرائيليون تهديداً للأمن الوطني في الجبال. ولكن عام 1991، عندما تم توقيع اتفاقات مدريد، اعتبر ناشطو بيت ساحور هذه الاتفاقات خيانة لهم فذبحوا الأبقار بأنفسهم". صمم الشوملي هذه المنحوتة بالخشب المحروق تعبيراً عن قضية خاسرة، ويراوح ثمنها بين 25 و30 ألف دولار.

يبدو الفرق واضحاً بين أساليب الفنانين الفلسطينيين. أراد الفنان عاصم أبو شقرا مثلاً أن يكشف عبر لوحة "ربطات العنق" Neckties بحثه الدائم عن حالة السواء، هو الذي يعتبر من فلسطيني 48 والذي عانى طوال حياته من رفض الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. تقدر قيمة هذه اللوحة للفنان الذي لم يغادر يوماً قريته والذي اشتهر بـ"مجموعة صبرا"، بين 55 و75 ألف دولار. أسلوب ساري خوري، وهو فنان غادر فلسطين إلى الولايات المتحدة، مختلف جداً في لوحته "بين الركام" Among the Ruins التي يراوح ثمنها بين 15 و 20 ألف دولار. تشرح لنا الكتبي: "غالباً ما يعبر فلسطينيو المهجر بطريقة تجريدية ومختلفة عن مشاعرهم". عمل عبدالرحمن المزيّن، بالنسبة للكتبي، مختلف أيضاً، لا سيما أن المزيّن كان مسؤولاً في منظمة التحرير الفلسطينية. لجأ في لوحاته، وتحديداً لوحة "عنات والانتفاضة" Anat and the Intifada إلى الرموز المعقدة في التطريز الفلسطيني للتحدث عن الصمود متحدياً الرقابة الاسرائيلية. ويقدر ثمن لوحته بين 10 و15 ألف دولار.

ولا يمكن أن نمر مرور الكرام بلوحة "نحن بخير" لإسماعيل شموط، وهي تذكّرنا بالدور الذي لعبته البرامج الإذاعية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، التي كان يلجأ إليها الذين يعيشون في مناطق الحرب لطمأنة أقاربهم عن سلامتهم. يراوح ثمن اللوحة بين 100 و150 ألف دولار.

دعم الفنانين اللبنانيين

تعدّ مجموعة جوني مقبل إحدى أهم المجموعات المرموقة على ساحة الفن اللبناني المعاصر والحديث. وكان جوني ونادين مقبل قد أسسا هذه المجموعة منذ عام 1998 عبر الاستحواذ على العديد من الأعمال الفنية. تحولت هذه المجموعة إلى مشروع متعدد الجنسيات يهدف إلى دعم المواهب اللبنانية الموجودة على الساحة اليوم، فضلاً عن الترويج للفنانين اللبنانيين الصاعدين في ظل سعيهم لاكتساب شهرة عالمية.

قدمت مجموعة مقبل 14 لوحة فنية لدار كريستيز لطرحها في المزاد العلني، وسيعود جزء من الأرباح للاستثمار ودعم وشراء أعمال فنية لبنانية جديدة. أكثر من نصف اللوحات الفنية مرسومة بريشة الفنان بول غيراغوسيان المشهور في لبنان بالحداثة، بالإضافة إلى أعمال للفنانين أيمن بعلبكي وفريد عواد وتغريد درغوث.

أعمال فنية استثنائية

لا شك في أن الأعمال الفنية المميزة كثيرة في مزاد كريستيز العلني الخاص بالفنون العربية والإيرانية والتركية الحديثة والمعاصرة، وقد اخترنا لكم بعضاً منها.

  • “عازف الكمان” للفنان السوري لؤي كيّالي وهي لوحة من مجموعة التاجر والصناعي الحلبي ليون قنيدر، تبرز مقدرة كيّالي، فيكاد المرء يسمع صوت الكمان صاعداً من لوحته الفريدة. يراوح ثمن هذه اللوحة بين 80 و 100 ألف دولار.

دار كريستيز - لؤي كيالي

  • "صورة زهرة" للفنانة الإيرانية منير شاهرودى فرمان فرمائيان تعتبر الأغلى في المزاد وتقدر بين 350 و500 ألف دولار. تكمن ميزة هذا العمل الثلاثي الأبعاد الذي أنجزته فرمائيان عام 2009 في أنه يعكس مهارة فنانة مخضرمة كانت في التسعين من عمرها تقريباً عند تصميمها له. وهو مستوحى من فسيفساء المرايا التي شاعت في منازل الأرستقراطيين الإيرانيين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
  • "فرحة النوبة" للفنانة التشكيلية المصرية تحية حليم التي تراوح قيمتها بين 120 و180 ألف دولار. ورسمت حليم هذه اللوحة التي كانت اشترتها شركة سويدية عام 1965، بعد إنهاء المرحلة الأولى من تشييد السد العالي، وتعكس الأجواء الاحتفالية لتشييد السد وتخلّد نقطة التحول التاريخية للنوبيين والمصريين بشكل عام.
  • "جمل المحامل" للفنان الفلسطيني سليمان منصور، التي أحدثت جدلاً وضجة واسعين بعد اكتشاف وجود ثلاث نسخ منها، وهي التي رسمت نسختها الأولى عام 1973. وبعد اكتشاف دار كريستيز أن النسخة التي تعرضها هي الثالثة، قررت تقليص قيمتها التقديرية إلى ما بين 60 و90 ألف دولار.
  • "لوحة نيفين مظلوم" للفنان المصري محمود سعيد التي تعكس، بالنسبة لخياط، المرأة المصرية بكل جمالها في الخمسينيات وتجسّد زمناً ربما لن يعود. تراوح قيمة اللوحة بين 80 و120 ألف دولار.

دار كريستيز - لوحة نيفين مظلوم للفنان المصري محمود سعيد

يكشف هذا المزاد تنوّع وغناء مواهب المنطقة العربية الحديثة والمعاصرة ويشكّل فرصة للزوار بغية التمتّع بها حتى لو عجزوا عن اقتناء أي منها، فكأن دار كريستيز اختارت أجمل الأعمال الفنية من جميع أنحاء العالم وأتت بمتحف مؤقت إلى دبي.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الإمارات دبي فن

التعليقات

المقال التالي