مراجعة لرواية “سِفر الاختفاء”

مراجعة لرواية “سِفر الاختفاء”
"إن الشوق إليك كوردةٍ من شوك!"، تظل هذه العبارة التي يكتبها "علاء" لجدته في دفتر مذكراته، ترنّ في أذنك لأيام عديدة بعد أن تنهي رواية "سفر الاختفاء". العبارة ستتكرر أكثر من مرة في دفتر مذكرات "علاء"، الذي يسطّر فيه أجزاء من يومياته، يكتب فيه لجدته، عن ذاكرته وذاكرتها التي انحفرت في رأسه.
لكن هذه الذاكرة فيها شروخ، فالمدينة التي تحكي له عنها "يافا" لا علاقة لها بهذه المدينة التي يعيش فيها، برغم أنها "تشبهها إلى حد الجنون". تحكي له عن أناس لم يعودوا موجودين، عن أسماء شوارع تغيّرت. يافا التي تحكي له عنها جميلة، حقيقية، لكن يافا التي كبر فيها ملأى بالخوف والفقر والعنصرية. "يافاكِ تشبه يافاي، لكنها ليست مثلها. كأنها هي. مدينتان تتقمصان بعضهما بعضاً. حفرت أنت أسماءك في مدينتي، فأجدني كالعائد من التاريخ. منهك يتجول في حياته كشبح. نعم، شبح أنا يعيش في مدينتك. وأنت أيضاً شبح يعيش في مدينتي. ونسمي المدينتين يافا".

حياة الجدة، تاتا هدى، توقفت في الماضي، قبل النكبة، تؤرخ كل شيء بـ"هديك السنة وما قبلها وما بعدها"، تمشي في "يافا" لكنها "بتتعرفش عليّ"، مع ذلك فإنها لا تنفك تسأل: "كيف ممكن حدا يترك يافا؟". تشعر بنفسها وحيدة في هذه المدينة، بعد رحيل أهلها وزوجها وبقائها هي، تتذكر الحرب والضرب والتهجير وكيف فرغت البلد من أهلها، وأتى آخرون من الخارج وصاروا هم أهل البلد، فتشعر باليتم مضاعفاً ويصبح "اليتم هو البقاء في فلسطين بعد النكبة".

هذا الشعور باليتم والوحدة يمكن تعميمه على جميع الباقين في فلسطين، لكن "لا أحد يدرك وحدتنا نحن الباقين هنا"، لذا فإنهم احترفوا الانتظار، انتظار من خرج كي يعود، وانتظار أن ينتهي هذا الكابوس، وانتظار انتهاء هذا الشعور بالغربة. "خميس الحزين" يطلب دوماً أغنية "سنرجع يوماً"، وحين تسأله المذيعة عن سبب طلبها رغم أنه ما زال في الداخل، يقول إنه يشتاق إلى شيء مفقود لكنه لا يعرف ما هو.
الحدث الأكبر الذي تعتمد عليه "عازم" لبناء حبكة روايتها هو حدث فانتازي، إذ فجأة ودون أي إشارة مسبقة يستيقظ الإسرائيليون ليجدوا أن العرب اختفوا من كل أرض فلسطين، من البيوت والشوارع وأماكن العمل، بل حتى المعتقلون الفلسطينيون اختفوا من الزنزانات، "العرب اختفوا! ببساطة اختفوا. لم يظهر أي منهم في مكان عمله. بيوتهم خالية، هواتفهم ترنّ ولا أحد يجيب، لا العمال، ولا المتسولون، ولا السجناء، ولا المدرّسون، ولا المرضى.... جميعهم اختفوا".
يظن اليهود بدايةً أن العرب دخلوا في تنفيذ إضراب شامل، ثم يبدأون في محاولات تفسير وفهم هذا الاختفاء. تعلن قوات الأمن حالة الطوارئ القصوى، تُستدعى قوات الاحتياط، وتُعقد الجلسات التشاورية لحل هذا اللغز، لكن دون فائدة، فكاميرات المراقبة لم تسجل أي مشاهدة غير طبيعية، كما أن المداهمات لبيوت المختفين لا تسفر عن شيء.
تصوّر الكاتبة المواقف التي يتخذها الإسرائيليون من هذا الحدث، فالبعض يعتبر أن الفلسطينيين يخططون لتنفيذ هجوم شامل، وما هي إلا ساعات حتى يخرج جيش من المخربين عليهم ليهدد أمنهم واستقرارهم، فيما يرى آخرون أنه تدخل إلهي، أراد تخليصهم بمعجزة من العرب كي يعيشوا وينعموا بالهدوء في الأرض التي هي من حقهم، بينما يطلب القسم الثالث من الجميع أن يفرحوا بهذا الاختفاء وليس مهماً فهم أسبابه ومن وراءه، فالمهم أنهم تخلصوا من مصيبة كبيرة، أما القسم الرابع فيرى أن هذه عملية نوعية قامت بها قوات الجيش الإسرائيلي، وهنا تتضارب الآراء بين فرحٍ بهذه العملية، وخائف من ردة فعل العرب، وغير مقتنع أساساً بهذه الفكرة، لأن "دولة إسرائيل هي دولة قانون وما زالت الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة".
هكذا إذاً تظهر الكاتبة نظرة إسرائيل المتبجحة لنفسها، التي ترى نفسها "الغرب والحضارة وسط هذه الدول الشرقية المتخلفة"، دون أن يستطيع أفراد هذه الدولة فهم حق الشعب الفلسطيني في أرضه، إذ إن "إريئيل" رغم الصداقة التي تربطه بـ"علاء" لا يفهم قصص علاء وحديثه عن المكان وذاكرته، بل يعتبرها "أحاديث المهزومين عن أساطير الماضي".
ترسم الرواية صورة للعلاقات الشائكة التي يمكن أن تنشأ بين الفلسطيني والإسرائيلي، وكيف يشعر "علاء" بنفسه غريباً وهو يتحدث بالعبرية، أو يروي قصصهم لكي ينجح في المدرسة والجامعة، وفي الحفل الذي يتعرف فيه على "إريئيل" يعرّف عن نفسه: "أنا عربي الحفلة الذي تحتاجونه كي تقولوا أن لكم صديقاً عربياً".
تشير الكاتبة بين فصل وآخر في جمل سريعة إلى الطريقة التي يبدأ بها اليهود بالسطو على ممتلكات العرب بعد الاختفاء، على ما في ذلك من رمزية تحيل إلى إسقاطات أكبر وأوسع. "إريئيل" ينزل في البداية إلى بيت صديقه ويقرأ مذكراته بحجة أنه يريد معرفة سبب هذا الاختفاء، ثم يجلب أغراضه إلى البيت كي لا يغادره، بعد ذلك يضم مفتاح البيت إلى مفاتيحه. يعلن رئيس الوزراء أنه بعد مرور ثماني وأربعين ساعة على اختفاء العرب سيسقط حقهم في الوجود هنا، ولن يسمحوا لأحد بالعودة، وستحول كل أملاكهم إلى الدولة، عندئذ لا يجد "إريئيل" سبباً يمنعه من تغيير قفل باب شقة "علاء".
تكتب "عازم" شخصية الجدة بشغفٍ كبير. إنها الشخصية الحاضرة بغيابها، فالرواية تبدأ بموتها. هي تمثّل الذاكرة التي تركز الكاتبة على دورها في الحفاظ على فلسطين قبل النكبة، وعدم نسيان أسماء الشوارع التي تم استبدالها، وأسماء الناس الذين رحلوا، والأعياد القديمة. الذاكرة هي الجذور، التي دونها "لن ينبت شيء هنا". والذاكرة وحدها، تلك المدوّنة في دفتر علاء الأحمر الذي سيبقى مفتوحاً، هي ما سيمنع "دايان" من نسيان كل الجرائم المرتكبة، وهي ما ستمنع "إريئيل" من النوم. الذاكرة هي الخرخشات العنيدة التي سيسمعها وتقض مضجعه، "لكنهم لا يرون غير أنفسهم، يسمعون ولا ينصتون"، لذا من الطبيعي أن يبحث عن مصدر الخرخشة في كل الاتجاهات دون أن يعثر على أحد!
ابتسام عازم من مواليد طيبة المثلث، شمال يافا، فلسطين. حصلت على الماجستير في الأدب الألماني والإنكليزي والدراسات الإسلامية من جامعة فرايبورغ، ألمانيا. عملت صحفية ومحررة في القسم العربي لتلفزيون "دويتشيه فيله" الألماني، ثم في محطة نيويورك، وأخيراً انضمت للعمل مراسلةً لصحيفة "العربي الجديد". لها العديد من المقالات والقصص القصيرة المنشورة، وروايتان: "سارق النوم: غريب حيفاوي"، و"سفر الاختفاء".
الناشر: منشورات الجمل/ بيروت – بغداد
عدد الصفحات: 240
الطبعة الأولى: 2014
يمكن شراء الرواية على موقع النيل والفرات، أو موقع متجر الكتب العربية جملون.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي