أي لغة يتكلمها الجزائريون اليوم؟

أي لغة يتكلمها الجزائريون اليوم؟

بعد استقلال الجزائر عام 1962 وتأميم الإذاعة والتلفزيون، اتبعت سياسة لغويّة في البرامج والمسرحيات والمسلسلات - سواء الإذاعية أو التلفزيونية - تقوم على استخدام لغة دارجة مُفصّحة، كردّة فعل على قرن وثلاثين سنة من سياسة الفَرْنَسة وطمس الهوية الجزائرية. استمرت هذه السياسة ولو بشكل غير واعٍ  وعُرفي من قبل السلطة، إذ نرى في البرامج التي تبّث اليوم على التلفاز والإذاعة الوطنية مُمثلين يتكلّمون "دارجة غريبة" يخلطونها بـ"عربية مدرسية" يستعملها المواطن الجزائري في المدرسة ويسمعها على التلفاز فقط.

الدارجة في الجزائر غنيّة ومُختلطة، خاصة في السّاحل الذي يزيد طوله عن الـ1200 كلم، فالجزائر تعرّضت عبر تاريخها لأكثر من احتلال، سواء جاء بشكل صريح ومعادٍ، أو بشكل ناعم. جلب المُحتل معه ثقافته و«كليشيه» الرسالة الحضارية، من الرومان إلى الفرنسيين وما بينهما خلال قرون عديدة. لذلك نجد في الجزائرية، كما في اللهجات المغاربية التي تتقاطع معها، كلمات تركية، وإسبانية، وإيطالية، وعبرية، وفرنسية. كل هذه اللغات تركت أثرها في اللغة الجزائرية، التي تعكس التعدّد الثقافي للبلاد.

لكن عكس جارَي الجزائر، تونس والمغرب، نجد أن الدارجة الجزائرية تعتبر من قبل السلطة ومؤسساتها لغة "ساقطة". كلمة "هدرة"، التي تعني "الكلام" بالدارجة الجزائرية، أصلها العربي يأتي من كلمتي هَذْر (الكلام الباطل والخاطئ) وهادِر (الشيء الساقط)... ويرفض استعمالها في الأطر "الرسمية". يستحيل أن نرى على التلفاز الرسمي في الجزائر مثلاً، على عكس تونس والمغرب، نشرة أخبار بالدارجة.

للاستماع إلى حديث باللغة الدارجة الجزائرية

في المدرسة يطلب من الطفل/التلميذ أن ينسى اللغة التي تربّى عليها، الدارجة. يواجه الطفل في بدايات احتكاكه بالخارج إقصاءاً للّغة التي سمّى بها الأشياء، لحساب لغة "عربية مدرسية" أو خشبية هي نفسها لغة نشرة الأخبار. في الجامعة وفي الشعب العلمية (وحتى في الإدارات العليا الرسمية أو في المؤسسات الخاصة وسوق العمل) تطغى الفرنسية التي تستعمل للتداول والتدريس. هنا تصير هذه "العربية المدرسية" عقابًا إجبارياً ينتهي بانتهاء الدراسة، فيخرج الطالب غير متوازن لغويًا وبموقف عدائي من اللّغة العربية، التي هي في الحقيقة لغة مدرسية معرّبة، بعد سياسات التعريب التي قامت بها السلطة في السبعينيات من القرن الماضي.

الانفصام في الشخصية اللّغوية للجزائري عميق: نَبذ الدارجة في المدرسة ثم تعلم لغة "عربية مدرسية" مخصّصة لغرض وحيد: نيل علامة جيدة. ثم استخدام الفرنسية في الجامعة وسوق العمل. هذا الانفصام يخلق مواطنين لا يجيدون التعبير عن أنفسهم في لغة واحدة من دون الاستعانة بلغة ثانية، لغة واحدة تكون الأقرب لهويتهم وانتمائهم. ولكن النقاشات التي تدور حول اللغة العربية في الجزائر عقيمة، إذ يتم ربط اللغة العربية بالثوابت المقدسة وهي الأمة الجزائرية والدين الإسلامي. ويعدّ كل مجدّد معادياً لهذه الثوابت.

لكن في السنوات الأخيرة، ومع توسع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، تحسنّت علاقة الجزائريين، لا سيما الأجيال الجديدة، بالدارجة. نرى عودة لاستخدام الدارجة على هذه الشبكات، ربما بسبب استعمالها اليومي في المُحادثات والرسائل القصيرة وإن بحروف لاتينية. من جهة أخرى، كثيراً من الفنانين صاروا يدرجون كلمات من الدارجة في أعمالهم، أو تكون الدارجة هي نفسها لغة العمل.

«موسطاش»، فنان غرافيتي، حوّل اللغة الدارجة موضوعاً لأعماله، مستخدماً كلمات أو أمثالاً شعبية جزائرية. مثل تقديمه لصورة حيتان كتب فيها "طاق على من طاق". وطاق تأتي من «يُطيقُ» في اللغة العربية، في إشارة لقانون الغاب حيث يأكل القوي الضعيف. والمثل الذي يمكن استخدامه لتفسير الصورة هو: «حوت يأكل حوتاً وقليل الجُهد يموت».

لغات الجزائر - من طاق

يستعمل موسطاش أيضاً رسوماً مكمّلة للكلام في بعض العبارات مثل علم إيطاليا وعليه عبارة "ولا نتوما" (الصورة الرئيسية)، في إشارة إلى عبارة «روما ولا نتوما»، التي ترمز للهجرة غير الشرعية. أو عبارة: بلاد ميكي، التي تكمل صورة ميكي فيها كلمة بلاد. في صورة أخرى نقرأ كلمة "شكوبي" التي تعني بالدارجة "تبًّا" وأصلها طحالب بحرية (يقول الصياد لصاحبه ماذا اصطدت اليوم، فيجيبه هذا الأخير "الشكوبي"). كَتَبَ موسطاش الجزء الأول من الكلمة بحروف عربية ثم أضاف حرف π (الذي ينطق بي)، ويرمز في الرياضيات إلى العدد 3.16.

لغات الجزائر - بلاد

لغات الجزائر - شكو

من خاصية الدارجة الجزائرية أنّ ضمير المُتكَلّم يكون بنون الجمع، وهي خاصية لُغوية لشعوب الضفة الجنوبية من المتوسط، من الاسكندرية إلى المغرب. لذلك نقرأ في إحدى صوره "أنا نهدر جزايرية".

لغات الجزائر - انا نهدر جزايرية

يرتكز موسطاش كثيراً على الرموز المغاربية التقليدية، ذات الخلفية الأمازيغية، مثل الخامسة التي تعلّق على أبواب البيوت قديماً أو تحملها النساء على صدورهن لطرد العين. كل هذا يختلط بالثقافة الشعبية الجزائرية، من أفلام قديمة وأغان صنعت ذاكرة الأجيال، أو أحداث كبرى عرفها البلد والمادة المتوفرة عنها.

لغات الجزائر - شد في اصل

الدارجة بتدرجاتها، أو «الجزايرية» عُمومًا، صارت اليوم أكثر تحرّرًا ممّا سبق، إذ خرجت من يد السلطة، التي كانت تتحكم في الراديو والتلفزيون والجرائد، وتجاوزت وسائل الإعلام والترفيه التقليدية. لم تعد الجدران وحدها تحمل الكتابات بلغة الناس، لغة الشارع.

صلاح باديس

صحافي وكاتب جزائري، مشارك في إدارة موقع "نفحة" Nafhamag.com، يحمل إجازة في العلوم السياسية.

التعليقات

المقال التالي