مراجعة لرواية “لا تقصص رؤياك”

مراجعة لرواية “لا تقصص رؤياك”

يصف عبد الوهاب الحمادي في روايته الثانية "لا تقصص رؤياك" مدى تأثير الأحلام على الإنسان، وكيف أنها يمكن أن تكون مفتاحاً يكشف دواخل الشخص الحالم، أو تكون بمثابة رؤى لما قد يحدث. وفي كلتا الحالتين فإنها تكون بمنزلة مرآة عاكسة للواقع، وما يجري فيه، لكن بشكل مرمّز.

بطل العمل وراويه هو "بسام" الذي يطارده كابوس يتكرر، ويجعل من حياته بؤساً لا يطاق، "مستلقٍ... ظلام ولا أثر لأي ضوء. بعد تحديق... ألمح نقاطاً مضيئة متناهية الصغر، فأستوعب أنها... السماء، تتراقص النجوم وتتحرك، فجأة ينشق الظلام عن وجهٍ... مألوف مرتعب "سيقتلونني" يصرخ ثم يهيل التراب علي ويردم القبر… حتى أختنق وأفزع من النوم، هذه هي الصيغة التي ارتكز عليها الكابوس الذي لا يترك أسبوعاً دون أن يهجم. مرة ربضت أراقب من يهيل التراب وفور أن يسويه تأتي بومة بيضاء، ثلجية، تقف على القبر وتنعب".

من هذا الكابوس يصنع "الحمادي" حبكة روايته، إذ يبدأ "بسام" بتتبع خيوط ما يراه ليلاً، وفي سبيل ذلك يزور شيخاً يفسر الأحلام، وطبيباً نفسياً، ويروي الحلم لصديقه، لكنه لا يستطيع الوصول إلى أي نتيجة. يبقى في رحلة بحث، وكأنه يشبه بطل رواية ساراماجو "كل الأسماء" التي ترافقه ويحملها معه أينما ذهب، ففي هذه الرواية أيضاً البطل يبحث عن امرأة لا يعرفها.

يسلط الكاتب الضوء على الوضع السياسي في الكويت خلال السنوات القليلة الماضية، ويحكي عن الندوات السياسية التي عقدتها المعارضة، وكيف قوبلت بالعنف من قبل الطبقة الحاكمة. يشير إلى أكثر من رأي سياسي من خلال شخصيات الرواية، فيذكر كيف قامت المعارضة بتجييش القبائل للزج بها في الصراع السياسي، من خلال إثارة النزعات القبلية والطائفية. كما يشير إلى ركوب الطبقة الحاكمة لهذه الموجة وبدئها بتجميع الصحافيين والكتّاب للهجوم عبر القنوات الإعلامية على المعارضة والنيل منها من خلال شتم وتجريح القبائل التي تتألف منها، مما عزز النزعات والأحقاد الطائفية.

يستخدم الحمادي تعدد أصوات الرواة في الرواية، فتأتي بعض الفصول مكتوبة مباشرة على لسان أحد الشخصيات الرئيسية أو الثانوية، وتكمل سرد نواقص الحكاية وتضيء جوانب خفية منها. هكذا، ينتقل الكاتب بين زوجة "بسام"، وصديقه "يوسف"، و"نواف" وأشخاص آخرين، منهم "ن" التي تنشأ بينها وبين "بسام" علاقة عاطفية ثم تختفي من حياته. ومع تصاعد السرد في الرواية ومحاولات "بسام" تفسير الكابوس يتذكر تفاصيل حلم قديم آخر رآه، إذ رأى نفسه مع فتاة على شاطئ البحر، أهدت إليه بالوناً ملوناً، "أمسكت بالبالون، وأخذت هي تلعق كرة الفانيليا، أحسست بخفة، بدأت بالارتفاع تدريجياً، أحاول أن أفلت البالون فلا أقدر، التصق خيطها بكفي. كانت الفتاة تنظر إلي مبتسمة، أتت سيارة مسرعة فدهستها، أحاول قطع الخيط لأنجدها فلا أقدر… استمر البالون بإبعادي إلى الأعلى أكثر فأكثر... لعلها أنقذتني بذلك البالون من الموت".

يتطرق الروائي إلى أكثر من قضية أخرى في الرواية، مثل قضية العمالة الأجنبية، وقضية العدالة ووجودها على هذه الأرض من خلال مناقشات تجري بين "بسام" و"ن" التي يبقى اسمها مجهولاً على امتداد الرواية. يتطرق أيضاً إلى الفساد الموجود في أجهزة ومؤسسات الحكومة، ويصوّر كيف يستغل بعض أصحاب المناصب مكانتهم وسطوتهم لتصفية حسابات شخصية، إذ تتكشف الأحداث أن زوج "ن" يشك في علاقة زوجته برجل آخر، إلا أنه بسبب ابتعادها عن "بسام" يخطئ في هوية هذا الشخص فيقتاد شخصاً آخر ويمارس عليه كل صنوف التعذيب.

يجري الحمادي على امتداد الرواية نوعاً من المزاوجة بين الحلم والواقع، فيضمن الرواية أكثر من حلم، لأكثر من شخصية، ويكشف غموض هذه الأحلام وما ترمز إليه من خلال الأحداث اللاحقة، أو من خلال إشارات إليها حين يستخدم تقنية الاسترجاع في عرض ماضي شخصياته، وفي أحيان أخرى يلجأ إلى فصول مكتوبة على لسان الطبيب النفسي لتوضيح بعض الالتباسات. يختتم حبكة التشويق التي برع في إدارتها على امتداد النص بنهاية تمزج بين حلم البالون وكابوس القبر والبوم اللذين رآهما "بسام"، فتنكشف الحكاية ويتفكك اللغز وتتوضح الرؤيا التي قصّها علينا في الرواية رغم تحذيرات الآية القرآنية: "لا تقصص رؤياك"!

يستخدم الكاتب اسمه الحقيقي في الرواية، فيوهمنا أنه لم يكتبها، بل كتبها شخص آخر، هو أحد الشخصيات، لكن سبباً ما جعلها تصدر باسمه. "لعبة" إيهام القارئ بوجود روائي آخر كثر استخدامها في الروايات العربية في الآونة الأخيرة، ولعل أبرز أمثلتها "ساق البامبو" للكويتي سعود السنعوسي، و"حب في خريف مائل" للجزائري سمير قسيمي، و"جدائل صعدة" لليمني مروان الغفوري، وغيرها.

عبد الوهاب الحمادي كاتب كويتي من مواليد 1979. أصدر كتاباً في أدب الرحلات بعنوان: "دروب أندلسية"، وروايتين: "الطير الأبابيل"، و"لا تقصص رؤياك" المرشحة ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2015.

الناشر: المركز الثقافي العربي/ بيروت – الدار البيضاء

عدد الصفحات: 240

الطبعة الأولى: 2014

يمكن شراء الرواية على موقع Arabic Bookshop، موقع النيل والفرت، أو متجر الكتب العربية.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
رواية

التعليقات

المقال التالي