مراجعة لرواية “جرافيت”

مراجعة لرواية “جرافيت”

يتخذ الكاتب المصري هشام الخشن من حدثين متضادين تماماً عمودين أساسيين ليبني عليهما عمارة روايته "جرافيت"، ويتخذ من حكايات عائلة مصرية وعلاقتها بأفرادٍ حولها دعامات ليؤسس بها شقق هذه العمارة. الحدث الأول هو إرسال وزارة المعارف المصرية اثنتي عشرة فتاة إلى أوروبا لاستكمال الدراسة، والحدث الثاني هو ظهور جماعة الإخوان المسلمين. كلا الحدثين وقعا في عام 1928. وفي حين يحمل الحدث الأول معاني التحرر والانفتاح، فإن الحدث الثاني ينحو باتجاه التشدد والانغلاق والتعصب.

هكذا منذ البداية يبدأ الخشن لعبة المتضادات، التي ستستمر على امتداد الرواية، بأكثر من صورة. ففي المنزل نفسه تعارض جدة "نوال" ذات النزعة التقليدية المحافظة سفر حفيدتها التي ربتها ضمن البعثة لإكمال دراستها، بينما يشجعها والدها المتنوّر على السفر محتالاً على أمه "هناك شرح لها أنه اتفق مع خالتها على ترك حقائبها عندها حتى ميعاد السفر. بنوع من الخجل به مسحة حزن قال لها حامد إن أمه لن توافق على سفرها أبداً، لكنه في الوقت ذاته لن يفوت على ابنته ما يراه فرصة عظيمة، لذا ستسافر نوال وسيتولى هو إصلاح الأحوال مع الجدة بعد السفر".

أثناء استقرار البعثة، تتعرف "نوال" على "درية شفيق"، الفتاة المتمردة التي ترفض الانصياع للتقاليد والعادات، والتي تغيّر اختصاصها من دراسة التاريخ إلى الفلسفة. وبعد أن تعود إلى مصر تترأس تحرير مجلة "المرأة الجديدة"، ثم تتزعم حركة نسائية، وتناضل من أجل حقوق بنات جنسها ومن أجل المساواة مع الرجال.

وفي متابعة لمتضاداته يرسم الروائي شخصية مناقضة لشخصية "درية شفيق" هي "بهيجة" ابنة عم "نوال" التي لا تكمل دراستها، وتتزوج بشكل تقليدي متبعة خطى والدتها وجدتها، محافظةً على مفاهيمهما في الاهتمام برغبات زوجها وإطاعته وتعلّم فنون الطبخ لإسعاده.

يرصد الكاتب في الرواية نشوء وتوسع حركة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا، مستخدماً بعض المعلومات التوثيقية بأسلوب روائي، ومستعيناً بشخصيات حقيقية أعاد خلقها على الورق، هكذا يتعرف زوج "بهيجة" على الجماعة وينضم إليها من خلال "أحمد السكري" الذي كان أول وكيل للجماعة.

تغطي الرواية فترة تاريخية تمتد بين 1928 و1951، مصوّرةً المجتمع المصري والحراك السياسي والفكري في تلك الفترة، وكيف أن التعايش بين مختلف الأديان والطوائف والعرقيات كان سائداً، قبل أن تنحو جماعة الإخوان باتجاه العنف والتشدد وتنفّذ تفجيرات في أماكن إقامة الأقليات، فيبدأ المجتمع بالتحوّل إلى الانغلاق والتشدد وكره الآخر المختلف أو الخوف منه. "كانت أجواء احتفالية بلوغ دانيال كأجواء الأعياد، نكهتها مزيج لا يوجد إلا في مصر التي تتفرد بقدرة على مزج احتفال يهودي بنفحات تمصّره فيكون الناتج خليطاً من فلكلور عجيب لا يتذوقه ولا يعرف سره إلا أهل البلد (...) بعد صوت الانفجار وجد حلمي جسداً ملقى يتأوه ويتألم فأسرع إليه ليجد أنه دانيال وقد أخذت قدمه اليمنى تنزف بغزارة".

ترسم الرواية نموذجاً للشاب الواعي المثقف المتحرر من خلال شخصية "مختار صفوت" الذي يعجب بـ"نوال" ويرغب في الزواج منها. غير أن جدتها تخفي عنها الأمر وتقنعها بالزواج من ابن عمها "كامل" آملةً أن يصلحه الزواج ويحسّن حاله، غير أنّه يقوم بإهانتها والحط من شأنها، رافضاً كل محاولاتها في العمل أو التطور، ويصل به الأمر إلى أن يمزق كل لوحاتها. تبقى اللوحة الوحيدة الناجية هي اللوحة التي رسمها لها "كلود" صديقها الفرنسي بالجرافيت، وهو معدن فحمي حديدي تصنع منه مادة الكتابة في أقلام الرصاص. على اللوحة عبارة لم تفهمها نوال ولن تفهمها إلا في نهاية تغيّرات حياتها. "مدّ يده لها بورقة مطوية قبل أن يقفز في عربة المترو التي كانت على وشك الانطلاق. فتحت نوال الورقة فوجدت رسماً بالجرافيت لوجهها وأسفله عبارة بخط كلود جعلتها تسرح وتشرد”.

يقطع الكاتب روايته إلى فصول سردية، تتميز بانتقالات سلسة معتمداً على النمنمة والاشتغال على التفاصيل، بعيداً عن التطويل والتضخيم، ومجانباً الخط السردي التقليدي، إذ يقدّم ويؤخر في الحكاية، فيكشف ويخفي حسب مبتغاه، يبدأ بحدث في كل فصل ثم يفسر ما سبقه وما أدى إليه، ويصعد به إلى النقطة التي يريدها قبل أن ينهيه منتقلاً إلى الفصل الذي يليه.

لعل آخر ما يمكن ذكره عن التضادات في هذه الرواية هو مواقف الشخصيات التي تذهب إلى الأقصى في خياراتها، على العكس تماماً من الحلول التوفيقية التي تتخذها "نوال" دوماً في المواقف التي تواجهها. فنراها قد اختارت حلاً إصلاحياً في أن تتعلم الرسم الذي تحبه ضمن أكاديمية في باريس، دون أن تضطر لتغيير اختصاصها في الجامعة كما فعلت صديقتها "درية"، ونراها بعد أن أحاطت الديون بزوجها الذي أذاقها الويل وتزوج أخرى، تتراجع عن رغبتها في سجنه، بل تختار أن تبيع نصف العمارة التي تمتلكها مقابل أن يطلقها وتحصل على حريتها، دون أن تنتقم منه كما فعلت زوجته الثانية. لذا، ربما، يصح أن نصف هذه الرواية بأنها رواية جمع الأضداد.

هشام الخشن روائي مصري، من مواليد القاهرة 1963. له مجموعتان قصصيتان هما "حكايات مصرية جداً"، و"دويتو" وثلاث روايات هي "ما وراء الأبواب"، "7 أيام في التحرير" التي حُوّلت مسلسلاً تلفزيونياً، و"جرافيت" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2015.

الناشر: مكتبة الدار العربية للكتاب/ القاهرة

عدد الصفحات: 222

الطبعة الأولى: 2014

يمكن شراء الرواية من مكتبة النيل والفرات أو من متجر الكتب العربية جملون

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
رواية مصر

التعليقات

المقال التالي